الطريق إلى الطمأنينة..

149

فلنتخيل أن شخصا يعاني من أرق مزمن.. لكنه عوض أن يواجهه، يقرر معالجته بتغيير نوع الوسادة أو لونها أو مرتبة سريره، إيمانا منه بأن المشكلة في الوسادة أو السرير وليس في أعماقه!

فعلا، هذا ما صار يحدث اليوم، العديد من الإعلانات التجارية تروج للوسادة كحل من حلول القضاء على الأرق، وللأسف العديد من الناس يقتادون وراء هذه الفكرة بدل مواجهة أنفسهم. والسؤال المطروح هنا: أهل هذه هي الطريقة الفضلى لحل المشاكل؟ ألهذه الدرجة صارت مواجهة الذات صعبة؟ إن القرآن خير دليل يعلمنا أن نواجه الحقيقة مهما كانت صعبة، وأن البحث عن تطمينات عابرة ليس حلا. فكيف ذلك؟

كمثال يمكن الاستعانة به، يعد الشك في الثوابت الدينية، أو الشك في الله وفي وجوديته، من أحد أكثر المشاكل انتشارا، رغم التكتم على نسبة انتشاره. غالبا ما يعامل هذا الشك على أنه مقدمة حتمية إلى الإلحاد، وبدلا من مواجهة أسبابه، فإننا ننشغل بمحاربة الشك نفسه.

يعد الشك غالبا نتيجة وليس سببا، والانشغال بمحاربته، شبيه نوعا ما بمحاربة البعوض. بمعنى أن تقتل بعوضة ثم أخرى، بدلا من تجفيف المستنقع الذي يؤوي سرب البعوض بأكمله. فضلا عن أن الشك ليس طريقا حتميا إلى الإلحاد، بل في الحقيقة، يمكن أن يكون الطريق الأصح إلى الإيمان والطمأنينة.

يضعنا القرآن في مواجهة صريحة بين واحد من أهم الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أجمعين، وبين حقيقة كانت مقلقة بالنسبة له. لم يهرب هذا النبي من مواجهة الشك، ولم يطلب المغفرة على الشعور الذي اعتراه. نتحدث عن أبي الأنبياء سيدنا ابراهيم عليه الصلاة والسلام، عندما سأله رب العزة بخصوص قدرته على إحياء الموتى: “أولم تؤمن“، رد ابراهيم: “بلى، ولكن ليطمئن قلبي“. هذا يعني أن قلبه لم يكن مطمئنا. يمكن أن يكون مطمئنا من قدرة الله على إحياء الموتى، لكنه متسائل عن الكيفية؛ فلم يجد سيدنا أبراهيم عليه السلام غضاضة من الاعتراف بذلك.

مقالات مرتبطة

قتل الإبداع!

الأعمال بالنيات..

تخيلوا معي شابا في مقتبل العمر، لديه قلق أو شك في إيمانه بالله عز وجل. يقرر البوح بما في صدره إلى معلم أو مدرس أو شخص أكبر منه في السن. كيف سيكون رد الفعل المنصت يا ترى؟ غالبا ما سيطلب منه أن يطرد هذه الوساوس، أن يبتعد عن أصدقاء السوء، وأن يكثر من قراءة القرآن والأذكار… تعد هذه الأجوبة مقبولة، ولكنها في الحقيقة لا تعبر عما ينصح به في القرآن؛ فالرد القرآني ينصح بمواجهة المشكلة والبوح بها. فكان رده سبحانه وتعالى لسيدنا إبراهيم عبر توجيهه إلى مثال عملي،  والتأمل في الطبيعة وفي قدرته سبحانه، لكي يطمئن قلبه.

لم يكن لدى سيدنا ابراهيم وقتها آليات البحث العلمي المتوفرة اليوم، فقط قام بالتجربة كما أمره الله عز وجل ومع ذلك وصل إلى النتيجة. اليوم لدينا آليات بحث علمي تمكننا من الغوص في العديد من الظواهر التي تمحي الشك. ولكن قد يقول قائل: أن الكثير من العلماء ملحدون أصلا؛ فما الضمان أن يقود البحث في الطبيعة إلى الإيمان؟ لا ضمان. فالأمر يختلف عندما تذهب إلى الطبيعة بنية التعبد للخالق والبحث عن قدرته، بدل أن تذهب وأنت محمل بالاتهامات والتهديدات.

يقول عليه الصلاة والسلام في حديث له: “نحن أحق بالشك من ابراهيم“. يدافع فيه (ص) عن حقي وحقك في الشك والبحث للوصول إلى الطمأنينة. يدافع عن أجيال لم تعد تقبل بأي جواب جاهز، بل بأجوبة جديدة تشبع يقينها.

رسالتي لك يا صديقي، لو لديك شكوك، لا تنم عليها. واجهها؛ فهي من أحد أسباب عدم خشوع وسكينة القلب. وكخيار ثاني، قم بالبحث وأنر بصيرتك؛ فالطريق إلى الطمأنينة ليس سهلا، لكن مهما شككت لا تشك في أنه لا يستحق العناء.

عن سلسلة (لا نأسف على الإزعاج) للدكتور أحمد خيري العمري.

تفريغ: سارة أمري.

التدقيق اللغوي: آيت الله هيدور.