درجات الخطر..

127

درجات الخطر، إذا كان الماء يغلي في المطبخ وهو على وشك أن يفور، الماء أو الحليب على وشك أن يفور ويوسخ المطبخ والفرن وغيره، وفي نفس الوقت رأيت جزء من المطبخ مشتعلا بالنار، التوجه فورا لن يكون إلى الحليب الذي سيفور ويوسخ المكان، وإنما إلى هذه النار التي قد تدمر المطبخ، بل كل البيت، بل كل العمارة أيضا.

إذاً الخطر ليس درجة واحدة بل درجات؛ والعاقل هو الذي يتعامل مع درجات الخطر بما تقتضيه كل درجة، وأحيانا الإنسان يحتاج إلى من يوقظه إلى درجات الخطر؛ ذات مرة، شباب كويتيون يدرسون في بريطانيا ويقطنون بشقة في عمارة صغيرة تملكها امرأة عجوز، وفي يوم من الأيام، بينما هم جالسون يلعبون الورق، طُرِق الباب، فقام أحدهم ليفتح الباب فوجد المرأة العجوز، قالت له: “أخرجوا بسرعة يوجد حريق في المبنى!”.

نزلت المرأة، أما هو فأغلق الباب وذهب ليكمل لعب الورق، ولما سأله أصدقاؤه: “ما الأمر؟”، قال لهم: “إنها العجوز، تقول يوجد حريق بالمبنى”؛ بعد قليل عم الحريق المبنى بأكمله ولم يتمكنوا من النجاة إلا بشق الأنفس، وكادوا يموتون كلهم؛ فلما أخرجهم رجال الإطفاء سألتهم المرأة العجوز: “لماذا لم تخرجوا؟ لقد أخبرتكم أن المبنى به حريق!”، فقال لها الشاب الذي كان قد فتح لها الباب: “صحيح أنت أخبرتني أن حريقا بالمبنى، ولكنك لم تصرخي، لو صرخت “حريق!” لغادرنا الشقة، فأنتِ أخبرتني بكل هدوء بوجود حريق، لذلك لم نتعامل مع الموضوع بجدية”.

أحيانا يشتعل حريق في المبنى بدرجة ستدمره، ولكن الإنسان عادة يحتاج إلى من يحذره بالصراخ حتى يصدقه أو يتفاعل مع كلامه، أما العاقل فلا يحتاج إلى أحد ليصرخ، هو ينتبه إلى أن هذا خطر شديد؛ وكذلك كل حياتنا وكل إيماننا مرتبط بدرجات الخطر.

يا شباب، يا بنات، الله يحفظكم، والله العظيم الذي لا إله إلا هو، والله سوف تموتون، والله سوف تموتون، أؤكد لكم بأنكم ستموتون، هل تريدون أن أصرخ؟ يمكن أن أصرخ بأنكم ستموتون، لكن العاقل لا يحتاج إلى من يصرخ.

معظم علمائنا ودعاتنا والكتب والمحاضرات الدينية تتحدث عن الموت، وعن ضرورة الاستعداد للآخرة، ولكن لا أحد يصرخ: “والله سوف تموت، اِلحق، اِلحق!”، ولا تعلم متى تموت، يمكن أن تموت هذه الليلة، يمكن أن تموت في هذه اللحظة، يمكن ان تموت وأنت في فراشك، أو وأنت ساجد، لا تعلم متى قد تموت، ولا كيف ستموت؛ انتبه، هذا خطر، ولا يوجد ما هو أخطر من ذلك عليك.

مقالات مرتبطة

والعاقل أيضا هو من يتعامل مع درجات الخطر بدون الحاجة إلى الصراخ؛ والله العظيم توجد آخرة، وتوجد قيامة ويوجد حساب، والله العظيم سوف تُحاسبون، والله العظيم سيكون لكل إنسان مصير إما الجنة وإما النار، هل تريدون أن نصرخ؟ يمكن أن نصرخ، لكن العاقل لا يحتاج إلى أحد يصرخ عليه.

كنت وأنا صغير أتأثر كثيرا بالمواعظ التي تنبهني، لكني لما كبرت بدأت أعقل أكثر؛ حتى هذه المواعظ فيها خير وبركة وتذكر أحيانا، لكن هل فعلا أحتاج إلى موعظة حتى أستيقظ من غفلتي وانتبه إلى هذا الخطر الشديد الذي سينهي حياتي، والذي سيجعلني أواجه مصيري؟ هل أحتاج إلى هذه الموعظة؟

صحيح أن الموعظة هي زيادة خير جيدة، لكنني لا أحتاج إليها كأساس، لأني كعاقل أعرف أن هناك موتا وهناك آخرة وهناك حسابا، وأنه مهما أحاطت بي الأخطار التي قد تهدد حياتي، فليس هناك خطر أكبر من الخلود في غير الجنة، وأي خطر أكبر من هذا؟ ليس أمام المرء خطر أكبر من ذلك.

الخطر درجات، والعاقل هو من رتب الدرجات  واستعد لها، فكروا في هذا ثم عيشوا به، حفظكم الله.

 

عن سلسلة (حصاد العمر) للدكتور طارق سويدان.

تفريغ : فاطمة أحرشام.

التدقيق اللغوي: مصطفى الونسافي.