شيزوفرينيا الحب..

164

ومن الحب ما قتل

مقولة مشهورة قالها عبد الملك الأصمعي عندما رأى شاباً انتحر من حرقة عشق مقطوع الأوصال. وهي المقولة التي دفعتني للتساؤل: كيف يمكن للإنسان أن يضع حداً لحياته بسبب عدم حب الأخر له؟ الإنسان ذلك الكائن النرجسي الذي يزداد وحيداً ويموت وحيداً، يحب ذاته لذاته، كيف يقدم على فعل لا منطقي كهذا في حق نفسه؟ فهل الحب لا منطق؟ هل المحب عاشق أم مجنون؟ أم أن الاثنان وجهان لعملة واحدة؛ أي أن العشق نوع من أنواع الجنون أو الإضراب النفسي. لطالما شغل بالي هذا السؤال: هل يمكن تشخيص الحب كنوع من أنواع الاضطرابات النفسية؟

الحب :
الحب في حد ذاته شعور إنساني طبيعي، يعبر عن الرغبة في الود والتقرب من الآخر؛ أي أن تُكِنَّ الذات حبها لمن أحسن إليها، لمن يثلج صدرها ويجبر خاطرها. أن يحب المرء والديه، إخوانه، أو خالقه، هو في حد ذاته شعور إنساني عادي، لكن هذا الشعور الآدمي البريء يمكن أن يتطور فيما بعد ليصبح عشقا بالمعنى المرضي الذي أشرت له سابقا.

مقدمة عن الحب المرضي:

عبثا ما يحدث أن الإنسان الغير المرتبط يسرح بعقله ليتخيل مواصفات عشيقه المستقبلي، هذه العملية العقلية التي يسميها البعض ب “خلق فارس الأحلام”. حيث يبدأ العقل في بناء هذا الشخص بالنمط الذي كان يحلم به أو يفكر فيه منذ نعومة أظافره: يرى فيه كل ما كان يريد من جمال الخلقة وحسن الخلق، الإحساس به والقرب منه، الحنان المتبادل فيما بينهما والوضوح التام فيما يقال ودوام الرغبة في القرب من هذا الشخص. الغريب في الامر، هو أنه عند لقاء العشيق الحقيقي، ربما قد لا تكون فيه الصفات المرادة، وقد يتفق كل الناس على ذلك، لكن العاشق يرى العكس. يرى أنه التمثيل الواقعي لفارس أحلامه، بل ويتعجب من عدم رؤية الآخرين له بنفس الصورة، وهي نفس أعراض مريض الشيزوفرنيا؛ حيث أنه يرى، يفعل ويسمع أشياء لا يراها ولا يفعلها ولا يسمعها ويشعر بها سواه، فماذا يحدث لنا؟ هذا السؤال الذي لازمني كثيرا وكثيرا ما أسأل نفسي هل الحب نوع من أنواع الشيزوفرينيا؟

قرأت مقالة لشكسبير، حيث وصف فيها الحب قائلا: “أيها النوم إنك تقتل يقظتنا”. وغير ذلك، فمن خلال قراءتي للفلاسفة والكتاب والادباء في هذا الصدد، أرى أن الحب أعمى، اضطراب نفسي، والمحبون لا يستطيعون أن يروا الحماقات الصارخة التي يرتكبونها هم أنفسهم في حياتهم.

ما السبب الذي قد يوصل الإنسان لشيزوفينيا الحب؟

من جهة، فإن السبب في انتشار كهذه الاضطرابات يرجع للدعاية الإعلامية والبروباغندا التي تأخذ حصة الأسد في هذا الإطار، حيث تسهم بشكل كبير في ترسيخ أفكار مغلوطة لا تنسجم مع الواقع. إن الفكرة التي مفادها أن هناك شخصًا مميزًا في مكانٍ ما ستسوقه الأقدار إليك، تمثل أحد الاعتقادات القوية، وهي فكرة واهية تمامًا، إلا أنها إحدى الأفكار التي يؤمن بها الكثير من الناس، وهي فكرة رسختها هوليوود وأدب الخيال الرومانسي. الأفكار التي ترسخ أن الحبيب شخص فريد يستحق التضحية، وأنه هبة من الحياة يجب الحفاظ عليها هو الامر الذي قد يؤدي لمشاكل عقيمة كالوَلَه، والغيرة المرضية، وانكسار القلب، والتعلُّق غير اللائق، والإدمان. وهناك مضاعفات نفسية جسيمة لتجربة الوقوع في الحب على نحوٍ قاسٍ، وهذا أمر يجب أن نتعامل معه بشكل أكثر جدية، لأنه يتعدى الحب الطبيعي إلى اضطراب نفسي حاد كما سبق أن ذكرت.

