العزلة وطن الأرواح المتعبة..

423

تفقد التركيز في حياتك فجأة، يقل حماسك، ويضعف عطاؤك… يتملكك الشعور  السلبي، فتصبح الضبابية واللاوضوح سيدا الموقف… تصارع من أجل إعادة  الأمور إلى نصابها وتكابر، إلا أن جهدك يذهب أدراج الرياح، فيصيبك الحزن الشديد، وتغرق في كآبة مفرطة… ما الذي حصل؟

ما حصل هو أن الضغط الذي تفرضه عليك يوميات الحياة وتفاصيلها، ومتابعة الشبكات الاجتماعية ومواقع التواصل قد تمكن منك، كما أن صخب المحيطين بك من  مقربين وأصدقاء وجيران وزملاء عمل قد هزمك، فوجدت نفسك مخنوقا ومكبلا وجها لوجه أمام باب مسدود ونوافذ مغلقة.

والحل؟

يلزمك الحل السحري الخارق، سنة الأنبياء ودرب العارفين، وسلوك الحكماء، وعادة الواعظين المدركين وتقليد المبدعين والناجحين…

يلزمك وقفة مع النفس، والهروب بعيدا بنفسك ومع نفسك للاختلاء لمدة معينة تنقطع فيها عن الحياة اليومية وتفاصيلها.
إن الخلوة بالنفس حاجة ضرورية يتوجب على الإنسان أن يقوم بها من حين لآخر خلال حياته في هذه الدنيا، حتى يلتقي بسجيته من جديد طبيعية مجردة من  مختلف المساحيق والأقنعة والمحسنات، ومن دون خوف ولاتظاهر ولا ادعاء…

وهي لحظات صدق شفافة مهمة وتلقائية للوضوح مع النفس ومكاشفتها والاستماع  لها وتبادل أطراف الحديث معها، ومحاسبتها وجلدها ومراجعتها…  دون نفاق  ولاخداع، ودون مجاملة ولا مداراة…

كما أنها فرصة مهمة للندم والتوبة والتجنب والتجاوز والوعد والتواعد ووضع البرامج والخطط للتقدم خطوات نحو الأمام.
فالخلوة إذن هي وقفة مع النفس وسؤال للذات… لكن كيف السبيل إلى تحقيقها؟

في كتابه الملهم “أربعون”، يقترح أحمد الشقيري على قرائه مجموعة من الشروط التي يرى أنها كفيلة بإنجاح الخلوة وتحقيق الهدف منها. ولعل أهم هذه الشروط  هي:

  • الذهاب إلى مكان بعيد عن الفضاء العام الذي يمارس فيه الشخص حياته اليومية كالمنزل والعمل وأماكن التقاء وتجمع الأصدقاء… ويقترح أحمد  الشقيري أن تكون الخلوة في مدينة أخرى أو بلد آخر.
  • الانقطاع عن جميع وسائل التواصل وأشكال التيكنولوجيا الحديثة كالحواسيب والهواتف وشبكة الانترنت… مع إمكانية توفير هاتف بسيط برقم جديد يعطى للمقربين جدا، مع شرط عدم التواصل معهم إلا في الحالات القصوى.
  • الحرص على السكن في مكان بعيد عن الناس، وعدم التواصل معهم إلا للضرورات القصوى.
  • أن لا تقل مدة الخلوة عن أربعة وعشرين ساعة، لأنها إن قلت على ذلك لن يكون لها أثر فعال، ولن يتحقق الهدف المنشود منها.
  • أن لا يبقى في متناول اليد أي شيء يكون الشخص مدمنا عليه أو متعلقا به كالسجائر والكحول والألعاب والأفلام الإباحية والتسوق…

ويبقى لكل شخص حرية اختيار الشروط التي يراها ملائمة ليعيش فترة عزلته بوعي وفهم وحكمة ونضوج عقلي.


وإذا كان بعض الناس يعتبرون أن العزلة موضوع غير مبرر ومنافي للطبيعة البشرية، وتعبير عن نكوص وفشل في بناء العلاقات الاجتماعية، وخيار غير  موفق لمواصلة الحياة… إلا أن للخاصة من الناس موقف آخر…

فهذا الإمام الشافعي رحمه الله كان يقول: “ومن أحب أن يفتح الله قلبه، ويرزقه العلم، فعليه بالخلوة وقلة الأكل، وترك مخالطة السفهاء وبعض أهل العلم الذين ليس معهم إنصاف ولا أدب”، ويقول أيضا: “أشد الأعمال ثلاثة: الجوع من قلة، والورع في خلوة، وكلمة حق عند من يرجى ويخاف”.

