إنها الحياة!

213

غريبةٌ هي الحياة بمنطقها الغامض. أنت تسعى راكضاً وراء أشياء تهرب منك، وما تكاد تتخلى عنها وتقنع نفسك بأنها لا تستحق كل ذلك العناء حتى تأتيك هي  لاهثةً. فلا تَدري أتُتِمُّ سبيلَكَ مُديراً ظهرَكَ أم تَمُدُّ يدَكَ  مانِحاً فرصةً قَد تكون دليلَ سعادتِك الأزَلِية أو دمارك الشامِل. قرار  مصيرِيٌّ، تتخَلَّلُهُ الشكوك والظنون القاتلة، يتوقف عليه مَآلُكَ. التَّخلِّي أم التشبت؟ ولكن ما أدراك؟ حينها تتمنَّى قائلاً : “حبَّذا لو  كنت أنعم بالحدس وتنبؤ المستقبل كحاسة سادسة…”

عجيبةٌ هي الحياة بمعانيها المتناقضة. أنت لا تشعر قَطُّ بأنك كنت سعيداً، إلّا بعد أن تفارقك تلك السعادة التي كنت غارقا في غمرَتِها. في حين  أنَّكَ لا تتردد لِتَنغَمِسَ في دوّامةِ الحزن وترتمِيَ في أحضان الألم  فور إحساسك بهذا الشعور الرهيب فتعيشه بكل جوارِحِكَ لحظةً بلحظةٍ. وقد تَكمُنُ عِلَّةُ هذا التناقض في كون السعادة تخلق ضرباً من الانسجام بين الذات والعالم الخارجي مما يترتب عنه نسيان الذات لنفسها، بينما الألم ما هو إلّا مناسبة لشعور الذات بنفسها مُوَجِّهَةً اهتمامَهَا نحو تلك النيران الباطنية التي تشتعل في جوفها. أنت غالباً لا تُقَدِّرُ لحظاتِ السرورِ  الدّاخِلِيّ والسَّكينة الروحية، بينما تُتقِنُ التَّحَسُّرَ على فوات الأوان وتَبْرَعُ في التَّذمُّرِ على لحظة ألمٍ فانيةٍ. الانسياق مع ما تَخْفِقُ له القلوب أم التصَدّي لها بكُلِّ بُرودة؟ ولكن ما أدراك؟ حينها  تتمنى قائلاً :”حبَّذا لو كنت أملك فُؤاداً قاسيا من حجر لا يُقْهَر…”

مُحَيِّرةٌ هي الحياة بأولوِيّاتِها المُتَضارِبة. أنت تُسائِلُ نفسك دَوْماً ما إذا كان السلام الباطني يأتي قبل الهناء العاطفي، وما إذا كانت الطمأنينة الروحية أهَمّ من الحب. وبالرغم من استسلامك بين الفَيْنة والأخرى لِسِحْرِ هذا الوِجدانِ الذي تَصعُبُ مُقاومتُه، فإنك تعلم في قرارة نفسِك أنَّ كلَّ عاطفةٍ لا تُؤَمِّنُ لك السَّلامَ الّذِي تستحقه كَكَيانٍ بشري عظيمٌ شأنُهُ، هي عاطفة تَحمِلُ في ثناياها مشروعَ هلاكِك. صراع داخلي بدأ منذ فجر الخليقة بين صيانة كرامة الذات وحب الآخر. التضحية بالسلام الذاتي في سبيل العواطف أم إخماد نار هذه الأخيرة إجلالا للاستقرار النفسي؟ ولكن ما أدراك؟ حينها تتمنى قائلاً : “حبّذا لو كان المحبوب  يستحق شقائي وتضحيتي…”

متعددة هي أمنياتنا الدنيوية بجوانبها التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى… فما نحن إلا كائنات روحانية في قوالب طينية نخوض تجربة ربّانية تَتَكَلَّلُها اختبارات تُحَتِّمُ علينا القيام باختيارات، تارةً تكون صائبة، وتارة أخرى  تكون خاطئة. وقد تضعنا في مواقف بدون اختيار، فقط بمحض الصدفة. أحياناً  نُراجعُ حياتَنا، فإذا بنا نجد أن أروع ما عشناه كان مصادفةً، وأنَّ أكبر  الخَيبات أتَتْ غالباً على سجّادٍ فاخرٍ فرشناه لاستقبال السعادة. فنحن على الأرجح لا ندرك لكننا نتمنى. لا نعلم اليقين لكننا نَأملُه. أذهاننا المشتتة تحمل في طَيّاتِها أفكاراً متنافرة وآراءً متعارضة لا تخلو من  التشكيك بغية الوصول إلى الحقيقة واحتمال الوقوع في الخطإ. وتظل الحقيقة  اليقينية الوحيدة هي الفناء. لكن متى؟ وما أدراك…