بيت النبوة : نموذج الأسرة القيادية..

55

من خلال هذا المقال سأعطي نموذجا عمليا لأسرة  قائدة تأسست على التميز والريادة وعاش كل فرد من أفرادها حياة رسالية. أسرة جمعت بين الإيمان والعمل، أعطتنا القدوة الصالحة في أدق أجزائها، غرست خيرا وأملا، وأثرت في هذا الكون كله تأثيرا إيجابيا، وزرعت أخلاقا وفكرا سويا ما زلنا نستمتع بثماره إلى الآن.
إنه بيت النبوة، البيت الذي أسسه الرسول صلى الله عليه وسلم بقيادته الرشيدة وحكمته العظيمة، بيت نموذجي لكل مسلم أراد أن يؤسس أسرة قائدة صالحة ومصلحة.

قبل أن نستمتع بدفء هذا البيت وسكينته، لابد أن نلقي نظرة على مراحل حياة مؤسسه، كي نربي أنفسنا على ما تربى عليه الرسول الكريم من مكارم الأخلاق وحسن المعاملات.
الإنسان المؤهل لحمل الرسالة:
عاش الرسول صلى الله عليه وسلم يتيما، فقد والده قبل ولادته، وبعد ولادته بسنوات قليلة فقد أمه، وهذا الحرمان من توجيه الأب وحنان الأم جعله يتحمل المسؤولية منذ صغره ويكون أكثر قوة في مواجهة تحديات الحياة وعقباتها. كما أن عمله في رعي الغنم منذ صغره جعله أكثر مسؤولية وصبرا. كما اتسم صلى الله عليه وسلم بحسن الخلق فلم تصدر منه كلمة فاحشة قط، أو فعل مناف للآداب العامة، كما كان صلى الله عليه وسلم يستنكر شرك قومه وحيادهم على الفطرة السليمة.
تميز الرسول صلى الله عليه وسلم بين قومه بالصدق والأمانة، وهي من الصفات الأساسية للقائد، بحكمته ونضجه ومبادرته، فقد كان مصدر الثقة وحل الأزمات.
أول خطوة في تأسيس البيت القيادي: حسن الاختيار
إنه البيت الجميل الذي جمع الطاهرة بالأمين، زوجان تكاملا واشتركا في المؤهلات والأخلاق، خديجة الطاهرة رضي الله عنها، والصادق الأمين صلى الله عليه وسلم. كانت حاجة خديجة رضي الله عنها كبيرة لإنسان أمين يدير أموالها وتجارتها، وأيضا لزوج مسؤول تشعر معه بالأمان والطمأنينة. وكانت حاجة الرسول الكريم لخديجة رضي الله عنها كبيرة، لأنه احتاج إلى امرأة ناضجة حكيمة وحنونة تصونه وتغمره بالحب والحنان… فتأسس البيت النبوي السعيد على أساس من المودة والسكينة والرحمة، والتعاون والتكامل والثقة والمسؤولية… فكانت أول خطوة لتأسيس الأسرة القيادية.

توالي الأزمات لاختبار صدق مشاعر الزوجين ومتانة أساس البيت:
هذه السيدة الشريفة الغنية رضي الله عنها نالت شرف أن تكون أم المؤمنين، زوجة سيد المرسلين، وأن تقدم له مالها، وبيتها، ونفسها، وتهيء له الجو المناسب لحمل الرسالة وأعبائها.
اصطفى الله تعالى نبيه الكريم لإتمام مكارم الأخلاق وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وفي أول تكليف له بهذه المهمة العظيمة احتاج إلى حضن دافئ يعيد له الثقةويثبته، زملوني… زملوني… دثروني… دثروني… فما كان من السيدة الطاهرة العظيمة إلا أن تقف موقفا عظيما بجانب شريك حياتها:”كَلَّا أَبْشِرْ فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ” [ البخاري : 4572]، ثم انطلقت تمشي به إلى ورقة بن نوفل –وكان عالمًا بالأديان – لتَحُلَ لزوجها اللغز الذي أُشكل عليه في أمر النبوة. ولم تكن بالمرأة السلبية التي لا تبالي بشؤون زوجها.
وتوالت الأزمات الكبيرة من موت الأبناء وسوء معاملة الأهل، والظروف الصعبة لتبليغ الرسالة النبوية العظيمة، والحصار والجوع والفقر، فلم يكن لهذه العائلة القائدة إلا أن تقوى روابطها، وتزداد مودتها لتواجه كل العقبات بصبر وقوة وحكمة.

