معاني الحبر السائل على ورق الرسائل

81

“مقدار كل امرئ على أديم يتنفسه حديثا من قلبه”

لطالما استهوتني رائحة الورق العبقة بمستخلصات الأشجار وعُصارات الكرتون المُعاد تدويره. تلك الرائحة التي بمجرد أن أجدها تنساب من داخل مطبعة كتب أو من بين صفحات كتاب عتيق، تهيم بي الذاكرة إلى أزمنة جميلة وأحداث كثيرة تركت أثرا في الحياة. لكن الرائحة الأكثر تأثيرا عندي، رائحة تلك الأوراق المخصصة لكتابة الرسائل. أوراق تحمل عبق الفضفضة والحكايات المتشبعة بـالأحلام والمشاعر، عن الطفولة ومراحل الحياة، عن أحداث شيقة وأخرى؛ هي سرد حزين من قيثارة قلم في حبر أسود قد عتم سماء الرسائل بخطوط منعرجة بين السطور والشعور. تضاف إلى تلك الرسائل الورقية روائح خاصة، تحمل رمزية من المُرسِل نحو المُرسَل إليه، فتذكره بمضمون أعمق من الكلمات، بل أحيانا تكون إجابة عن سؤال مشتاق أو رغبة في لم الروابط أو في وصف الشعور وجمال الأشخاص والأماكن.

تلك الرائحة الأثيرية تحمل فنا أدبيا رفيعا بين الأطراف المتراسلة، تجعل الصورة النمطية للرسائل الرقمية واقعا مُعديا لا يشبع رضا عشاق الرسائل على الورق، وحروفا خالية من روح الأريج في الحبر والحرف المكتوب بخواطر يطيب بها الخاطر. ولعل قوة الرائحة تجعل صاحب الرسالة فنانا في التحدث بعفوية، تسمح له بالغوص في عمق شعوره بالتجرد من كل قيد أو شرط معين، فيغمس القلم في محبرة قلبه ليحمل جزءا من روحه يدونها داخل الرسالة، وتحمل هذه الأخيرة رائحة تتميز من حـس إلى آخر، ومن حديث إلى وصف إلى سرد عفوي أو متناسق العبارات الرفيعة، وكأنما روائح مختلفة تنبعث متجسدة في الذاكرة بقوة النبض المنصت ورغبات المرسل في حروفه ومعانيها.

راقتني عبارة ذات رائحة عجيبة شممتها في كتاب “جواهر الأدب” للأديب أحمد الهاشمي في رسالة قد بعثها بأشواقه قائلا: “كتابي يصف شوقي إليك، ولا يخفى عليك؛ فمذ فارقتني فرقت بين أُنسي ونفسي، بل بين روحي وجسمي..”. أو كعطر الورد في رسالة ورقية كنت قد انتهيت من تدوينها قائلا: “وكأن الوقت لا يمضي كما أقضيه مع أمور أخرى عند النظرة لصفيحة وجهك الصبوح، وكأن الحب قطعة أبدية تحتملها الدنيا فتفيض وتغيض، وكأن الزمن منسدل بين يداي أعصره ثواني، وأجزائها كعمر كامل في تلك اللحظة فقط لرؤية بسمة عينيك وشفتيك؛ قطعتان وُلدتا من صلب نور الفجر وترائب نسمات الصبح العليل..”. وأكثرها نثرا لرائحة الشوق حين كتبت لي صديقة في رسالتها الجميلة قائلة: “في رسائلنا نقابل أنفسنا ونحدثها ونتحدث عنها، بل ونسعى إلى أن نقترب مع أرواحنا المتباعدة ونغوص فيها حتى نترك للآخرين ليقرأوا عن محاولاتنا بين الحكايات. على الورق نبكي ونحدث أشواقنا وقسوتنا، أخطائنا وسهونا ورجاءنا، ننتظر ونفكر ونقرر الحروف التي تتناسق مع مشاعرنا حتى تمنح عقولنا تركيبة مميزة لروائح الرسائل على الورق … “.

أدركت بعد قراءتي لأدب الرسائل -من خلال كتب قامات أدبية- أن الرسالة عبارة عن جسر للعبور، حيث الكلمات المُحبرَة تَعْبُر من ضفة القلب المُرسِل في جسر الورق إلى ضفة القلب المنتظِر؛ لما قد يتركه الكاتب من أثر خالد لا يُنسى في أشياء جميلة تُحَول تلك السطور استراحة شاعرية لطيفة بين الأرواح المتراسلة، بل حافزا صحيا يخلق السعادة من نسمات الورق وحبر الخواطر والقصص، وأشياء تعبر في هذا الجسر: الرسالة.

إن من يكتب الرسائل لمن حوله قد لا يدري أنه يترك وميضا مضيئا يجذب الباحثين عن أنفسهم بين لفائف الورق وردهات الكتب؛ فالحكايات وقصص البطولة والحب والمعاناة والخوف والشوق.. كلها إشارات لكل راغب في البحث عن كنه (جوهر) ذاته وحالاته الشعورية، تجره نحو استرسال العبارات داخل الرسائل، منزوع الإرادة في طلبه لمعاني الوجود وغاية الترابط الانساني؛ فتصيبه الكلمات بمس وجداني يتخبط روحه بين أسطر وفقرات تحمل في طياتها ما يحركها، وما قد يزيده أملا وسعادة أو ما قد يحزنه ويأمله.

في الرسالة يعرف المرء قيمة نفسه بحديث قلبه، كأن يُسخر قلمه ليجزئ نفسه إلى أحرف وعبارات متراكمة، ينظمها بعفوية لم تبلغ الحلم في الكتابة؛ فيحيلها إلى حياة تتراقص داخل الأوراق المُرسلَة إلى من يحبهم. تفاصيل كثيرة تنتشيها العيون وتغوص في أعماقها القلوب المرهفة؛ تقف كثيرا عند منعرج كل حزن بدمعة، وكل فرحة ببسمة جذلى وجسم مقشعر. ما أجمل أن ترى نسيج الأفكار والأطوار والمشاعر تنسجم في بوثقه الرسائل الورقية، حيث تحملها يد الساعي نحو عناوين الآخرين؛ فينسجون بدورهم فسيفساء من أخطائهم وجروحهم وإنجازات في حياتهم، لتزيد من بديع النسْج وروح النسَاج: عنوان مثير في أعلى الرسالة يمطر سحابة من الأسطر المحملة بمعاني السعادة والجمال في عفوية الكاتب، تزينها زخارف من صنع اليد بألوان زاهية منتقاة، وملاحظات في آخرها قد تكون أهم محتوى يفضي إلى ابتسامة أُصبغت على القلب بطابع الرضا.

الحقيقة أن الرسائل التي تتجرد من التصنع والتكلف في الصياغة الرفيعة، تعد أرقى الرسائل وأجملها، بل ويستحق بعض منها أن ينشر على صفحات يقرأها الناس لتلك الكلمات العفوية الصادقة التي تلتف على قلوب القراء فتحضنها كأنها صديق قديم. الرسائل العفوية يجب أن تُعامل معاملة الكائن الحي اللطيف، تقرأها بتأن، تسبر أغوارها وتراعي سياقها حتى تمنحك نضجا في الأحاسيس الخلاقة وليدة اللحظة تلك؛ حتى لكأنك تعيد بناء المكونات الأدبية في الرسالة فتحررها من التعريف والتفسير لمعاني الكلمات بعمق فلسفي، حيث أن الحقيقة في تلك العفوية هي ما يجعل للرسائل رائحة مميزة، جذابة، تكشف لك شفافية القلوب أكثر من شفافية الأوراق.