الشباب والمستقبل

220

من الآفات المعضلة التي أصابت الدول العربية خاصة و العالم عامة، التي  يقف عندها الواحد مذهولا لا يقوى على أن ينبس ببنت شفة، هي عدم توجيه  الشباب و تيهه وسط وابل من التفاهة و العبث الذي صار ديدن الكثيرين و منهج  حياة اتخذوه شعارهم، إلا فئة عزت بنفسها و نفذت غبار الذل و الانحطاط لمثل هذه المستويات الدنيئة.

سنتطرق في هذا المقال إلى أصل الداء، و عواقبه ثم  الحلول المقترحة لمعالجة ذلك.

واقعنا الحالي :

في عصر الفسابكة و ” اليوتيبورز ” و المؤثرين كما يسمونهم مستعملو وسائل  التواصل الاجتماعي، يجد الشباب أنفسهم وسط موجة من القدوات المزيفة التي  صنعها إعلام مزيف يخدم مصالح و أجندات مختلفة. قديما كانت الشعوب و الدول  تتحارب عسكريا فيتخلف عن ذلك خسائر بشرية و مادية رهيبة، فكان الحل عوض  الحرب المباشرة، حرب فكرية تغزو العقل البشري، فتغسله و تصوغ أفكاره  بالطريقة التي تريدها، فيختلط على الشباب الحق و الباطل، إلا قلة قليلة  ثابتة ثبوت الجبال الرواسي الشامخات، لا تزعزهم الأهواء و يرأبون بأنفسهم  أن يكونوا فريسة سهلة لكل من هم بتضييع أوقاتهم، أو المساس بمبادئهم، أو أن يحذوا حذوهم .

أسبابه وعواقبه :

إن المتمعن في هذا الواقع المؤسي، ليجد أن جذور المشكل متشعبة و متفرعة لا  تنطلق من مصدر واحد فحسب، بل من عوامل و مسببات مختلفة عواقب،  يلعب كل  فئات المجتمع فيها دورا هاما جدا، من أسرة تعد بمثابة المحضن الأم لكل  شخص، المدرسة بحكم أنها منهل العلوم و المعارف، و مؤسسات الدولة بمجملها  سواء منها الرسمية و الخاصة من هيئات المجتمع المدني.

كل هذا ينتج عند الشباب غموضا في الرؤية و لبسا في الوجهة التي يودون  الوصول إليها، والتي ستحدد ماهية حياتهم و شاكلتها في قابل الأيام من مهنة ، مسار أكاديمي و غيره. حيث ينقسم الشباب حيال هذا الوضع لقسمين: قسم  تائه لامبالي بتاريخه الذي لا يعرف منه إلا اسمه ، إذا لم يتنكر له جملة  لما سمعه من تغيير و تحريف أصاب هذا الأخير، و قسم يعيش خوفا مرضيا يثبطه و يقعسه عن تحقيق أهدافه إما لضغط أسري أو عرف مجتمعي يشكل أنا أعلى تسوغ  حياة الناس على  حسب مصالحها الخاصة، فلا تاريخ أجدادهم عرفوه و اعتزوا به ولا مستقبلا حاولوا بناءه تركا لبصمتهم بعد أن يواري التراب أجسادهم، و خدمة لأوطانهم و أمتهم .

الحلول المقترحة :

نظرا لكل ما ذكرناه سابقا، بدا جليا على أن كل الجهود وجب أن تتظافر  لإصلاح ما يمكن إصلاحه، لأن المسألة لا تفسد الواقع في حسب، بل تعمل على  تدمير منظومة برمتها تمس بالأجيال القادمة كذلك، لذا بادئ ذي بدء تتحمل  العائلة المسؤولية الأكبر داخل هذه الحلقة لكون السنوات الأولى من حياة كل  واحد منا، تلعب دورا في غاية الأهمية بما يتعلق بتكوين شخصيته، تنمية  ذكائه العاطفي خاصة، كما نصت على ذلك العديد من الأبحاث و الدراسات الطبية، نذكر من خلالها على سبيل المثال لا الحصر دراسة قامت بها مؤسسة Advances in Health  Science Education ، والتي قارنت  بين مجموعتين من الطلبة في مدى  تأثير التحفيز والتوجيه الاستراتيجي على تحصيلهم الدراسي ومعدلاتهم  في الامتحانات وكذا  مردوديتهم المعرفية.

المجموعة الأولى درست بشكل عشوائي و غير منظم، أما  الثانية فاتبعت برنامجا محكما و استراتيجية منظمة مع تحفيز أسري موازي،  فكان الفرق شاسعا بين المجموعتين . بناء على كل هذا بات من اللازم الذي لا غضاضة فيه أن تدرج ضمن المواد التدريسية في بلدنا الحبيب و كل الدول  العربية مادة تولي اهتماما خاصا لتوجيه الطلبة و دراسة مواهبهم و ميولاتهم،  حتى نعمل على تكوين أطباء يحبون عملهم و يعملون فيه بإخلاص ، مهندسين  يقومون بواجبهم بتفاني و يبدعون فيه، فتصبح الصحافة نزيهة والقانون عادلا، و تصلح كل قطاعات المجتمع، لأن العاملين فيها أناس عرفوا قدر المسؤولية  المنوطة بهم، فحملوها على عاتقهم أمانة أدوا حقها على أكمل وجه، و هكذا  تتطور الشعوب و المجتمعات.

ختاما، شبابنا مستقبلنا، فلنوجههم أفضل توجيه، ولا نترك مصيرنا بأيدي غيرنا.