أدلة الغيبيات

117

عندما أقرأ القرآن تمر علي أشياء كثيرة من الغيبيات، كيوم القيامة ومشاهدها وعلاماتها، وأيضا الملائكة والجن وباقي الأمور الغيبية الأخرى، وغيرها كثير.

ربما بعض الشباب اليوم قد تأثروا بموجة تلك الغرائب التي يحب بعض الناس أن ينشرها، وبعضهم تأثر حتى بالعلم أكثر من اللازم، إلى درجة أنه يرى الإيمان بهذه الغيبيات كأنه نوع من الاستخفاف بالعقل أو تصغيرٌ له. وأنا من الناس الذين يحبون العلم ويجلونه، فأحب العلم وأعشق المنطق، وأرفض الخزعبلات والخرافة والشعوذة، ولذلك حين أسمع شيئا مثل هذا أرجع بذاكرتي إلى فترة قديمة في مرحلة من مراحل شبابي، والتي صارت اليوم من حصاد عمري.

مرت علي فترة من الفترات، كغيري من الناس، كنت أتساءل فيها: هل فعلا هذه الأمور صحيحة؟ هل فعلا موجودة؟ كيف لعقل علمي درس دكتوراه في الهندسة أن يقبل أشياء مثل هذه؟ إلى أن قرأت كتابا اسمه “قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن” للدكتور اللبناني نديم الجسر، وطبعا قرأت كتبا أخرى غيره في هذا الصدد؛ فهنا سبحان الله، تغيرت نظرتي لكثير من المسائل، وبدأ عقلي المنطقي العلمي يفكر ويرتب الأمور، وخلصت إلى أنه لا يجوز إطلاقا أن نناقش الغيبيات مباشرة؛ هل فعلا يوجد جن؟ هل فعلا توجد ملائكة؟ هل يوم قيامة شيء مؤكد؟

فلا يصح أبدا طرح مثل هذه التساؤلات مجردة من كل المقدمات، وأنا أسمي هذا نقاشا من الوسط، فما بدأنا في المسألة من أولها، وليست هذه نقطة البداية، بل نقطة البداية التي أجمعت عليها كل الديانات والمعتقدات هي أنه يوجد إله، وأنه كي يكون هنالك إله يستحق أن يُعبَد فلا بد أن يكون هذا الإله عالما بكل شيء، قادرا على كل شيء، رحيما بكل شيء، وعادلا مع كل شيء.

مقالات مرتبطة

هذه بعض المعاني الرئيسية، فإذا نحن آمنا بوجود إله، خلافا لأمر الملحد طبعا، فالملحد له نقاش آخر، وهو يقتضي منا أن نأتيه بأدلة على وجود الله عز وجل؛ لكن الإنسان الذي آمن بوجود الله واستقرت هذه المسألة في نفسه يكون له شأن آخر، فإذا استقرت هذه المسألة في النفوس واطمأنت لها القلوب، فعندها دعونا نفرق بين كلام بشر، وكلام إله.

عندما يأتيني إنسان بكلام من عنده ولا يستوعبه عقلي، حيث لا يرضخ لا لمنطق ولا لحجة أو برهان، ولا يحكم التسلسل، ويكون من أمور الغيبيات، ففي هذه الحالة يحق لي أن أعترض عليه وألا أقبله، حتى ولو كان كلام صحابي رضي الله عنه فلن أقبل به، إلا إذا كان الصحابي الجليل قد قال قولا لا يمكن أن يكون صادرا من عنده أو أملاه عليه عقله، بل لا بد أن يكون سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، كأن يقول الصحابي: “في الجنة كذا وكذا..”، ففي هذه الحالة يعامل هذا معاملة حديث؛ ويدخل ذلك في باب قواعد التعامل مع الصحابة.

 

عن سلسلة “حصاد العمر” للدكتور طارق السويدان.

تفريغ: عبد المنعم فقيه بن شعيب.

التدقيق اللغوي: مصطفى الونسافي.