العنف النفسي..

278

كثيرا ما نسمع عن بر الوالدين، وعن عقوق الأبناء لوالديهم، ولكن قبل أن يصل أبناءنا إلى العمر الذي يطالَبون فيه ببرنا، فإن برا آخر يسبق هذا البر، وكثيرا ما يُنسى، ألا وهو برنا نحن بأبنائنا.

هل يوجد ما يسمى ببر الآباء بأبناءهم؟ وهل يمكن أن يعقَّ الأب ابنه؟

جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وأرضاه، يشكو إليه عقوق ابنه، فلما سمع من الابن قال الفاروق للرجل: “جئتني تشكو إلي عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك”.

وكيف يبر الآباء أبناءهم؟ يبرونهم جسدا وعقلا وروحا.

البر الجسدي يشمل المسكن، والملبس، والطعام، والشراب، والحماية الجسدية من كل مكروه؛ وكلها حقوق لأبنائنا علينا، والتفريط في أي منها يعتبر صورة من صور عقوقنا لهم.

ومن صور العقوق العنف الجسدي، من ضرب مبرح أو صفعٍ للوجه، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم نهيا باتا أن يضرب الوجه، حتى في حالة القتال والدفاع النفس.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا ضرب أحدكم فليجتنب الوجه”، فالوجه أشرف ما فينا، وفي صفعه إذلال وإهانة لكرامة الإنسان؛ وقد أثبت الطب الحديث ما لصفع الوجه من أضرار على الدماغ، والجهاز العصبي، وأعصاب الوجه؛ وهذا الذي أدى إلى إصدار قوانين دولية في العقدين الماضيين بحظر صفع الأطفال.

وقد سبق الإسلام هذه الدول بتحريم ذلك قبل ألف وأربعمائة عام، وجسد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا التشريع في حياته كلها، فلم يُرْوَ أنه ضرب أحدا تأديبا، بل كان يعلم ويربي بالحب والقدوة الحسنة، وهذا ما نقله لنا أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه، عندما قال: “خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، فما قال لي أُفٍّ قط”.

وأما البر النفسي فيشمل توفير البيئة النفسية الصحيحة السليمة، التي تحافظ على كرامة الطفل، وتحميه من كل ما يؤثر بالسوء على نفسيته، والتعامل معه كإنسان له كيانه، كرمه الله ونفخ فيه من روحه، فهو ليس مِلْكا لأحد؛ ودور الآباء يقتصر على التربية الصالحة، وتوفير البيئة التي تساعد الأولاد على اكتشاف ملَكاتهم التي حباهم الله بها، واختيار وجهتهم في الحياة، ولكلٍّ وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات.

ومن صور العقوق النفسي لأبنائنا العنف اللفظي والنفسي، من كلمات وألفاظ مسيئة، تحمل عبارات السخرية والاستهزاء، أو السب والشتيمة، وكذلك التهديد واستخدام لغة سوقية؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبابا ولا فحاشا ولا لعانا”.

ومن صور العنف النفسي كذلك، الانتقاض المستمر، ومقارنة الأطفال بغيرهم، والتعبيرات الساخرة الجارحة، وكل نمط سلوكي يهاجم النمو العاطفي والنفسي عند الطفل وإحساسه بقيمته الذاتية، كأن يشعر الأب أبناءه أنهم عالة عليه، أو حمل ثقيل، أو أنهم لا فائدة منهم.

مقالات مرتبطة

اختيار ناضج

العقل زينة

وقد أثبت العلم الحديث التبعات السيئة التي يسببها العنف اللفظي والنفسي، إذ يؤثر على نمو الطفل الجسدي والعقلي والنفسي، وعلى اندماجه الاجتماعي، ومساره التعليمي، وجانبه العاطفي، وزيادة نسبة الإصابة بالاكتئاب والانطوائية، والخوف، وأمراض أخرى كثيرة.

ففي دراسة مشتركة بين ثلاثة مراكز وجامعات طبية بألمانيا، توصل الباحثون إلى نتائج مذهلة، فقد وجدوا أن البالغين الذين عانوا في طفولتهم من اعتداءات وعنف نفسي وعاطفي، ظهرت آثار هذه الاعتداءات لديهم في صورة تقلص لنمو منطقة هامة في مقدمة الدماغ، ومن وظائف هذه المنطقة التخطيط المعقد، وصنع القرارات، والتعبير عن الشخصية والسلوك الاجتماعي؛ وهي المنطقة الأكثر تأثرا نتيجة للضغوط النفسية؛ وقد نشرت هذه الأبحاث في مجلة علم النفس البيولوجي.

وأما صور بر الآباء لعقول أبنائهم، فمنها حسن تعليمهم، وحسن اختيار المدرسة والمعلمين، واحترام عقولهم، وإعطاؤهم فرصة التفكير، بعيدا عن التهميش أو الاستبداد بالرأي، لأن هذه المرحلة من العمر يتكون فيها دماغ الطفل وينمو، فإن ضُيِّق على تفكيره، وحُرِم من حرية السؤال والمناقشة والحوار ونشأ على ذلك، فإن عقله سيتشكل بطريقة لا يستطيع بها أن يفكر باستقلالية، أو أن يحاور بمنطقية، أو أن يسأل طوال حياته.

إن أبناءنا ولدوا على الفطرة التي خلق الله الناس عليها، فهم صفحة بيضاء نحن نملأها، وهم أرض خصبة نحن نزرعها، فالحب الصادق غير المشروط سيثمر حبا متوازيا، والاحترام والتقدير والصبر والكرم والإيثار، كلها بالتلقي ستصبح جزء من كيان أبنائنا، وسنجني نحن ثمارها.

إنه على قدر برنا بأطفالنا في صغرهم يكون برهم بنا في كبرنا، فبذرة الحب التي تودع في قلب الطفل على الفطرة، وتسقى بالرحمة والصبر والكرم والإيثار، لا بد أن تصبح يوما شجرة معطاءة، وأول من سيجني ثمارها الأيادي التي زرعتها.

إن عقوق أبنائنا لنا كثيرا ما يكون من حصاد ما زرعناه، فلْنَتَّقِ الله فيما نزرع!

وهنا أفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما قال: “أعينوا أولادكم على البر، من شاء استخرج العقوق من ولده”، فكم من الآباء صفعوا أبناءهم بذريعة التربية والتهذيب، والإسلام بريء مما صنعوا ويصنعون.

إننا بإحساننا لأطفالنا في صغرهم نكون قد أعناهم على برنا في كبرنا؛ فلنكن ممن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“رحم الله والدا أعان ولده على بره”، صدق الرسول الكريم.

ولنُسألن يوم القيامة عن برنا بأبنائنا، كما سيُسأل أبناؤنا عن برهم بنا.

 

عن سلسلة (ومحياي) للدكتور وليد فتيحي.

تفريغ: إيمان طاييس

التدقيق اللغوي: مصطفى الونسافي