أما من الضفة الأخرى، ففي علم النفس، غالبا ما نجد أنه لكل مرض نفسي، سبب مرضي من جنسه، وغالبا ما يكون هذا السبب في هذا الإطار معاناة العاشق من فراغ عاطفي قبلي، على سبيل المثال، الشخص الذي يشعر بحالة من عدم الاستقرار النفسي الشديد، لأنه لم يتلقَّ الحب الكافي في طفولته، ربما يكون أكثر عرضةً للغيرة المرضية. غير أن العوامل المحددة التي تجعل من شخصٍ ما هشًّا ربما تختلف اختلافًا كبيرًا عن العوامل التي تؤدي إلى النتيجة نفسها في شخصٍ آخر.

ومن أشد أنواع الحب الشاد، ما قرأته في كتاب The Incurable Romantic: And Other Unsettling Revelations
لعالم النفس “فرانك طاليس”، حيث يتحدث عن متلازمة “انترومنيا” التي تعبر عن شعور المريض بالهوس والحب المرضي تجاه شخص اخر، والأكثر خطورة أنه يتوهم أن هذا الشخص يبادله نفس المشاعر، ويبعث له بعض الإشارات الغير مقنعة بالمرة، ولكن هذا الشخص المريض بالبحث عن الحب المستحيل يخيل إليه أن هناك من يحبه في سرية تامة، وتبدأ رحلة من المطاردات والترصد، وكل ما يصدر عن الطرف الأخر بالنسبة لمريض الانترومنيا إشارة على حبه حتى لو كانت مجرد فتح ستارة النافذة، أو كتابة رسالة عامة على مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن هذا المهووس يخيل إليه أن في طيتها رسالة خاصة له.

ما أثار اهتمامي في حالة هذه المتلازمة كان أنها تظهر لنا نحن البشر المحبون أننا كمن يمشي على حافة الهاوية عندما يتعلق الأمر بالصحة العقلية؛ فأكثر الأشخاص اتزانًا وتمتعًا بحياة عادية جدًّا قد يجد نفسه فجأة ضحية لمرض يأخذه إلى أكثر المِحَن غرابةً وتعقيدًا: فالرسالة من هذه المقالة موجهة لأي شخص سبق له البحث عن شريكه الرومانسي السابق على جوجل أو على فيسبوك. لأي شخص لم يرتبط بعد، ويهوى قراءة أشعار نزار قباني وأدب شكسبير: اعلم يا أخي وأختي القارئة سواء أكنت مرتبط أم لا، أن على هذه الارض ما يقارب 6 بلايين إنسان، ولكل إنسان شبيه أو أكثر. ومن هذا المنطلق، فإنها لجريمة في حق نفسك أن تخاف فقدان شخص ما، ولجريمة هي أن تترك قيادة كيانك لهرموناتك وأحاسيسك. اعلم يا أخي أو أختي، أن قلبك استغرق 9 شهور ليتكون، فلا تترك أحداً يدمره في 9 ثوان.

لا تتخدد الحبيب كصنم للعبادة، بل كمؤنس في الوحشة، كمساعد في الضعف، وإن لم يكن، فكلنا نعلم أن أفضل مؤنس في الضعف هو الذات القوية، الذات الفاهمة لمشاكلك، الذات الأقرب لك من أمك ومن حبل وريدك: الله سبحانه وتعالى؛ فإذا ما استعرضنا سير المحبين على مدى التاريخ في الشرق والغرب، وجدنا أن أشقى الناس هو من اشتغل بمحبة غير الله سبحانه وتعالى، خصوصا إذا كان هذا المحبوب من البشر، وكذلك وجدنا أن أسعد الناس عيشاً وأهنأهم حياة هم الذين لا يحتاجون للغير. كيف لا و”الآخرون هم الجحيم” كما قال جون بول سارتر.

أسعد الناس هم المكتفون ذاتيا، الذين أحبوا الله سبحانه وتعالى. وكلما امتلأ القلب بمحبة الله تعالى كلما ارتفع معدل سعادة مالكه، وكلما امتلأ القلب بمحبة غير الله تعالى ازداد تعبه وشقاؤه؛ فهذا قيس أو مجنون ليلى يخرج إلى الصحراء هائماً على وجهه، وينادي ليلى ليلى، ولكن لا مجيب، والنار تشتعل من داخله وينشد أشعارا تدل على مدى ما يعانيه من آلام يعجز عن تحملها البشر، وقد أدى به أن يتجه إليها في الصلاة ولو كان ذلك عكس اتجاه القبلة. وهذا فان جوخ الرسام العالمي يقطع اذنه بشفرة الحلاقة ليعطيها إلى من أحب وينهي حياته بالانتحار، وآلاف الحالات تنتهي بالانتحار أو الجنون لأن المحبوبة قد تزوجت بغيره أو تركته ورحلت. وكل من تعلق قلبه بشيء غير الله سبحانه وتعالى عُذِّب به سواء أكان هذا المحبوب مالا أو عقارا أو منصبا أو سمعة ربما.

وحب الله هو الحل الوحيد للتحرر من عبادة أصنام الحياة….