الخروج من بطن الحوت..

102

قصص الأنبياء في القرآن الكريم لا تشبه في شيء حكايات ما قبل النوم، رغم أننا كثيرا ما نتعامل معها كذلك، على العكس قصص الأنبياء يجب أن تجعلنا ننهض، نستيقظ، تطرد النوم من أعيننا؛ كان لقصص الأنبياء دوما هذا الدور، ولكن بالنسبة للرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فقد كانت تحدثه عن قصص من سبقه من الأنبياء، كانت تختصر له التجربة وهذا ما يجعلنا نسأل من هو أول نبي تنزلت قصته على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم؟

بعبارة أخرى من هو أول نبي ذكر في القرآن الكريم حسب ترتيب النزول؟ هل هو سيدنا إبراهيم أبو الأنبياء الذي سمانا مسلمين، والذي تنتمي إليه كل الرسالات السماوية؟ لا، رغم هذه المكانة لم يكن هو؛ هل هو سيدنا موسى كليم الله، والذي تحتل قصته مع قومه ومع فرعون مساحة واسعة من القرآن؟ لا؛ هل هو سيدنا عيسى صاحب الرسالة السماوية الأقرب زمنيا إلى الرسالة الخاتمة؟ لا؛ هل هو سيدنا نوح الذي أنقذ البشرية من طوفان عظيم؟ لا؛ لم يبدأ القرآن بقصة صاحب السفينة بل بدأ ويا للعجب بقصة صاحب الحوت.

{فلا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم}، هذه الآية من سورة القلم هي ثاني ما أنزل من القرآن الكريم بعد سورة العلق؛ نحن إذاً في مرحلة مبكرة جدا من نزول القرآن الكريم ومن الدعوة، نحن غالبا في السنة الأولى للدعوة، لكن لا بد أن شيئا ما في قصة سيدنا يونس يجعل هذه القصة أول ما تنزل من قصص الأنبياء في القرآن الكريم.

كيف قدّم القرآن قصة صاحب الحوت؟

لا يذكر القرآن قصة سيدنا يونس إلا في ثلاثة مواضع: في سورة القلم، والصافات، والأنبياء، كل هذه المواضع تشترك في أنها تتحدث عن القصة بعد خروجه من قريته كما لو أن المميز في قصة يونس هو هذا الخروج، كما لو أن العلامة الفارقة هي في هذا الخروج من القرية أو في سبب الخروج.

الكثير من الأنبياء خرجوا من قراهم، فقد خرج إبراهيم، وخرج لوط، وخرج موسى، وخرج محمد، عليهم الصلاة والسلام أجمعين؛ لكن خروجهم كان مختلفا، فقد خرجوا بعد أن استنفدوا أساليب الدعوة، وخرجوا بوحي من الله عز وجل، لكن مع سيدنا يونس كان الأمر مختلفا، إذ لم تكن أساليب الدعوة قد استنفدت، ولم يتلق وحيا بالخروج، لقد خرج يونس غاضبا، إذ وصفه القرآن بأنه ذهب مغاضبا، مما؟ من قومه لأنهم لم يستجيبوا إلى دعوته؟ أم من نفسه لأنه لم يجعلهم يسمعونه؟ لا نعرف، لكن في لحظة صعبة تصور يونس أن لا أمل في استجابة قومه، تصور أنهم لن يتغيروا.

القرية التي خرج منها يونس لم تكن قرية عادية، لقد كانت “نينوى”، عاصمة الحضارة الآشورية، وهي المعروفة اليوم باسم الموصل، مدينة أجدادي العميقة العريقة، كانت نينوى بالنسبة للعالم القديم مثل: نيويورك أو طوكيو أو باريس في عالم اليوم؛ وأمام نينوى وجبروتها، وثيرانها المجنحة الشهيرة، وجيوشها التي وصلت إلى كل مكان، وقف يونس وهو يسأل ماذا بوسع رجل واحد أن يفعل أمام مدينة بأكملها، مدينة مثل نينوى؟

خرج يونس غاضبا من كل هذا وركب البحر، ربما ليبدأ بداية جديدة في مكان أيسر، لكن ما ترك مواجهته في نينوى ذهب ليطارده في عرض البحر، إذ هبت عاصفة هوجاء، وتصور الركاب بعقليتهم الوثنية أن آلهة البحر غاضبة من أحد ركاب السفينة ويجب أن يتم التخلص من هذا الراكب؛ كيف سيتحدد؟ بالقرعة، ومن دون كل الركاب وقف الاقتراع على يونس، فألقي في البحر، وهناك ابتلعه الحوت.

