القليل هو الأكثر..

464

المينيماليزم minimalism أو نمط العيش البسيط، ثقافة اجتاحت فئة كبيرة من الشباب في الآونة الأخيرة، عُرفت في البداية في عالم الفن ثم الديكور وتطورت إلى أن أصبحت أسلوب عيش يتبناه ويدعو له الكثيرون، مقالات كثيرة وفيديوهات بالجملة، ومجموعات أنشأت على مواقع التواصل الاجتماعي، وبرامج تلفزية تذاع للتشجيع على هذا النمط من العيش ومواكبة من يفكر في الانضمام له في أدق التفاصيل. ينبني هذا الفكر على مبدأ البساطة في الحياة والتقليل من الأشياء والعيش فقط بما هو مهم وضروري والاستغناء عن كل ما هو كمالي. ثقافة ظهرت بعد سنوات من الجري وراء الاستهلاك واقتناء المزيد بحثا عن السعادة، قبل الوصول إلى القناعة بكون استهلاك المزيد قد يكون من أسباب التعاسة.

إن بيوتنا ومطابخنا وخزاناتنا تعج بالأشياء التي لا نحتاجها، مئات قطع الملابس، أحذية لمر العصور والأزمان، أكوام من مستحضرات التجميل، مختلف أنواع الطعام، كثرة الأكواب والأطباق، عشرات الأجهزة الالكترونية، كم كبير من المنظفات التي تختلف مكوناتها ولكن دورها واحد، أفرشة وديكورات ولوحات، مصابيح لا تضاء وشموع لا تشتعل، كتب لا تقرأ ومجلات لا تتصفح، وأوراق كثيرة تحتل الأدراج… كل هذه الأشياء تملأ حيزا مكانيا كبيرا داخل المساحات المحدودة التي نعيش فيها، وتأخذ منا جهدا لترتيبها وتنظيفها وتخزينها، وتستنزف ميزانيتنا، بل وتشوش حتى على تفكيرنا وتجعلنا نعيش في فوضى حقيقية.

كثير منا يعتقد أنه كلما وفر لنفسه الكثير من الأشياء كلما تيسرت حياته وأصبح بمقدوره اختيار ما يريد في الوقت الذي يريد، في حين أن كثرة الاختيارات تجعل الحياة أكثر تعقيدا واتخاذ القرار أكثر صعوبة، فاختيار قطعة من بين خمس قطع سيكون أسهل بكثير من اختيارها من بين خمسين قطعة. فكم من الوقت والجهد يُهدر كل صباح لانتقاء ما تلبسه وسط الكم الكبير من الاختيارات، وتجرب هذه القطعة وتلك وهذا الحذاء ثم الآخر، لتعود وتختار نفس القميص الذي لبست قبل أيام وتنتعل نفس حذاء يوم أمس، وتحتسي قهوتك في كوبك المفضل، وترش العطر الذي تعودت عليه، وتجلس على الأريكة التي ترتاح فيها… إن كم القرارات التي نضطر لأخذها كل يوم وسط الكم الهائل من الخيارات، تستنزف منا جهدا لا يستهان به، ويولد ضمنيا ضغطا وتوترا يؤثران سلبا على اتخاذ القرارات المهمة في حياتنا.

إن هذه الظاهرة لا تقتصر على الأشياء فقط، ولكن نفس الأمر ينطبق على المهام التي نقوم بها، والأفكار التي تشغل بالنا، والعلاقات التي تربطنا، وحتى التطبيقات التي تملأ ذاكرة هواتفنا بما يصاحبها من تنبيهات، والملفات الرقمية التي التي تعج بها حواسيبنا، وكذلك الرسائل المقروءة أو غير المقروءة المخزنة ببريدنا الالكتروني. في كتابه Digital minimalism يدعو الكاتب كال نيوبارت إلى تطبيق مبدأ التبسيطية في المجال الرقمي بالتقليل من الأجهزة والتطبيقات والخدمات الرقمية والتركيز عند استعمال الأنترنيت على نشاطات محددة ذات قيمة مضافة عالية تخدم أهدافك وأولوياتك.

