حفظ الكليات الخمس..

224

لن يختلف أصحاب العقول السليمة والآراء السديدة على ضرورة حفظ الكليات الخمس وحمايتها من كل ضرر قد يجعلها عرضة للضياع لاسيما أن ضياعها يعني ضياع المجتمع ودخوله في منعرج ضيق قد يودي به نحو ما لا يحمد عقباه… لقد أجمعت كل الديانات السماوية بما في ذلك إسلامنا الحنيف على أن الكليات الخمس هي الضامنة لحياة هنيئة تتسم بالوسطية والإعتدال وهي الأساس الذي قد نبني عليه إذا ما أردنا أن نحقق النهضة الفكرية والإستفاقة الثقافية… هي ضروريات أو كليات خمس ترتيبها كالآتي؛ حفظ الدين، النفس، العقل، النسل أو العرض ثم المال.

الغاية من الحفاظ عليها هي كون مصالح الدنيا والدين لا تتم سوى من خلال هذه الكليات وتنبني عليها، ومعلوم ان ضياعها سيؤدي حتما ومما لا شك فيه إلى ضياع العزائم، وبالتالي لن يحقق الإنسان الهدف من وجوده أي مبدأ الإستخلاف ولن يكمل الإنسان مهمة التكليف التي جاء لأجلها.

وقد قال الغزالي في هذا الصدد: “إن مقصود الشرع من الخلق خمسة: أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة”. كما حثت مقاصد الشريعة على ضرورة الإهتمام بالكليات الخمس من خلال النصوص الشرعية عبر الآيات التي جاءت في الذكر الحكيم والتي كانت واضحة وتشير مباشرة إلى الموضوع ومدى أهميته، أو عبر الأحاديث النبوية الشريفة ليسد الخلق نبينا محمد عليه أزكى الصلاة والتسليم، بل وإن إن صيانة الكليات أو الضروريات الخمس لا يتأتى سوى بالحرص على صيانة كل قسم على حدى وعدم التهاون في حفظه بل وحمايته.

حفظ الدين: من خلال حمايته وحماية أركانه بل ووضع الركائز الأساسية الضامنة لصيانة هذا الدين وجعله في موضع آمان بعيدا عن الأيادي التي تنتظر الفرصة لكي تخدشه، وحفظ الدين يتم من خلال أمرين اثنين، حفظه من جانب الوجود أي المحافظة على ما يقيم أركانه ويثبت قواعده، ثم من جانب العدم أي من خلال رفع الفساد الواقع أساسا ودفع الفساد المتوقع حدوثه.

وقد جاء في هذا الصدد العديد من الآيات التي تؤكد على ضرورة التدين والإلتزام بالدين وكذا النهي عما يضاده من ألوان الفكر والشرك والنفاق.

مقالات مرتبطة

قال الله تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ } وقال تعالى في صحة الإسلام وأنه الدين الوحيد الذي على بني آدم إتباعه والعمل بمناهجه؛ {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُر بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَريعُ الْحِسَابِ}.

حفظ النفس: من خلال تزكيتها بمكارم الأخلاق وتطهيرها من الذنوب وترغيمها على اجتناب كبائر الإثم والعدوان، حثها على إلتزام الأخلاق الحميدة والخصال الطيبة والتي إتصف بها السلف الصالح، كما دعى رب العلى إلى حفظ روح الإنسان وحرم قتل النفس بغير حق لقوله تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً} وكذلك حرم الحق سبحانه وتعالى بعض أنواع الطعام والشراب التي من شأنها أن تلحق الضرر بوظائف جسم الإنسان كما أكد على وجوب إعتماد الوسطية والإعتدال في الأكل والشرب حيث قال تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلْدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