وفي نفس السياق تقريبا، كان الإمام الغزالي يعتبر العزلة طريق معرفة لا متناهية، وقد قال في ذلك: “وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أُمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها”.

ورآها ابن الرومي طريقة مثالية وعملية ذاتية للرقي بالذات وتطهيرها:وقد عبر عن ذلك في عبارة بليغة حين قال: “كن كالثلج الذائب طهر نفسك من نفسك”.

أما  رائد الرواية النفسية، فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي، فقد اعتبر العزلة زاوية صغيرة يقف فيها المرء أمام عقله مباشرة.

وهي وطن للأرواح المتعبة كما رآها صاحب الشيخ والبحر، ايرنست ايمنغواي.

واعتبرت إليف شافاق، أيقونة الأدب التركي، في مذكراتها “حليب أسود” أن الوحدة جزء ملازم لكينونة الإنسان، حيث قالت: “عشقت الوحدة. توددت إليها.  عرفت أناساً قد يصابون بالجنون لو تركوا وحدهم لساعات طويلة. أما أنا، فكان الأمر عندي على عكس ذلك تماماً. قد أصاب بالجنون لو كان علي مرافقة أناس لوقت مديد. سأفتقد عزلتي.ازدهار مهنتي كروائية مرهون بالعزلة”.

ولعل خير قدوة لنا في موضوع العزلة والاختلاء بالنفس، نبينا الكريم، صلى  الله عليه وسلم، الذي كثيرا ما خلا بنفسه قبل البعثة في غار حراء  بحثا  عن السكينة والتأمل والحكمة والتفكر في آلاء الله، والتدبر في عظيم قدرته… وقد استمر على ذلك عليه السلام إلى أن جاءه الوحي ونزل عليه القرآن الكريم.

ويمكن اعتبار الاعتكاف الذي يقوم به المسلمون في العشر الأواخر من رمضان  شكلا من أشكال الخلوة، يقبلون خلالها على التجهد والقيام لله بالعبودية في  أعقاب الليل لما لها من لذة لايدركها إلا من أكرمه الله بها، وهي لذة تصل  بصاحبها إلى حالة السلام الداخلي التي عبر عنها القران الكريم بــ “النفس  المطمئنة”.

إن الارتقاء الروحي، وتحسين العلاقة بالله لا يأتيان إلا بالعزلة والاختلاء بالنفس من حين لآخر… لذلك نجد أن كل من تحقق لديهم السمو الروحي من أنبياء وعارفين وفلاسفة ومصلحين قد دأبوا على ممارسة الخلوة في مراحل  محددة من حياتهم، تتصل فيها أرواحهم بالله عز وجل، وتسمو فيها أنفسهم عن اضطراب الحياة من حولهم، وعن كل نقاش ينسيهم ذكر الله.

بإمكان العزلة أن تمت عن وعي واختيار، وأن تكون محطة حقيقية للتدبر والنقد والسؤال، وأن تحدث تغييرا شاملا في حياة الإنسان، وتدفعه إلى اتخاد قرارات جذرية تطوى خلالها صفحات قديمة، وتفتح آفاق حياة جديدة تتشكل فيها الذات من جديد.

ولعل أعمق تعبير عن هذا الموضوع ما قاله محمود درويش:

في العزلة كفاءة المؤتمن على نفسه

يكتب العبارة، وينظر إلى السقف. ثم يضيف :

أن تكون وحيدا…. أن تكون قادرا
على أن تكون وحيدا هو تربية ذاتية.
العزلة هي انتقاء نوع الألم، والتدرب
على تصريف أفعال القلب بحرية العصامي… أو
ما يشبه خلوك من خارجك وهبوطك الاضطراري
في نفسك بلا مظلة نجاة. تجلس،
وحدك  كفكرة خالية من حجة البرهان
دون أن تحدس بما يدور من حوار بين
لظاهر والباطن.