هل يحلم الأطفال خلف الجبل؟

111

كنت ألعب مع أطفال المنطقة عندما وصل الوفد المنتظر إلى قريتنا، بينهم رجال بقبعات شمس وسترات بيضاء عليها كتابات ملونة لم أستطع قراءتها، وبينهم نساء ترتدين نظارات شمس وتحملن زجاجات ماء معدني وحقائب ظهر ممتلئة. كانوا يبدون لطيفين، يبتسمون ويلوحون لنا بأيديهم، قبّلتني واحدة منهن على خدّي وداعبت وجهي.

وقفوا عند بقعة أرض مهجورة منذ زمن بعيد، كانوا يتناقشون مع بعض سكان القرية في حرص ويشيرون إلى الحائط والآخر ثم إلى الأرض. لم أهتم كثيرًا لسبب زيارتهم ولكني كنت أنتظر لحظة توزيع حلويات المدينة، مثل سائر أطفال المنطقة. وزّعوا علينا أنواع عديدة من الحلويات مثل التي تظهر على شاشة التلفاز في بيت صديقي أحمد. بينما كنت أتأملّ في ما حصلت عليه من الأشياء اللذيذة، كان بعض أعضاء الوفد يصوروننا وكان منهم من يتحدث أمام شاشة هاتفه وكأنه يُلقِي خطاب نشرة الظهيرة. كنت أحاول سماع أحاديثهم والتقطت أذني كلمة مدرسة. جاء الوفد ذاك اليوم إلى قريتنا من أجل بناء مدرسة لنا في حيّنا.

لم أصدّق ما سمعته، أفعلا أتوا من أجلنا؟ هل سيبنون لنا مدرسة نرسم فيها بالألوان ونتعلّم فيها الحساب والحروف وتفسير القرآن؟ هل سنصير كأطفال المدينة، نستيقظ باكرا من أجل يوم حافل ومنظّم به صباح وفترة غذاء وأصيل؟ وسيكون لدينا واجبات نقوم بها عشية في المنزل؟ يا ترى كيف ستكون ألونها؟ أم ستكون باللون الأبيض مثل كُتّابنا؟ هل سيضعون لنا فيها ألعابا؟ هل سنجلس على الأرض أم أنهم سيُحضرون لنا كراسي وطاولات؟ هل ستكون لنا معلّمة خاصّة بنا؟ هل سيُفكّرون في وضع جهاز تلفاز لنا مثل الذي يوجد في بيت صديقي أحمد؟ هل فعلا أتَوا من أجلنا؟

لم أنم تلك الليلة من شدة الحماس، فأنا طفل الجبل المنفي والمنسي والمُهمّش والمهمل سوف يكون لي مدرسة في الجبل! تذكّروني وأتوا كي يخرجوني من الظلمات إلى النور. سأتعلّم القراءة والكتابة وألعب بالألعاب الذكية وأنمّي ذهني بأفكار متنوعة بدل من التسكع بين البيوت والحفر في التراب ومضايقة الشيوخ الكبار ورمي الحجر على الأصدقاء. سأستطيع أن أحلم بالتفوق والنجاح والمستقبل. أريد أن أصبح طيّارا، أرغب في رؤية الجبل من الأعلى، هذا الجبل الذي حجب العالم عن رؤيتي، كثيرا ما احترت بين لومه أو لوم العالم على تجاهلهما لاحتياجاتي الطفولية. ولكنهم اليوم أتوا من أجلي، أتوا رغم حجاب الجبل وطريقه الوعر. كنت أغمض عينيّ  في كل ليلة على أمل أن أحلم بمدرستي.

بعد ذلك اليوم، بدأ العمل على تلك البقعة التي كانت منعدمة الفائدة، بدأت أشغال البناء طول نهار كل يوم لفترة من الزمن. كنت أقف أمامها في كل يوم كي أتحقق إذا كان هناك ألوان وألعاب… تقدّمت الأشغال بسرعة فائقة وكان أعضاء الوفد -عرفت بعدها أنهم يمثلون الجمعيةالمغربية لرواد التنمية- يطلّون بين الفينة والأخرى ويحضرون الكثير من اللوازم. كان يبدو عليهم الاهتمام والحرص على إنجاز هذاالمشروع، كنتُ أتسلل إلى الداخل وأراقب ملامح وجوههم وهي تفرح لاكتمال جزء من الأشغال وتتحمّس مع اختيار لون الجدران وتناقش عدد الطاولات ومكان السبورة وأين سيكون المرحاض. سمعتهم يقولون أن أحد الأقسام سيكون لونه أخضر وفرحت… لأنه لوني المُفضل.