حفظ العقل: العقل أهم ملكة ميز بها الله تعالى الإنسان عن باقي خلقه وأوهبها له حتى يفرق بها الصالح من الطالح وحتى تمكنه من عيش حباة منطقية تتصف بالهناء والأمن، لذلك وجب تسيير العقل في التفكر والتعلم وتأمل ملكوت الله بل والتدبر في آياته، فالعقل البشري هو الأداة البارزة في مهمة التكليف وعليه تنبني كل مصالح الذات البشرية ولولاه ما كان لحفظ الكليات الخمس أي معنى، فكيف لغير العاقل والفاقد لملكة العقل أن يحفظ دين الله أو أن يؤدي الأمانة التي بعث لأجلها؟ ويبرز جليا الدور المهم للعقل من خلاله قوله تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ۗ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَاب}

لذلك حرم سبحانه وتعالى كل ما من شأنه أن يعطل مهام هذا العقل أو يذهب فكره من خلال قوله عزوجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

حفظ العرض والنسل: وهو قسم مهم في الكليات الخمس وعليه يقف إزدهار الأمة وتطورها، عليه تقوم المجتمعات ما دام يضم الأسرة والتي تمثل ملكة جوهرية في المجتمع فصلاحها يعني صلاح الأفراد وإستقامتهم وبالتالي مساهمتهم في رقي مجتمعهم والبيئة التي يعيشون فيها، كان من الضروري أن يحفظ الله الأسرة ويحث على دورها الرئيسي ولذلك خصص لها حيزا مهما في كتابه الكريم كما في سنة نبيه محمد عليه أزكى التسليم، الأسرة تحفظ من خلال حفظ الأنساب وحمايتها من الإختلاط بل وتحريم الزنا والعلاقات الخارجة عن ميثاق الله وسنة رسوله وجعل النكاح أو الزواج أمران مشروعان للرجل والمرأة اللذان يريدان أن يقيما حدود الله لقوله تعالى: {فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ}. النسل والعرض قطعتان ولبنتان أساسيتان لا مناص من صيانتهما وفقا للمنهج الإبراهيمي الجليل، لذلك حرم الحق قذف المحصنات وتلفيق التهم لهم بدون جحة ولا دليل لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً} بل ومقت الله سبحانه وتعالى كل الممارسات التي ترمي إلى تخريب عش الزوجية وإفتعال المشاكل في الأسر لما ينتج عنه من أضرار نفسية وبشرية قد تكون رهينة بفساد المجتع وتدني مستواه.

حفظ المال: وهو القسم الأخير في حفظ الكليات الخمس، لا خلاف في أن المال محرك اساسي لإزدهار الأمم والمجتمعات وأنه يلعب دورا كبيرا في الممارسات التجارية والإقتصادية التي لا تتم إلا بالمال، لذا كان لا بد من وجود تعاليم قرآنية ونبوية سامية تعنى بحفظ المال وكيفية صرفه وكسبه، حيث وصى النبي صلى الله عليه وسلم بإتباع الطرق الحلال في الكسب كما التوكل على الله دون غيره والأخذ بالأسباب وإجتناب الطرق غير الشرعية للكسب لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ عَن عُمُرِه فيما أفناهُ وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ”…

كما جاءت كل الأحكام القرآنية والنبوية بتحريم كل الممارسات التي تضرب بمبدأ الكسب الحلال عرض الحائط كالربا بإختلاف أنواعها والإحتكار والسحت بل وأكل مال اليتيم والسرقة كما حرم الحق سبحانه أكل أموال الناس باطلا لأن في ذلك إلحاق للأذى بهم وبكرامتهم وتطاول على تعاليم الله الصالحة لكل زمان ومكان لقوله عزوجل: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}.

أخيرا، الكليات الخمس أقسام وجب على كل مؤمن مسلم يخاف الله ويمني نفسه بالجنة والظفر برضى ربه أن يحفظها حفظا كاملا لا يخاله نقص وأن يقوم بمجاهدة نفسه لتحقيق رسالة ربنا السامية والجليلة وأن نظافر الجهود لتحقيق مراد الله في الأرض.