مقالات مرتبطة

في بطن الحوت وفي ظلمته بزغ النور من فهم جديد، لقد فهم يونس الدرس، أنك إن لم تواجه القيم السلبية فإنها ستطاردك بكل الأحوال، ترك يونس المواجهة في نينوى، لكنه وجد نفسه في عرض البحر في مواجهة ما تركه، في ظلمة بطن الحوت بزغ الفهم، وبزغ النور من هذا الفهم واتخذ شكل التسبيحة الشهيرة “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”، هكذا قال يونس؛ أنت من الظالمين يا يونس؟ أنت مظلوم، لقد ألقوا بك في البحر بعد قرعة ظالمة، لكن لا، لقد تغير معنى الظلم بالنسبة ليونس، الظلم هو أن تترك دورك، الظلم هو ألا تؤدي ما يجب أن تؤديه، للظلم أشكال متعددة، لكن أقسى وأقصى ظلم يمكن أن يحدث يبدأ من شخص ترك دوره، ترك إنجاز المهمة الموكلة إليه.

كيف يمكن ربط هذا كله ببداية الدعوة وبداية نزول القرآن في مكة؟ الرابط واضح، مكة وخلفها قبائل العرب والكعبة وفيها من الأوثان بعدد أيام السنة والقيم السلبية: الجهل؛ التواكل؛ الوثنية… كلها كان يمكن أن تجعل محمدا صلى الله عليه وسلم يقول: “ماذا بإمكان رجل واحد أن يفعل؟”.

تذكرون عندما ذهب الرسول الكريم إلى الطائف، تذكرون كيف تلقاه أهلها بالحجارة وبالسخرية الأشد من الحجارة، يومها انسحب الرسول الكريم إلى ظل بستان ليستريح مما لقيه من أهل الطائف، فجاءه خادم نصراني اسمه عدّاس بقطفة عنب، سأله الرسول الكريم: “من أين أنت؟” فقال عداس: “من نينوى”، فقال الرسول الكريم: “من قرية الرجل الصالح يونس بن متّى عليه السلام”، كما لو أن عداس جاء بقطفة العنب ليذكر الرسول الكريم بصاحب الحوت، بِلا تكن كصاحب الحوت، بالأمل رغم كل المصاعب، رغم بطن الحوت المظلم والموحش والمخيف.

ماذا عنك يا صديق؟ هل ستقول: ما علاقتي أنا بقصة صاحب الحوت؟ هل تعتقد أنها مجرد قصة وانتهت؟ لا يا صديق، قصص القرآن لا تنتهي أبدا، دوما ثمة حوت يتربص بنا، ليس بالضرورة في عرض البحر بل في طول وعرض وعمق الحياة، في كل مفترق طرق ثمة حوت يتربص بك يريد أن يسحبك، أن يبتلعك كثقب أسود عملاق له أسماء متعددة، بطن الحوت هذا أحيانا اليأس، أو السلبية، أو الكسل، أو الاستسلام، أو البطالة، أو التطرف، أو اللا شيء، ألا تفعل شيئا بحياتك، في حياتك، لحياتك، أن تأتي هذا الكوكب وتغادره دون أن تترك بصمة واحدة، اللا شيء.

إياك! إياك أن تكون سمكة داخل بطن حوت! ولا يشترط أن يكون بطن الحوت هذا مظلما، فربما كان مبهرجا بألوان براقة وأنت سعيد بكونك السمكة داخل بطن حوت مبهرج، إياك أن تكون سمكة زينة أو سردينة بشرية داخل بطن الحوت، إياك أن تموت قبل أن تموت، لا تترك حوتك يبتلعك.

لديك خيار أن تسهم في صنع السفينة، فلماذا تذهب إلى بطن الحوت؟

 

عن سلسلة “لا نأسف على الإزعاج” للدكتور أحمد خيري العمري.

تفريغ : حسناء العباسي

تدقيق لغوي: مصطفى الونسافي.