التربية القيادية: يقول المفكر التركي محمد فتح الله كولن:
” كان يعامل أولاده وأحفاده بحنان كبير، ولم يكن ينسى وهو يعطي كل هذا الحنان أن يوجه أنظارهم إلى الآخرة وإلى معالي الأمور. كان يضمهم لصدره ويبتسم لهم ويداعبهم، ولكنه في الوقت نفسه لم يكن يغض طرفه عن أي إهمال لهم حول شؤون الآخرة، وكان في هذا الأمر واضحاً جدّاً وصريحاً جدا، ووقوراً ومهيباً وجادا فيما يتعلق بصيانة العلاقة بينه وبين خالقه. فمن جهة كان يعطي الحرية لهم ويرشدهم إلى طرق العيش بشكل يليق بالإنسان، ومن جهة أخرى كان لا يسمح بانفلات الانضباط أو سلوك طريق اللامبالاة. ويبذل كل جهوده وبكل دقة لمنع إصابتهم بأي تعفن خلقي، ويهيئهم لعوالم علوية وللحياة الأخروية. وفي أثناء هذه التربية كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحذر من الوقوع في الإفراط أو التفريط، بل يختار الطريق الوسط ويمثل الصراط المستقيم. وكان هذا بُعداً آخر من أبعاد فطنته”.

الحب بالقول والعمل، الحكمة في التعامل مع أزمات الأسرة والأبناء، التوجيه والتحفيز، القدوة الصالحة، الإيمان، التدريب على تحمل المسؤولية… كلها مواصفات امتاز بها البيت النبوي في تربية الأبناء والأحفاد.
وكان نتاج هذه التربية الصالحة سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء رضي الله عنها، حيث جمعتها علاقة غاية في الروعة مع والدها القائد العظيم والمربي الفاضل صلى الله عليه وسلم، تحملت المسؤولية بعد وفاة أمها رضي الله عنها، وعايشت مختلف الأزمات التي واجهت البيت النبوي.

يقول الدكتور راغب السرجاني :
” كانت فاطمة -رضي الله عنها- من قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكان؛ إذ كانت من أحب الناس إليه، كيف لا وهي بنت مَن رزقه الله حبها، وهي خديجة رضي الله عنها، وكانت أشبه الناس بها، فلما ماتت كانت تقوم مقام أمها في تخفيف الآلام والأحزان عنه صلى الله عليه وسلم ، وتساعده في شئون حياته ومعيشته، حتى بعد زواجه وزواجها رضي الله عنها “.

ومن أنبل الصفات التي تميزت بها السيدة فاطمة رضي الله عنها: الحياء، الصدق والقناعة.

البيت القيادي كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء:
الأسرة القائدة ليست أسرة منقطعة الجذور والأعمال، هي أسرة منتجة، مؤثرة، فاعلة في مجتمعها، تضمن استمرار نسلها المتميز، وأيضا تساهم في توازن مجتمعها وريادته.
وهذا ما نراه جليا في البيت النبوي الشريف، بيت رسالي لا يتوانى عن نشر الخير والصلاح في الأرض، كان كل فرد من أفراده نورا يضيء محيطه، وظلت بصمته قرونا عديدة، ومازالت الإنسانية جمعاء تجني ثماره إلى الآن.
واستمرت هذه الشجرة الطيبة تؤتي أكلها بتأسيس بيت نموذجي آخر يجمع سيدة نساء العالمين رضي الله عنها، بالقائد علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي تربى في كنف النبوة أيضا.
فكانت ثمار هذا البيت الجميل حبا الرسول صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين، اللذان ملآ البيت النبوي بهجة وسرورا، وعوضا الرسول الكريم عن موت أبنائه الذكور، فقد كان يكن لهما محبة خاصة ويلاعبهما ويعطيهما القدوة الصالحة ويوجههما نحو الخير والصلاح.

يقول المفكر محمد قتح الله كولن :
” لقد كان قبل كل شيء أبا وجداً لا نظير ولا مثيل له.. وقد يبدو لنا هذا أمراً بسيطاً من الناحية الاجتماعية، إلا أنه في الحقيقة من أصعب العقبات التي يجب على الإنسان تخطيها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف الأول من الذين تخطوها بسهولة وبنجاح، فأصبح أفضل أب وأفضل جد. ثم إنه ربى أولاداً وأحفاداً جاء من صلبهم معظم رجال السلسلة الذهبية في التأريخ الإسلامي من الذين كانوا شموساً وأقماراً ونجوماً هادية “.

صل الله على الرحمة المهداة للعالمين، الذي أعطانا نموذجا رائعا للقيادة بكل مقوماتها، وفي مختلف أدوارها، فكان الأب والزوج والجد، والصديق والأخ والجار، والمعلم والموجه والهادي، والقائد العظيم الذي ملأ الأرض نورا وصلاحا، فترك بذلك هديا طيبا لكل من أراد أن يعيش حيا ويموت حيا.

      عن سلسلة الأسرة القيادية.
للمدربة الأسرية فاطمة الزهراء شرويط..