ميخائيل باختين بين الحوارية والبوليفونية..

212

مما لا شك فيه أن الناقد الروسي ميخائيل باختين مع  نظريته الحوارية قد شكل منعطفا كبيرا في حقل الدراسات السردية البنيوية للخطاب الروائي، إذ سيتطور هذا التصور في شكله الحداثي مع جوليا كريستيفا  حيث سيدور الحديث حينئذ عن مفهوم التناص ومع جيرار جنيت كذلك في مصطلح  المتعاليات النصية.

مما لا يخفى على دارس الخطاب الروائي أن هذا الأخير  يمتاز بكونه “وحش جد مهذب ومدجن” كما جاء في كتاب “أسئلة الكتابة” لموريس بلانشو، وهذا الأمر يحيلنا على فكرة أساسية في حوارية باختين تكمن في التهجين الأجناسي الذي تقوم به الرواية اتجاه الأنواع الأدبية الأخرى كالشعر والملحمة والنص المسرحي، إذ تنتقي من كل هذه الأنواع ما يخدم بنيتها  النصية كتضمينها للشعر واستخدامها الحوار، وفي هذا الأخير تظهر الحوارية فيأسمى تمظهراتها.

الحوار هو أقوال الشخصيات أثناء تخاطبها مع بعضها البعض داخل الرواية، وهو في قسمين، داخلي مونولوجي Monologism ينصرف إلى نفسية الشخصيات في حوارها مع ذاتها، وهذا لا يعده باختين حوارا يسموا إلى مستوى القسم الثاني الذي يجمله في التخاطب الخارجي مع الشخصيات الأخرى  وعلى هذا الأخير مدار الحوارية عنده وجوهرها، فالرواية إذن بهذا المفهوم  تحقق نوعا من التعدد اللغوي داخلها انطلاقا من حواريتها القائمة على  التنضيد الأجناسي من فن الكتابة المسرحية بالأساس.

إن البوليفونية Polyphony كمصطلح موسيقي يمكن أن يؤدي هنا معنى من المعاني التي يقصدها باختين من نظريته المسماة ب “الحوارية”  Dialogism فهو يؤسسها على تعددية الأصوات داخل الرواية من حيث عدد الشخصيات  التي تحضر بموروثها اللغوي وثرائها الفكري لتؤثث الفضاء الحواري للخطاب الروائي وهو ما يجعل الناقد الروائي أمام مفارقة التداخل الإديولوجي والثقافي الحاصل في لغة تخاطب الشخوص، من حيث ارتباطها بمرجعيات محددة قبلا وبالتالي لا يمكننا فصل “البوليفونية الحوارية” Polyphony Dialogism إذا جاز التعبير عن التداخل الفكري للشخصيات مع موروثها الثقافي، فكل شخصية تظهر كمورفيم فارغ ثم تبدأ بالامتلاء انطلاقا من أحداث القصة وبالتالي  تتبنى أفكارا معينة وتدافع عنها، وهذا يولد نوعا من الصراع المجرد بين الأفكار والذي يظهر حسب باختين في الحوار.

لابد لنا في هذا الإطار أن نشير إلى مسألة مهمة تتعلق  بدور الراوي في تنظيم الحوار بين الشخصيات وكذا الإفصاح عن المكنونات الإيديولوجية لها إلا أن السارد هنا ليس متورطا في الإيديولوجيا التي يضمنها في حوارات رواياته، بل يقحم شخصياته في هذا الخضم ويحفزها للبحث عن  هويتها داخل الإيديولوجيات فنصبح أمام أفكار محايدة ظاهريا تنطق بلسان حالها وتعبر عن تناقضها بمعزل عن الراوي، إذ لو كشف دور السارد في هذا الحوار فقد كشفت لعبة الحوارية داخل الخطاب الروائي وهذا يحتاج من الناقد ثقافة واسعة في بعض الأحيان تستدعي أن تكون موازية لثقافة الكاتب نفسه حسب درجة التعدد اللغوي داخل الحوار.

