أصناف الناس..

121

إن تصنيف الناس في الإسلام واضح جدا، إذ يوجد مستويان، مستوى في الدنيا، والآخر في الآخرة، والاختلاف بينهما جذري؛ ونحن كبشر نصنف الناس حسب حالهم في الدنيا، أما التصنيف حسب مآلهم في الآخرة فهذا ليس من اختصاصنا، بل هو لله سبحانه وتعالى؛ دعونا نبدأ بالمستوى الأول، ثم ننتقل إلى المستوى الثاني.

أصناف الناس في الدنيا حسب الإسلام نوعان: مسلم وغير مسلم؛ وحتى نجعل لهذا الأخير اسما نطلق عليه كافر، وهذا تصنيف ليس له علاقة بمآله، هل إلى الجنة؟ أم إلى النار؟ هذا يقضي به الله في الآخرة، أما نحن الآن فليس شأننا أن نحكم على الناس بجنة أو نار.

من هو المسلم؟

المسلم هو الذي نطق الشهادتين، كل من يقول أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، يعتبر مسلما، تنطبق عليه أحكام الإسلام، والذي لا يقولها كافر، أو لنقل غير مسلم، ومرة أخرى أكرر أن هذا ليس له علاقة بالحكم على مآل الناس إلى الجنة أم إلى النار، وإنما هو تفريق عقدي وفقهي، بمعنى أن المسلم له أحكام: نأكل من ذبيحته، وإذا مات يُدفن في مقابر المسلمين إلخ… وغير المسلم له أحكام فقهية مختلفة، وليس منها محاربته فقط لكونه غير مسلم، فهذا ليس من ديننا، نحن نشن الحرب على من يقاتلنا أيا كان معتقده حتى لو كان مسلما.

وبعد هذا البيان نرجع إلى ما كنا بصدده، المسلمون الذين ينطقون الشهادتين، ينقسمون بدورهم إلى صنفين:

صنف مسلم مؤمن، فهذا مسلم وفي قلبه إيمان حقيقي؛ وصنف مسلم لم يدخل الإيمان في قلبه، فهو مسلم إذ نطق الشهادتين، وهذا واضح في القرآن الكريم: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم}، أي لم يدخل الإيمان في قلوبهم؛ فقد يكون هذا الذي ما استقر الإيمان في قلبه كافرا في قلبه، فهو لا يؤمن أصلا، يكفر بالله وبالرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا نسميه منافقا، فهو مسلم ظاهرا لكنه يبطن الكفر، حكمنا عليه أنه مسلم بنطقه للشهادتين، وعرفنا أنه منافق بصفاته، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار كما بين الله عز وجل في كتابه الكريم، إذاً انظروا إلى قضية يوم القيامة، فليس لها علاقة بمسلم وغير مسلم، فهذا المنافق مسلم تجري عليه أحكام الإسلام، ونعامله معاملة المسلم، لكنه من أهل النار إن مات على النفاق.

ننتقل إلى صنف غير المسلمين، وهم أصناف وليسوا صنفا واحدا، إذ يوجد أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى؛ وغير المسلمين الذين لم تصلهم رسالة الإسلام، ولم يُبَلَّغوا؛ وغير المسلمين الذين وصلتهم الرسالة، لكنها لم تصلهم من طريق صحيح بَيِّن، إنما وصلتهم من طريق ليس بالسوي ممن شوهوا صورة الإسلام، كالتنظيمات المتطرفة مثل داعش وغيره؛ هؤلاء كلهم غير مسلمين، ما نطقوا الشهادتين، وبالتالي نعاملهم بأحكام فقهية مجردة عن الحكم عليهم بالجنة والنار، ولا يجوز إعلان الحرب عليهم، لأن إعلان الحرب يكون في حال الاعتداء، فمجرد أن الشخص ليس بمسلم لا يخول لنا أن نشن عليه الحرب ونعتدي عليه، فمثلا إنسان مسالم يجلس في مكان عبادته (معبده، صومعته..) هل نشن عليه الحرب؟ هذا لا يستقيم، لأننا لسنا بهمج.

مقالات مرتبطة

ننتقل إلى مرحلة الآخرة، وكما قلنا ونقول دائما إن هذا ليس من اختصاصنا، وليس لنا حق التدخل فيه، وقول أحدهم: “هذا مسلم يدخل الجنة، وهذا غير مسلم يدخل النار” لا يستقيم، وليس له الحق في ذلك، فهل المسلم المنافق يدخل الجنة؟ وغير المسلم الذي ما وصلته الرسالة، مثل أهل الفترة، ألا يدخل هؤلاء الجنة؟ هذا كله علمه عند الله، فنحن لسنا الإله حتى نقرر، إذاً دعونا نحفظ بعض الأمور، أن التصنيف البشري هو للدنيا، ويوم القيامة هناك تصنيف آخر، لكنه ليس من اختصاص البشر.

ما هو تصنيف يوم القيامة؟

مؤمن وكافر، نفس الألفاظ الدنيوية، لكن الاشتراك لفظي فقط، المؤمن: هو الذي استقر الإيمان في قلبه، قد يكون من أهل المعاصي، ويعاقبه الله تعالى على قدر معاصيه، ويدخله الجنة، لأنه لا يخلد في النار موحد؛ والكافر قد يكون سبب كفره أنه لم تصله رسالة الإسلام، فعذره معه، ونحن كبشر لا نعلم إن كان كفره تعنتا وجحودا بعد أن علم بالإسلام، أن جهلا به أصلا، وبالتالي لا يمكننا أن نطلق الأحكام: هذا يدخل النار، وهذا يدخل الجنة، فهذا الأمر لله سبحانه وتعالى، ليس لنا فيه شيء، وبالتالي نحن لا نقول أن أحدا بعينه من أهل النار، إلا من جاء فيهم نص، مثل: أبو جهل، وأبو لهب، وفرعون… هؤلاء جاء نص صريح أنهم من أهل النار، أما غيرهم فحكمهم إلى الله وليس إلينا.

ختاما، هذا التصنيف يجعلنا دعاة لا قضاة، حفظكم الله.

 

عن سلسلة (حصاد العمر) للدكتور طارق السويدان.

تفريغ : توفيق الغدويني

التدقيق اللغوي: مصطفى الونسافي.