بدر بالألوان..

38

تأملت في السيرة النبوية الشريفة ودرستها بعمق من أكثر من 200 كتاب، وسجلتها بالكامل أكثر من سبع مرات، فالحمد لله أعرف السيرة وأعرف تفاصيلها، لكن عندما أدرس السيرة من كتب السيرة فإنني أسميها دراسة السيرة بالأبيض والأسود، لكنني عندما أدرس السيرة من القرآن الكريم هنا أرى الألوان كاملة، فهو تشبيه بعيد قليلا بفيلم بالأبيض والأسود، تقليدي ليس فيه مؤثرات، وفيلم بالألوان كل الأشياء وتفاصليها تظهر فيه بوضوح، كذلك عرض السيرة في القرآن الكريم.

ولذلك أنا أتمنى أن الذين يكتبون السيرة، والذين يَدرسونها، والذين يُدرسونها، وخاصة في دروس المساجد، أن يعرضوها بالألوان ولا يعرضوها بالأبيض والأسود؛ أعطيكم مثالا من غزوة بدر، وكلنا يعرف غزوة بدر وما حدث فيها، وأن المسلمين لم يكونوا مستعدين أصلا للمعركة، فقد كانوا خارجين من أجل قافلة ثم تفاجؤوا في الطريق بجيش قادم، والنبي صلى الله عليه وسلم توقف واستشار الصحابة، فأبو بكر وعمر والمقداد بن الأسود وسعد بن معاذ رضي الله عنهم، كلهم وقفوا وقفة قوية، وكلهم بينوا إيمانهم وصدقهم، والجيش كله كان على هذه الحماسة.

وفعلا حدثت المعركة، وتعرفون كيف أصاب النعاس الصحابة قبيل القتال، ثم نزل المطر، ولما بدأت المعركة أخذ النبي صلى الله عليه وسلم حفنة من تراب ورماها على المشركين، وقال: “شاهت الوجوه”، فأصابتهم جميعا وبدأت المعركة.

وقد استمرت المعركة لمدة يقدرها بعض الباحثين بساعتين فقط، وكان عدد المسلمين فيها أكثر بقليل من ثلاثمائة، وعدد الكفار يناهز الألف؛ والمسلمون كانوا يرون جيش الكفار قليلا بأعينهم، والكفار كانوا يرون المسلمين نحو مئة مقاتل، هكذا كان تقديرهم لهم، فكانوا أيضا مستهزئين بهم، وهكذا تصف كتب السيرة أحداث المعركة فتحس كأنك تشاهدها بالأبيض والأسود.

الآن لو رجعنا إلى القرآن الكريم سنراها بالألوان، أولا سنجد أن معظم الحديث عن غزوة بدر كان في سورة الأنفال، ولنتخيل شخصا تعرض لحادث، فجئت أنت بعد الحادث مباشرة، وقلت لهذا الشخص إنه جاء من هنا، والسيارة جاءت من هنا، فلماذا أشرح له وهو الآن وقعت له حادثة، وهو لم ينس تفاصيل الحادثة لأنها حصلت للتو؟

فغزوة بدر ذكرت في الأنفال، وقد نزلت السورة في طريق العودة من المعركة، أي قبل أن يصلوا إلى المدينة.

مقالات مرتبطة

يقول أحد الصحابة الكرام: “نزلت سورة الأنفال في الغنائم لما ساءت فيها أخلاقنا، حيث كان كل واحد حريصا على الغنائم، وصارت الدنيا شغلنا الشاغل، فنزلت السورة لتربيتنا”، الأنفال لله ورسوله، ليس لكم شيء؛ بعد ذلك أعطاهم أربعة أخماس الغنائم في نفس الآية من السورة نفسها، لكن في البداية علقهم بالله تعالى: ليس لكم شيء، ثم تأتي السورة بالألوان، فتقول لحظة، أنتم الذين خرجتم أم أخرجتم؟ وإذ أخرجك ربك، الله سبحانه وتعالى هو الذي أخرجكم، وبعدها الصحابة كلهم كانوا متحمسين، هذا بالأبيض والأسود، أما بالألوان لا، {وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم}.

السيرة في القرآن الكريم تكشف لنا خبايا النفوس وحقائق ما يحدث، حقيقة الأمر وليس المظهر، لما رمى النبي صلى الله عليه وسلم، {وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}، لما نزل المطر الله سبحانه وتعالى أنزله لأهداف ذكرها في كتابه الكريم، لما أصابهم النعاس لم يصبهم بل الله الذي نزل عليهم النعاس حتى يقوموا نشيطين، ونزل المطر بمقدار يجعل الوحل عند الكفار، كلها تقديرات إلهية، ولما تدخلت الملائكة ألقى الله بها الرعب في قلوب المشركين.

إذن، عندما ندرس السيرة بالألوان وندرس الفقه بالألوان نتجاوز النظر البشري الذي يفصل الأحداث عن العقيدة، يفصل الأحداث عن الأسباب الإلهية، عن الأخلاق، عن القيم؛ بينما المطلوب أن نربط السيرة ونربط الفقه والأحكام الشرعية بالقيم والعقيدة والأخلاق والتدخل الإلهي.

 

عن سلسلة “حصاد العمر” للدكتور طارق سويدان.

تفريغ: سهام بنعزيزي.

التدقيق اللغوي: مصطفى الونسافي.