كن أفضل، وستصبح الصورة أحلى!

239

تخيلوا معي سلعة أو منتجا ما، سيارة مثلا، تصنعها واحدة من أهم الشركات التي أسهمت في تطوير صناعة السيارات من البداية، فلنتخيل أن مستوى صناعة هذه السيارة، أخذ يتدهور بالتدريج، وأنها صارت خارج المنافسة؛ تصميمها لم يعد جذابا، سرعتها لم تزد، لم تطرأ عليها أي تحديثات، وكذلك حتى مواصفاتها الأصلية أخذت تتدهور، مواصفات الأمان فيها صارت سيئة للغاية، حوادثها كثيرة وقاتلة أيضا.

قبل أن تعلن هذه الشركة إفلاسها، ستكون قد شطبْتَها من قائمة الأنواع المفضلة لديك، وكذلك فعل الكثيرون؛ سيأتي من يدافع عن هذه الشركة، ويذكرك بفضلها على صناعة السيارات، سيقول لك إن هذه شركة رائدة ومهمة، وإن المشكلة ربما كانت في قسم التصميم، أو الأبحاث، أو التطوير، أو في القائمين عليها؛ حسنا، شركة كانت عظيمة، لكن خلَف القائمين عليها خلفٌ أضاعوا الجودة وانتهينا؛ التاريخ موجود في المتحف، السلعة الحالية سيئة، لا شيء سيغير رأينا في هذا، وبالنسبة لمن لا يعرف شيئا عن تاريخ هذه الشركة، فهو لن يهتم بالبحث في أرشيفها، السلعة الحالية سيئة انتهينا.

تخيلوا الآن أننا لا نتحدث عن سلعة مادية، بل عن سلعة غير مادية، عن إنسان هو في النهاية نتاج لثقافة، ولحضارة؛ لا نتحدث هنا عن فرد، بل عن النموذج الشائع، الممثل لهذه الحضارة؛ ماذا لو كان النموذج الشائع سيئا مثل تلك السيارة التي تحدثنا عنها؟ ولكن الناس سيربطون بين سلبيات هذا النموذج وبين الحضارة والثقافة التي أنتجته، سيربطون سلبياته، وقلة إنتاجيته، وبطالته، وعدم احترامه للوقت والعمل، بالحضارة التي أنتجته، سيقولون لا بد أن شيئا ما في هذه الثقافة يجعل النموذج الشائع هكذا، وسيأتي من يدافع عن هذه الثقافة كما أتى من دافع عن شركة السيارات، سيقول إن هذه الحضارة التي أنتجت هذا الشخص كان لها تاريخ عظيم، وإنها صاحبة فضل على البشرية.

حسنا، أغلب الناس لن يكترثوا لذلك، فهم يتعاملون مع نموذج حالي؛ صحيح أن بعضهم سيهتم بالبحث في كتب التاريخ عن فضائل ومزايا هذه الحضارة، ولكن أغلب الناس سيتعاملون مع النموذج الحالي؛ نتحدث هنا عن الإسلام كثقافة وحضارة، وعن المسلمين حاليا، أي النسخة الحالية من نتاج هذه الثقافة؛ علينا أن نعترف، نحن سيئون جدا، مع أنه سيأتي من يتحدث عن الاستعمار، والمؤامرات، والمبالغات الإعلامية، إلخ…

طيب، كل ذلك صحيح، لكن صحيح أيضا أننا سيئون، فنحن من يتحمل مسؤولية ذلك، نحن سيئون بالمقارنة بالقيم الأصلية لثقافتنا، فعلينا أن نعترف بذلك؛ ومهما تحدثنا -للغربيين مثلا- عن عظمة الإسلام، وكمال وجمالية قيمه، وعظمة أخلاق نبيه عليه الصلاة والسلام، فإن علينا أن نستعد للسؤال المحرج: “ما دام دينكم عظيما هكذا، فلماذا أنتم هكذا؟”.

نعم، يوجد من سيبحث في الكتب ويَفْصِل النسخة السيئة الأخيرة من المسلمين عن الإسلام، وربما يشهر إسلامه، لكن هؤلاء يسلمون على الرغم من مساوئنا، يسلمون في الغالب بالرغم منا وليس بسببنا، على العكس مما يجب أن يحدث.

’’ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا انك أنت العزيز الحكيم” الممتحنة 5

للأسف، هذه الآية تكاد تفصل وضعنا بالضبط، هذا النموذج السيء، هذا النموذج السلبي المنتشر، لن نحاسب عليه كأفراد فقط، بل سنحاسب أيضا على أن هذا النموذج يدفع الناس الآخرين بعيدا عن الإسلام، سينظرون إلينا، وإلى كل سلبياتنا، سينظرون إلى النموذج الأكثر شيوعا، وسيرون أننا في ذيل الأمم في كل شيء، سيربطون بين هذا الوضع وبين الإسلام، سينظرون إلينا ويقولوا في أنفسهم أو بصوت عال إنهم على صواب؛ ربما يكونون ملحدين غير مؤمنين بأي دين، وسيتصورون أن الوضع السلبي الذي نحن فيه مرتبط بالإسلام، سيجعلهم هذا يثبتون على ما هم فيه، وسيجعلنا فتنة للذين كفروا.

مقالات مرتبطة

نحن نغضب عندما يسيء بعضهم للرسول عليه الصلاة والسلام، من حقنا أن نغضب، ولكن من حقه علينا أن نعترف أننا كثيرا ما أسهمنا في هذه الإساءة، من حقه علينا أن نعترف أن وضعنا السيء أسهم في هذه الإساءة؛ نعم، بعضهم سيبقى على كل حال معادٍ للرسول عليه الصلاة والسلام، هذا جزء من مهمة النبوة، مهما كانت النسخة جيدة، لكن هذا يجب ألا يكون حجة لكي نقدم الأعذار لكل من يريد الإساءة، وهذا ما نفعله حاليا، فالصورة المسيئة التي نقدمها بواقعنا تسهم في الإساءة للرسول عليه الصلاة والسلام، وفي عالم آخر مختلف تماما، ستكون هناك آية أخرى تعبر عن هذه العلاقة:

ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين” الحجر 2

في عالم آخر، سيود كل الناس لو أنهم مسلمون، متى؟

عندما يكون النموذج الشائع معبرا حقا عن قيم الإسلام، عندما يكون النموذج الشائع منتجا، ودقيقا، ومتقنا لعمله، ومحترما للآخرين، ومعتزا بثوابته في الوقت نفسه؛ ليس مدينة فاضلة، ليس عالما افتراضيا، بل فقط نموذج شائع معبر عن قيم الإسلام؛ في عالم كهذا سيتمنى الناس لو أنهم كانوا مسلمين، وعندها سيكون إسلامهم بسبب المسلمين، بسبب إسلامنا، وليس كما يحصل اليوم.

واسمح لي أن أحلم يا صديق، اسمح لي أن أحلم بأن أسهم في تغيير هذه الصورة، لا أقصد الفوتوشوب، ولا أقصد أن نجمل الصورة الحالية، أن نزيفها، أن نرممها، أن نحذف المساوئ، لا أقصد هذا التغيير، بل أقصد التغيير الذي يسبق التقاط الصورة، التغيير الحقيقي، تغيير النموذج الشائع، التغيير الذي يعيد لنا الصدارة.

اسمح لي أن أحلم يا صديق، لكن لا تسمح لي أن يكون الحلم هو كل ما أفعله.

 

عن سلسلة (لا نأسف على الإزعاج) للدكتور احمد خيري العمري.

تفريغ: إكرام امتور

التدقيق اللغوي: مصطفى الونسافي.