المفهوم الشمولي للعلاج..

136

خلق الله الإنسان من مكونات ثلاثة، من جسد وعقل وروح، وجعل لكل منها تأثيرا على الآخر، وإهمال أي منها سيؤثر سلبا على صحة الإنسان بطريقة مباشرة وغير مباشرة، ولذلك فإن العلاج الصحيح يعامل الإنسان بشموليته ولا يتعامل مع المرض فقط.

بنى أجدادنا علم الطب قبل مئات السنين على هذا المفهوم، فها هو ابن سينا الذي لقبه الغربيون ب”أب الطب الحديث” ُيفصّل في العلاج الشمولي في كتابه (القانون في الطب) والذي ظل كمرجع رئيسي يدرّس في كليات الطب بأوروبا على مدى 500 عام؛ أما الذي حدث خلال القرن الماضي، فهو الفصل بين هذه العناصر عند تطبيب المريض، فأصبح الطبيب يطبب ويعالج الجسد فقط، لكن مع بداية التسيعنيات الميلادية بدأت الدراسات والأبحاث تثبت دور العقل والروح في تحقيق الشفاء والعلاج عند المريض، وتأثير كل مكون من مكونات الإنسان على الآخر، وهذا الذي يؤكد عليه الدكتور “شيلدون كوهن” أن التوتر والضغوط النفسية المزمنة تؤثر في فعالية هرمون الكورتيزول بالتحكم في ردود الفعل الالتهابية فتزداد الالتهابات في الجسم ككل وتظهر صور مختلفة من الأمراض من ضعف في المناعة وزيادة في الأمراض المُعدية وزيادة في الأمراض القلبية.


في دراسات حديثة منها دراسة من جامعة Tilburd بهولندا، أوضحت أن القلق النفسي يؤدي إلى زيادة الذبحات الصدرية والجلطات الدماغية وقصور عضلة القلب بل والوفاة للمرضى المصابين بأمراض القلب. وأثبت العلم كذلك أن الكثير من الأمراض الجسدية لها أضرار سلبية على نفسية المريض وعقله، فنقص بعض الفيتامينات كفيتامين “D3” يمكن ان يؤدي إلى الإصابة بالاكتئاب والتوتر والقلق، وكذلك نقص المنغانسيوم ونقص هرمون الغدة الدرقية بل إن النقص الحاد في فيتامين B12 يمكن ان يعطي أعراضا مشابهة للأمراض العقلية مثل انفصام الشخصية وأن 15% من مرضى السرطان المتقدم يعانون من الاكتئاب الحاد؛ أما العقل فإن تأثيره على الجسد والروح فإن حقيقته أصبحت لا جدال فيها، فتغذية الدماغ بصور إيجابية يؤدي إلى زيادة هرمون يسمى “الدوبامين” أو هرمون السعادة حيث إنه يؤثر إيجابيا على نفسية المريض ويجعله أكثر سعادة وبالتالي أكثر نشاطا وحيوية، والعكس صحيح؛ فالأفكار السلبية السوداوية المتشائمة تؤدي إلى آثار مضادة، ولذلك فإن العلاج الصحيح يستوجب الأخذ بالمكونات الثلاثة في التشخيص والعلاج، ومن واجب الطبيب كذلك في علاج المريض أن يسعى إلى تحقيق الاحتياجات الجسدية والعقلية والنفسية له، فيحترم عقله ويجعله جزءا شريكا في صنع قرارات العلاج ويلبي الاحتياج النفسي والعاطفي عند المريض لكي يكتمل العلاج الشمولي ويتم الشفاء بإذن الله.

لقد أرسى الإسلام معايير التوازن والاعتدال والوسطية في حياة المسلم وحقق مبدأ التوازن بين الجوانب الجسدية والعقلية والروحية، حيث يأخذ كل جانب حقه ولا يطغى جانب على حساب الآخر؛ وفيما يتعلق بالموازنة بين مطالب الجسد والروح، فقد قال سبحانه وتعالى: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك) وتجسيدا لهذا التوزان فقد أرسل الله الرسل والأنبياء وجعلهم بشرا فقال تعالى: (وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق)، وهل أرسل الرسل إلا ليقدموا لنا نموذج حياة؟

كل شيء في الكون موزون وخلق بقدر، والإنسان هو الوحيد الذي استخلفه الله في الأرض وجعل بين يديه الحرية والخيار.. الخيار بين أن يقيم الوزن بالقسط أو يُخسر الميزان. وإننا عندما نحقق التوازن في الأمور التي وُكّلت لنا فإننا سنرى خيرات ذلك في كل ما حولنا؛ فلنبدأ بتحقيق التوازن داخل الإنسان جسدا وعقلا وروحا والذي بيده لا بغيره نضمن ألا نطغى في الميزان.

عن سلسلة( ومحياي) للدكتور وليد فتيحي.

التدقيق اللغوي: آيت الله هيدور.