قتل الإبداع!

134

سطرت صفحات التاريخ سيرة رجال أفذاذ أبى التاريخ إلا أن يخلد إبداعاتهم بخطوط عريضة دخلوا الدنيا ببدايات متواضعة وما خرجوا منها إلا بعدما حفروا على صخور الأرض وصفحات التاريخ كلمات ومواقف بقيت مئات السنين بعدما ذهبوا.

الناظر المتأمل في تاريخ هؤلاء المبدعين يرى أنه على اختلاف صورهم وأشكالهم وألسنتهم ولغاتهم ووسائلهم وغاياتهم إلا أنه هناك عاملا واحدا يشتركون جميعهم فيه ألا وهو الإيمان بالقضية التي يعملون من أجلها وذلك بالإنصات والإصغاء لما تمليه عليهم أفئدتهم وقلوبهم  هم لا يبالون أن كذبهم الناس أو سخروا منهم أو خطأوهم فهم يشقون طرقا وعرة ويتحملون مشقات عظيمة عندما ينعم كل من حولهم بملذات الدنيا ونعيمها.هم مبدعون مكتشفون مخترعون ومجددون لأنهم ما تعودوا أن يكونوا تابعين أو مقلدين كل ما يصدر عنهم يصدر خالصا من أعماق قلوبهم في كتاب العادة الثامنة يشرح ستيفن كوفي أن هناك خيارين لكل إنسان لا ثالث لهما:إما طريق إطلاق القدرات الكامنة لتحقيق العظمة وإما طريق تقييد القدرات الكامنة والانتهاء بحياة عادية.الطريق الاول هو طريق العظمة وذلك باكتشاف القوة الكامنة المبدعة داخل الإنسان الكامل وإنصاته لصوته الداخلي فهي عملية تبدأ من الداخل وتعمل على تغيير الخارج والطريق الثاني هو طريق الحياة العادية بإهدار القوة المبدعة وإخراس وقتل الصوت الداخلي والرضوخ للبرمجة الاجتماعية والقولبة الثقافية للمجتمع الذي يعيش فيه الإنسان

إن إنسان عصرنا تتم قولبته في مجتمعه بوسائل شتى تجعله غير قادر على إدراك أنه أصبح مبرمجا دون أن يدري كما تجعله يفقد قدرته على التمييز بينما يفعل أن كان إيمانا وقناعة بما يعتقده أو برمجة وقولبة لا حيلة له معها وقد يكون أفضل مثالين لتقريب معنى البرمجة الاجتماعية لأذهاننا هي: تدريب الدب وتطويع الفيل.

مقالات مرتبطة

نبدأ بالطريقة التي يستخدمها المدربون في استعراضات السيرك كي يعلموا الدب رقصته حيت يضعه المدرب على أرضية حديدية ويسمعه الموسيقى المطلوب الرقص عليها في الاستعراض ويقوم المدرب في الوقت نفسه بتسخيين الأرض الحديدية وعندها يرفع الدب قدمه اليمنى بفعل حرارة الأرض ويبقى واقفا على رجله اليسرى إلى أن يتعب من تحمل الحرارة فيبدلها باليمنى وكل ذلك بالتزامن مع إسماعه لحن الاستعراض يكرر المدرب هذا التمرين مرات عديدة وحين يبدأ العرض تعزف المعزوفة المطلوبة فيظن الدب أن الأرض ساخنة فيقوم تلقائيا بالرقص وكذلك الحال تماما في الإنسان حيث يعلم الرقص على إيقاعات مجتمعه وأما الفيل فيعتاد السيرك منذ صغره يربطه بشجرة كبيرة بواسطة حبل غليظ ومتين لكي لا يتحرك من مكانه فيحاول ويحاول مرات عديدة التخلص من قيده ولكن دون جدوى وعندما يكبر هذا الفيل ويصبح بطبيعته قادرا على اقتلاع هذه الشجرة أو قطع الحبل بسهولة لا يستطيع . لا يستطيع التحرر من قيده حتى ولو ربط بحبل رقيق وعمود هش كيف حدث ذلك لقد زرعت مررا في لاوعيه فكرة عجزه عن الإفلات والتحرر من قيده فصارت جزءا من نظام معتقداته التي لا تقبل الشك والمدربون  مطمئنون أنه عاجز عن التمرد وبمثل هذه الطريقة تتم برمجتنا من أجل تأطيرنا اجتماعيا ومن أجل إفهامنا بأننا لسنا أكبر من النماذج الاجتماعية وأن أقصى إبداعاتنا لا تتعدى حدود التقليد لا أن نكون نحن كما نحن.

إن البرمجة والقولبة الاجتماعية هي أخطر أسر لإرادة الإنسان الإنسان الذي كرمه الله ونفخ فيه من روحه وأودعه ملكات لا يعلمها إلا هو. ومن فضل الله على الإنسانية أن زرع الشجاعة في قلوب العظماء فأنصتوا لنداء الملكة التي أودعها الله إياهم ورفضوا أن يتقولبوا وأن يقتلوا صوتهم الداخلي. لا تقتلوا الإبداع في أبنائكم ضنا منكم أنكم أعلم بمقدوراتهم وملكاتهم ونداء قلوبهم وأفئدتهم ولا تجعلوا أبناءكم وسيلة لتحقيق أحلامكم التي حالت الظروف بينكم وبين تحقيقها فلكل ملكاته ولكل رسالته فإن فعلتم قد يكون الثمن غاليا وباهضا يدفعه أبناءكم وتدفعه مجتمعاتكم كل يوم وأنتم لا تشعرون فكل ميسر لما خلق له.

عن سلسلة (ومحياي) للدكتور أحمد خيري العمري.

تفريغ : سلوى بنعزيزي.

التدقيق اللغوي: مصطفى الونسافي.