ذات يوم في شوارع إسطنبول..

340

بعد الإقامة لأكثر من شهر في إسطنبول أبت رغبتي المزمنة في الاستكشاف إلا  أن تظهر كعادتها، فقررت أن أرمي بنفسي داخل حافلة متجهة إلى مركز المدينة، تباطئت سرعتها مكرهة بسبب الزحام الشديد، فإسطنبول تعد من بين المدن الأكثر كثافة سكانية في العالم بمعدل 15  مليون نسمة.

إن المقام في هذه المدينة يعني سماع الكثير من الآراء والتقاء أجناس عديدة من مختلف أقطاب العالم، فهناك مصريون يروون قصصاً مذهلة عن الأهرامات والفراعنة ثم يلقنونك دروساً في التاريخ، وجزائريون سيناقشون معك موضوع الصحراء بصورة غير التي  عهدناها في المنابر الإعلامية، أما العراقيون فسيحدثونك بحرقة عن حضارتهم التي أطفأ الماضي مداها. وبين هذا وذاك، كنت محظوظاً للخوض معهم في نقاشات عميقة كوني أتشارك نفس الشقة مع بعضهم وأدرس مع البعض الآخر.

بعد مضي ما يقارب الساعتان على نفس الحافلة وصلنا إلى الميدان الرئيسي لأحياء إسطنبول، بدأت جولتي من ساحة تقسيم أمام النصب التذكاري للإستقلال الذي يؤرخ لأحداث تمثل نقطة تحول في التاريخ، ما جعله موطنا لمختلف الظواهر الإنسانية والثقافية.

مقالات مرتبطة

و لعل تمثال أتاتورك وجنوده القابع وسط النصب لازال شاهداً على تاريخ طويل وحافل للإستقلال والتحول من إمبراطورية عثمانية إلى تركيا الحالية.
بعدها انضممت إلى الملايين الثلاثة التي تعبر شارع  الاستقلال يومياً، حيث  محطة الترام الأحمر القديم والمزيج الفريد بين الطابع الأوروبي المعاصر والمعمار الإسلامي في البنايات المتراصة جانبه. اكتفيت بأخذ الصور هنا وهناك حتى وصلت كتدرائية سانت أنطونيو أكبر كنائس الكاثوليك في إسطنبول، لم يسبق لي أن دخلت كنيسة من قبل لذلك اغتنمت الفرصة لإشباع فضولي. كانت الكنيسة قد أحيطت بهالة من القداسة، أبوابها الثلاثة التي فتح أوسطها وأكبرها حيث تقدم على  مشارفه قس يضع الثالوث على صدره يرحب بالزوار. كانت شبه مضيئة، تنيرها  الشموع المرصوفة في كل زاوية والتي أضفت حساً من الروحانية والقدسية، ثم  في مقدمتها يقع تمثال السيد المسيح عليه السلام، تعمدت البقاء طويلا كونها   تحتوي على بعض المصلين، لكنني أدخلت هاتفي في جيبي احتراماً لطقوسهم.

عدت إلى جولتي بعد مدة ليست بالوجيزة، فاتبعت نفس الشارع مروراً من إمينونوا وصولاً إلى منطقة السلطان أحمد هذا المكان العريق الذي تلتقي فيه  الأحياء القديمة مع حفيدتها الجديدة والأزقة العتيقة الضيقة التي رممت لتتعايش مع حاضرها الحديث، كما أنه غني بصروح عملاقة تشكل ذكرى قوية لفترة تاريخية عظيمة.

تزامن وصولي لها مع قيام صلاة المغرب فدلفت لداخل المسجد الأزرق لأداء الصلاة، هذا الأخير يعد أكبر مسجد في تركيا والوحيد الذي يحتوي على ستة  منارات مرتفعة، بالرجوع إلى تاريخ بنائه فقد تم تأسيسه في عهد السلطان أحمد، أراده أن يؤرخ لفترة حكمه ويمحوَ به أثر هزيمة جيوش الإمبراطورية في الجهات الفارسية. لازالت الثرايا المتدلية من سقفه والأقراص الزرقاء المكتوب عليها آيات من القرآن والتي تزين المسجد تحمل في ثناياها قصصاً من  التاريخ ومن الحضارة العثمانية.

اختتمت جولتي بزيارة لآية صوفيا المتوارية بالقرب من المسجد الأزرق، تسمى كذلك ببيت الحكمة الإلهية فقد احتلت مكانة بارزة طوال العصور بداية من  إنشائها كأكبر كنيسة في العهد البيزنطي ثم أصبحت عنواناً لقوة وسيطرة الدولة العثمانية بعد فتحها من طرف السلطان محمد الثاني ليغير دورها الديني، قبل أن تنتهي بوضعها الحالي كمتحف للكنوز الإسلامية والمسيحية.

أثار انتباهي صور المسيح ومريم عليهما السلام بجنب الآيات القرآنية المعلقة على جدران بناها البيزنطيون وزخرفها العثمانيون لتضرب مثالاً على التعايش في تركيا. أما أعمدة هذه المعلمة الهائلة فهي أكبر شاهد على كثرة الطبقات التي سقطت، فإزالة الصليب من أعلى القبة وجلب المحراب لليمين أو إقامة  كنيسة على أنقاض مسجد ليست إلا نوعا أنواع العزاء الديني. فالنؤمن بإنسانيتنا التي لا تمل ولا تكَلُّ ولا تتغير بتغير الأديان.