اليقظة..

188

“اللحظة الراهنة مليئة بالفرحة والسعادة، إذا كنت يقظا ستراها” ثيك نات هان.

من خلال مراقبتي لما يجري، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، ومع وجود كل هذا العبث، إلا أنني وجدت الكثير من الإشارات الدالة على حقيقة أن عالمنا يقف على حافة نهضة فكرية وروحية، وتغيير جذري في المواقف تجاه قيمة الحياة، وأن بعد كل السعي الذي مشينا فيه للتوسع نحو الخارج، الآن عدنا لنبحث من جديد في داخل ذواتنا، لمحاولة سد الفجوة المتسعة، وملء الفراغ الفكري المجوف الذي نحن عليه اليوم، بداية بتدمير جميع أجهزة التزييف التي كانت بين أيدينا، وبدء مرحلة وطريقة فهم جديدة تخرجنا من هذا الانسداد الفكري الذي نمر به، وذلك طبعا من خلال التفكير؛ ولكن، إذا أردنا استيعاب ما يمكن أن يقدمه التفكير لحياتنا، علينا العودة خطوات إلى الخلف، بعيدا عن مفهوم التفكير الذي تعودنا عليه، ونرى كيف يمكننا تطويره لشيء أبعد من ذلك.

السؤال هنا، هل الأفكار قادرة على حل مشاكلنا؟ أنا أعتقد أنها لم ولن تحل أي شيء إذا لم نفهم عملية التفكير كيف تعمل، خصوصا إذا لم تكن تمتلك ما يسمى باليقظة أو لديك ذهنا متيقظا؛ هذه وضعية أو حالة ذهنية تكون فيها قادرا على مراقبة نفسك، وكل تصرفاتك، وعواطفك وانفعالاتك.

ما أجمل أن يكون لديك ذهن متيقظ صاف، وليس لديه أحكام مسبقة على الأشياء، وغير فاقد للتركيز على محتوى العقل؛ هذه النوعية من الذهن تساعد على الحد من القلق والاكتئاب، وتحسن من وظائفنا الإدراكية. تخيل أن تمتلك القدرة على حمل ورقة وقلم وتكتب ملاحظات عن نفسك، بهذا النوع من التيقظ تنتج تغيرات في كثافة المادة الرمادية لديك، وهي أحد العناصر الأساسية في الجهاز العصبي المركزي. تزيد كثافة هذه المادة في مناطق بالدماغ لها علاقة بالتعلم والذاكرة، وكذا ضبط العواطف والوعي الذاتي.

ما أروع أن يكون عند الإنسان هذه القدرة الذهنية، فما بالك أن يكون كذلك قادرا على تطويرها، لما لها من تأثيرات مهمة على حياتنا؛ كل الأبحاث أظهرت أن اليقظة تساعدنا على العمل بصورة فعالة، وعلى معالجة الحزن، والقلق، والتوتر، والاكتئاب والإدمان وغيره… اليقظة قادرة على علاج حتى الأمراض النفسية والجسدية أيضا.

مقالات مرتبطة

ولحسن الحظ، توجد طرق كثيرة للحصول على هذه النوعية من الذهن، دون الحاجة إلى الالتزام بأوقات طويلة من أجل ممارسة اليوغا مثلا كما يفعل بعض الناس. هذه التقنية بإمكانك تطويرها وأنت تقوم بسياقة سيارتك، أو وأنت تتمشى، أو من خلال ممارساتك للأشياء اليومية والعادية؛ وإذا خصصت أوقاتا منتظمة لممارستها، ستصل إلى مرحلة الإحساس بقلة نسبة الضغط لديك، وبزيادة القدرة على التعامل مع الالتزامات اليومية، كون عقلك صار أصفى، والتوتر الجسدي صار أقل.

الطرق عديدة لتطوير الذهن، أهمها اغتنام لحظات التفكير في أشياء سلبية، أو عند الإحساس بالتوتر والغضب ورغبتك في الصراخ، أو إحساسك بالاكتئاب أو التشاؤم أو الوحدة أو الحزن.. هذه أفضل اللحظات التي يمكن أن تختبر فيها هذه الحالة وتستفيد منها، لكون الوعي لديك حينها في أقل مستوياته. ما عليك فعله هو أن تدع الغضب أو الحزن يعبر عن نفسه ككل مرة، تصرف تماما مثل ما تتصرف بموقف مشابه، ولكن هذه المرة تذكر أن تلاحظه وتراقبه، كأن شخصا آخر يراقب لك تصرفاتك ويسجلها لك؛ إذا استمريت على هذه الطريقة، ستصير بعدها قادرا على أن تسيطر على عواطفك بكل سهولة، وتساعد نفسك على أخذ قرارات بطريقة أنضج وأوعى، وبذلك تتحكم بحياتك بطريقة أفضل بكثير.

توجد أشياء كثيرة تظل تضايقك وتزعجك، وهذا أهم شيء ليكون لديك ذهن متيقظ لمحو المعاناة من حياتك؛ سيؤثر هذا على أدائك على كل المستويات في حياتك، لا محالة، والطريقة سهلة جدا: اليقظة.

 

عن سلسلة (العقل زينة) لسائد زردار

تفريغ: آيت الله هيدور

التدقيق اللغوي: مصطفى الونسافي