ذهلت في ذلك اليوم عندما قررت أن أعد الأشياء التي أملكها، فوجدت بخزانتي أزيد من خمسين قميصا للاستعمال اليومي، ناهيك عن الملابس المناسباتية، أنا التي أقوم بعملية جرد لخزانتي كل سنة، وأنحي منها كل ما لم أعد أحتاجه، وكنت أظنني محصنة بما فيه الكفاية من الوقوع في فخ الاستهلاكية والعروض البراقة… أحصيت من لعب الأطفال ما يزيد عن المائة، ومن كتبهم وقصصهم ما يزيد عن المائتين، علما أننا نحرص على ألا نحتفظ إلا بما يستعملونه حقا ويناسب عمرهم… جردت أزيد من ثلاثين قلما، ولو أنه عند حاجتنا للقلم، تجدنا نطوف بين الغرف ونجرب هذا وذاك حتى نقع على القلم المناسب… طقم قهوة لم يستعمل منذ أن أهدي لنا وبطاقات المشاركة في مؤتمر مضى عليه عقد من الزمن، وكراسات بيضاء تنتظر أن نخط عليها حرفا يوما ما.

لقد عشنا طفولتنا في عالم أقل توترا وضغطا، بفضل محدودية الأشياء التي كنا نتوفر عليها، من كتب ولعب وأدوات مدرسية، كما أن الخيارات في الأسواق كانت محدودة حتى أنك لا تحير كثيرا قبل اقتناء لعبة عاشوراء ولا تفكر كثيرا قبل اختيار ملابس العيد، القنوات التلفزية تعد على رؤوس الأصابع والبرامج لها أوقات محددة مما جعل حياتنا أكثر بساطة ومتعة في الآن نفسه، فالتوفر على القليل من الأشياء يجعلك تركز عليها وتستمتع بها بشكل أفضل.

إن الحياة السعيدة لا تعني بالضرورة توفير أشياء كثيرة، بل في كثير من الأحيان تكون الأشياء القليلة التي نملك كفيلة بتحقيق حياة سعيدة هنية، كما أن القيام بالعديد من المهام في الوقت نفسه ليس معيارا للنجاح بل إن التقليل من الأشياء والمهام والخيارات يجعلك تضبط حياتك بشكل افضل، فتتحرر من المؤثرات والمغريات الخارجية وتقتصر على ما تريده أنت وليس ما يريدونه لك. فالأسواق والمواقع الالكترونية مليئة بالمنتوجات الجميلة، ومن الطبيعي أن نعجب بها، ولكن ليس من الضروري أن نقتنيها، ولا أجد أكثر بلاغة من مقولة عمر بن الخطاب : “أو كلما اشتهيت اشتريت”، لتبنيها كقاعدة تربوية لنا ولأبنائنا لتربية النفس على التقليل من الاستهلاك.

نمط العيش البسيط يتقاطع بشكل كبير مع ما يدعو إليه الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كان يعيش البساطة في بيته وفراشه، في مجلسه ومركبه، في ثيابه وطعامه، كان يخيط ثوبه، ويصلح خفه… كان يتحرى البساطة حتى في حديثه فيفهمه الصغير والكبير. علمنا البساطة بعيدا عن الإهمال والتقشف، قال الله تعالى في سورة الأعراف:{يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}.

لكل أسبابه ودوافعه للتقليل من مشترياته، فهناك من يفضل توفير المال لإنفاقه في أمور أكثر أهمية، وهناك من يقلل مشترياته بدافع الحفاظ عن البيئة، وهناك من شغل باله بهم المحتاجين فيفضل التصدق بماله عوض صرفه في الكماليات، وهناك من يزهد في الدنيا تعبدا وتقربا من الله…
قد تتعدد الأسباب والدوافع، والأكيد أن البساطة والتقليل من الأشياء ستجعل حياتنا أفضل وأنقى…