الأعمال بالنيات..

111

إن سر السعادة والسكينة والطمأنينة يكمن فيما نملكه داخلنا في ذواتنا، أكثر بكثير مما نملكه بين أيدينا؛ أصحاب النيات الخيِّرة يؤمنون أن جوهر السعادة وسره يكمن في العطايا الأخف، وأن النية هي المطية.

عندما خلق الله الكون وضع نظاما كونيا أزليا أبديا لا يتغير ولا يتبدل، وهناك قواعد وأسس ومبادئ تحكم هذا النظام، وهي تتجاوز الثقافات والحدود الجغرافية؛ ومن هذه المبادئ: الصدق، والأمانة، والإخلاص، والعمل الجماعي، والإيثار، والعدل، والمساواة؛ وعندما يمتلك الإنسان نية عمل الخير فإن كل ما حوله يجند ليعمل معه لإنجاح مهمته، ولتحقيق العمل لما فيه خير ونفع للآخرين.

يقول ستيفن كوفي في كتاب العادة الثامنة : منذ أن رأى انشطاين إبرة البوصلة وهو في الرابعة من عمره أدرك أن هنالك شيئا ما خلف الأشياء شيئا خفيا في الأعماق وهذا ما ينطبق على كل شيء في مجالات الحياة .

كنت دائما أتساءل: كيف لحاملة الطائرات الضخمة العظيمة أن توجَّه إلى اليمين أو إلى اليسار بتلك السهولة؟ نتوقع أنه شيء كبير يتناسب مع شكل السفينة الضخمة، ولكن الحقيقة أنه ذراع لا يتعدى ثلاثة أمتار، يحرك ذراعا آخر أكبر منه، ليغير وجهة سفينة ضخمة مثل حاملة الطائرات؛ هذا الذراع هو تشبيه جيد للنية في الإنسان، مختبئة هناك في الأعماق بعيدة عن كل الأنظار، وفيها يكمن سر الكون والوجود، وبها لا بغيرها تتحقق السكينة والطمأنينة والقبول والفلاح.

عشرات الكتب ومئات المقالات التي كتبت عن هذا المجال، كاللغات، واختلاف الديانات، كلها تشير إلى أننا عندما نبدأ عملنا بنية خير خالص فإن النظام الكوني الأزلي سيكافئنا تلقائيا في هذه الدنيا، فالله خلقه كذلك والخالق يحب أن ينتشر الخير في الأرض، وعلى قدر ما في نفسك وعملك من خير فسترى في الدنيا الخير.

وعلى قدر ما في أنفسنا وأعمالنا من شر فلن نرى من الدنيا إلا مرآة أعمالنا، لذلك يقول إنشتاين: “إن أهم سؤال يجب أن تفكر فيه في حياتك هو هل تعيش في عالم ودود أم عدواني؟ لأنك عندما ترى العالم بطريقة معينة وبنية معينة ستفهم كيف تتعامل”.

مقالات مرتبطة

وهذا بالفعل سيكون العالم الذي ستصنعه بنفسك في حياتك، وعندما تغير نظرتك للأشياء فإن الأشياء التي تنظر إليها حتما ستتغير؛ يقول المؤلف لأكثر من ثلاثين كتابا “واين داير”، في كتابه قوة النية: “توجد قوة هي مصدر كل طاقة في الكون، وكلنا شئنا أم أبينا متصلون بها بالنية، وعلى قدر طهارة النية يكون اكتسابنا من هذه الطاقة، وبها لا بغيرها يستطيع الإنسان أن يصنع المعجزات”.

ليتنا كما نحمل في يدنا اليسرى ساعة تعلمنا بالوقت، نحمل في يدنا اليمنى بوصلة تشير عقاربها إلى الأعلى إذا كانت نيتنا خالصة لله، وتشير إلى الأسفل إذا كانت لدنيا نصيبها، ونسمي هذه البوصلة “بوصلة النية”؛ بالطبع نحن لا نملك مثل هذه البوصلة، ولكنني أومن أننا نستطيع أن نصنع بوصلتنا الداخلية.

إن صناعة النية علم تستطيع به أن تعرف كيف تغوص في أعماق نفسك لتسبر أغوارها، لتستجوبها وتختبرها، فتصححها وتقومها وتوجهها؛ صناعة النية علم لم نتعلمه في المدارس والجامعات، ولكنه كان من أهم العلوم التي حرص عليها الأوائل، وطبقوها ومارسوها فلم يقدموا على عمل بغير نية، لعلمهم أن النية هي روح العمل؛ والنية ليست كلمات يستهل بها المرء عمله، وإنما هي انبعاث النفس وميلها وتوجهها لما ظهر لها أن فيه غرضها.

يقول فاروق عمر ابن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى”.

وقال الشافعي رحمة الله عليه عن هذا الحديث إنه ثلث العلم ليتنا نستحدث منهجا نسميه منهج صناعة النية ويكون أول ما نعلم أبناءنا، فنية المؤمن خير من عمله إذا أردت أن تعيش الحياة بطولها وعرضها أضعافا مضاعفة على قدر مضاعفتك بأعداد المشاعر التي فيها والتي بها تقاس الحياة لا بعدد سنينها، وإذا أردت أن تملأ حياتك بهجة ونفحة سماوية فاحذر أن تنظم الدنيا من حولك وتترك الفوضى في نفسك.

واعلم أن دوافعك أولى بالتحري من غاياتك فأخلص النية لتكون صاحب رسالة وتصبح صاحب قضية.

 

عن سلسلة “ومحياي” للدكتور وليد فتيحي.

تفريغ: رجاء أوعلي.

التدقيق اللغوي: مصطفى الونسافي.