و لي لبناني…

68

هو حبٌ يسكن الحنايا ويجري في العروق النابضة، ويملأ فؤادي فلا يترك لغيره مكانًا. هو أمانٌ يرتاح الفؤاد في ربوعه، ولأجله ترخص الروح وتهون الصعاب. فما الذي يبرر هذا العشق الآسر تجاه وطني؟

لبناني هو ابن العروبة البار، ووجهها الأغَر، المطل على العالم الفسيح؛ فشواطئه كانت منطلق الحرف الأول إلى البشرية. وبنوه كانوا ولا يزالون، أجدادًا وأسلافًا، مناراتٍ تنير دروب الإنسانية الحالكة بمخترعاتهم واكتشافاتهم التي كانت السباقة في خدمة البشرية وارتقائها سلم المعارف، ومسالك العلى؛ إذ كان لهم فضل تأسيس مذاهب علمية. كيف لا، وهم أحفاد عمالقة العلماء العرب، وأصحاب نظريات علمية فذة، وهم القامات الفكرية الشامخة التي كان لها دور فعال ومؤثر في انتشار مدارس فكريةٍ راقية ما زالت إلى يومنا هذا مُتَّبعَةً في مشارق الأرض ومغاربها، أمثال أبي القاسم الزهراوي في علم الجراحة، وابن سينا في الطب، وابن الهيثم في البصريات، وابن خلدون في علم الاجتماع، وابن الغزالي في علم المنطق ومنهج البحث العلمي…فيا لفخري بالعروبة وبأبنائها! فهؤلاء هم من ضربوا أروع الأمثلة في الإيثار، ونكران الذات؛ فكانوا بوحدتهم كالبنيان المرصوص الذي يشكل حصنًا منيعًا في وجه كل من تسوِّل له نفسه الاعتداء على حمى الوطن العربي الذي حضن رسالات السماء، فكانت أرضه مسرحًا لنمائها؛ فكما قال الشاعر:

حفنة من ترابها كانت الدنيا           وكان الهدى و كان الضياء

على ثرى وطني، عِشتُ العز دهرًا، أنهل من كرم أرضه ومن فيض عطاءاته الجزيلة السخية؛ فأرضه مُعلِّمتي المخلصة بصمت، ومن طُهرِها تغذيت بالنقاء، ومن شموخ قممها تلقيت دروس العزة والإباء، ومن أنسامه تعلمت سخاء العطاء؛ فذاك هو وطني، أكاديمية في الشموخ والأنفة والكبرياء؛ فهو من يحتضن بنيه بحنان الأمومة الدفاق، وهم من يأبون هجرته مهما نبلت الغاية وتسامت الأهداف. وكيف يهجرونه وقد رضعوا حبه والحنين لأرضه منذ نعومة أظافرهم؟

أرضه متميزة في محيطها، معطاء خضراء، كقطعة من جنة الفردوس! تستقبل قمم جباله الثلوج، فيخالها الناظر شيوخ الحكمة والرصانة، وتطل على بحره وكأنها تحرس مدن شواطئه من غدر الزمان، وتكتسي سهوله بالخضرة، ضاربة أبلغ مثال في العطاء. بنوه يقومون على خدمته فردًا فردًا؛ فكلٌّ منهم ينير الزاوية التي هو فيها، لتغدو سراجًا منيرًا، يهتدي بها الحيارى في ظلمة الحياة المُدلَهِمّة؛ فهنا الجندي المرابط على ثغوره بكل إخلاص وإتقان، وهناك المعلم المربي أجيال الوطن بكل تفانٍ، والفلاح الزارع أرضه لينبت زرعًا طيبًا، والبناء الباني على أرضه بيوتًا تمثل الصمود والثبات في الملمات..

وطني لم ولن يخاف الرزايا والمحن؛ فبنوه على صدره حملٌ وديع، يبغي السلام ونشره على أرضه، ووحشٌ كاسر ينقضُّ على كل عدوٍّ غاشمٍ طامعٍ بأرضه؛ فلأجله يخوضون الصعاب، ويرِدون المنايا دونما خوفٍ أو وجل؛ فحبه الساكن حناياهم يدفعهم للعمل على رفعته وصون حماه، دون أن يأبهوا للمخاطر، أو يستكثروا الثمن؛ فكل ما يحققونه في حياتهم إنما هو لخدمته ولأجل رقيه وعلاه. هم الذين يجوبون مشارق الأرض ومغاربها ناهلين من العلوم والمعارف، منفتحين على كل الأمم، وقادرين على التواصل مع الحضارات.

لك مني يا وطن خالص الود والحب، حبًّا يزاحم حب فلذات الأكباد في الفؤاد؛ فوالله لو كان لحبي لك وزنٌ، لناءت الجمال عن حمله، وأبت أن تحمله صهوات الجياد؛ فحبي لك عميق خالد :

 

وطني لو شغلت بالخلد عنه   نازعتني إليه في الخلد نفسي”

دامت رايتك مرفوعةً خفّاقةً، و دمت في عزٍّ و سلام…