إنهم فعلا يصنعون أول خطوة في طريقي إلى التطور واكتشاف العالم الذي يوجد وراء الجبل. كنت أذهب كل يوم إلى مدرستي كي أساعد في حمل طوب البناء، أردت أن أضع بصمة يدي في تأسيسها، وكان هذا كل ما استطعت المساهمة به في مشروع بنائي أنا وجيل منطقتي. وكانوا هم أيضا يأتون للرسم على الجدران بأيديهم ويحضرون معهم الكثير من الأغراض من المدينة.

وجاء اليوم الكبير؛ يوم تفتح المدرسة ذراعيها في وجهي ووجوه الأطفال المترقّبة في حماس بريء وفضول بسيط همّه الأكبر أن يرى ألوان الجدران ومكان الألعاب. جمعونا كلنا في ركنٍ وألبسونا زيّا مدرسيا موحّدا؛ كان زيّ البنات ورديا وزيّ الأولاد أزرقاً. وأعطوا لكل واحد منّا نعالاً جديدا به رسومات كرتونية لنلبسه داخل مدرستنا ونترك أحذيتنا خارجاً. اتجهنا نحو باب المدرسة مثنى مثنى، يدا في يد، والعيون تلمع.

كان لون المدرسة أزرق من الخارج وعليها رسومات حروف وأرقام وطفل وطفلة مبتسمين يجلسان على كتاب، وكأنهما أنا وفاطمة بنت الجيران. خطوت أول خطوة في مدرستي وفقدت نفسي بين التفاصيل: إنه اللون الأخضر كما سمعت، ورسومات مختارة بعناية تملأ الجدران، وهناك طاولات دائرية وكراسي ملوّنة وسبّورة بيضاء عريضة وأخرى صغيرة على الركن. لقد أحضروا لنا جهاز التلفاز، ياللفرحة! إنه أحسن من الذي يوجد في بيت أحمد! حتى أرضية القسم لم ينسوها من تفاصيلهم الحلوة، وضعوا عليها رسما لعالم صغير فيه طرقات وبيوت وسيارات وحديقة. حتما لديهم أطفال! لأنهم لم ينسوا شيئا كنت بحاجة إليه وأرغب في أن يكون في مدرستي. لا وبل وجدت أكثر مما كنت أحلم به في ليالي انتظاري. إنّهم مثل الآباء.

كانت تدور حولي أحداث رسمية كثيرة، تصوير ومحادثات وشخصيات مهمّة ترتدي بذلات سوداء، ولكنّي لم أكن مهتما بما يدور من حولي،كان كل تركيزي مع قسمي الذي صار اليوم بيتي الثاني. كانت المدرسة مقسومة إلى قسمين وكان القسم الثاني لا يقلّ تفاصيلا واهتمامًا عن الأول. كان فيه ألعاب وكان لونه بنفسجي وكان فيه رسومات تزيّن الجدران والأرضية.

لقد جعلوا من بقعة أرض ميتة وباهتة وبائسة وتائهة ويائسة منبعا للحياة والألوان والفرح والرموز والأمل. إن تلك البقعة تمثلني وتمثل كل أطفال الجبل، فنحن نأخذ الكثير من أرضنا. جلست هادئا على مقعدي ولكّن المشاعر والتساؤلات تتضارب بداخلي مثل البركان الحائر، شعرت بمشاعر شكر وتقدير كبيرة لأعضاء الجمعية الذين جاؤوا من أجلنا وخصصوا لنا حيزًا من وقتهم واهتمامهم رغم كثرة مشاغلهم، ومشاعر قوّة وإثارة واندفاع نحو المستقبل المشرق، ومشاعر تردد وخوف من المجهول وإمكانية الفشل، هل أستطيع حقّا الطموح إلى مستقبل زاهر كما كنت أحلم دائما؟ هل سأنجح في استغلال هذه الفرصة التي قدمتها لي الجمعية؟ هل سأكون الجيل الذي تعبوا من أجل تطويره وتكوينه؟ هل لأطفال الجبل الحقٌ في الأحلام والآمال والأهداف والمستقبل؟

هذه كلها تسؤلات لا يمكنني أن أتظاهر بعدم وجودها ولكني لن أسمح لها بأن تعيقني في طريق ساعدني في سلكه مجموعة من الأبطال،ليس لدي خيار آخر غير أن أكون بطلاً  مثلهم.