إن ما يهم في حوارية باختين، ليس التشاكل اللساني بين علوم اللسان من نحو وبلاغة…، بل الأهم هو دلالة هذا التداخل والتنضيد، بحيث نصبح بصدد لغة مستقلة إيديولوجيا تستند إلى مجموعة من المفاهيم والأسس النظرية التي تستطيع بواسطتها التفاعل من اللغات المغايرة لها في البعد الدلالي والمحايثة لها على المستوى التركيبي اللساني.

قد يتساءل سائل عن مدى إمكانية اعتبار نظرية التناص كامتداد لحوارية باختين؟، أقول في هذا الإطار إن باختين عالج الأمر من حيث هو مظهر حواري بالأساس يرتبط بالحوار، فلا وجود لتعدد لغوي عنده خارج  فضاء النص الحواري، ولهذا اعتبر الرواية المونولوجية غير ذات أهمية من حيث البوليفونية إذا ما قمنا بمقارنتها بالرواية الحوارية، كونها تحتمل درجة ضعيفة من التداخل اللغوي والإيديولوجي وعليه يمكننا القول إن التناص مرحلة  متقدمة من نظرية الحوارية الروائية انتقلنا فيها من الجزء إلى الكل، أي من الحوار إلى ما هو خارج عن الحوار، وصرنا بصدد – لا التناص وحده – بل  المناصات أيضا، فالعنوان والتصدير والمقدمة والشذرات والإهداء ولوحة الغلاف … كلها تشكل مناصات لابد من الوقوف عندها وتحليلها، كما يقول  جيرار جنيت “فلنحذر من المناص”.

وإذا ما حاولنا الإلمام بالوعي النقدي ككل باعتباره  نسقا ثقافيا يتطور باستمرار وعلى ضوء الحضارات والعصور يمكننا أن نرجع حوارية باختين وتناص كريستيفا إلى ما يصطلح عليه العرب ب “السرقات الأدبية”، إلا أن هذا المصطلح يجنح بنا أكثر إلى مسألة إيديولوجية بالأساس تتعلق  بالقضية الخلافية المشهورة في النقد الأدبي العربي القديم الموسومة ب “اللفظ والمعنى” وعلى هذا الأساس نجد كتاب ” الموازنة بين أبي تمام  والبحتري “للآمدي” الوساطة بين المتنبي وخصومه “لعلي بن عبد العزيز الجرجاني بالإضافة إلى مصنف ابن الأثير” المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر”، إذ كلها كتب تراثية عربية – بغض النظر عن موضوعيتها النقدية –  اهتمت بالمفاضلة بين الشعراء بناء على المعنى المتضمن في شعرهم، حيث  يتطرقون إلى المعنى الشعري عند الشاعر ، هل سبقه شاعر إليه أم لم يسبقه أحد  إليه، فإذا ثبت للشاعر السبق في المعنى فلا يسمى سارقا بل ينصب شاعرا ويشهد له بالريادة، أما إذا حدث العكس فتطلق عليه صفة السارق لمعاني سابقيه والمستعمل لها، وهذا يحيلنا إلى اعتبار التناص ظاهرة معروفة عند  العرب القدامى وكانوا يعون هذه المسائل، خصوصا في ظل التضمين الذي يعني عندهم خروج المعنى الشعري عن إطار البيت الواحد إلى أبيات تتلوه وبالتالي تنتفي عن البيت وحدته العضوية، فهم كانوا محيطين بتداخل المعاني مع بعضها البعض وتآلف الألفاظ وكذلك استعانة الشاعر بمعان سبقه شعراء آخرون إليها إلا أن المصطلح هو ما كان يعوزهم بالإضافة إلى المنهج في هذا الإطار.

ومن ثمة فميخائيل باختين يظل له قدم السبق في الحديث عن تداخل اللغات والأفكار بمنهج بنيوي علمي ينطلق من النص ويعود إليه، ولا يسعنا في هذا الصدد إلا أن نقر بأهمية الإشارات واللمحات المتميزة التي نجدها في كتب ومصنفات نقادنا العرب القدامى إلا أنه لا يسعنا إلا أن نسلم بقصور هاته الإشارات من حيث المصطلح والمنهج، وهذا ما سيثبت مع  كريستيفا وجنيت فيما بعد.