التربية…كنزنا المفقود!

193

وأنتما تستقبلان طفلكما الأول أو الثالث أو الخامس، لا يكون لكما هاجس يشغل عقلكما غير كيفية توفير كل شيء لهذا القادم الجديد، فمن الواجب استقباله بحفلة رائعة تقام في صالة فاخرة وتقدم فيها ألذ وأشهى أنواع الطعام، ثم توفير ملابس جميلة موسومة بأسماء ماركات عالمية، وغرفة مريحة تتوفر على كل ما جادت به التكنولوجيا على الإنسان ومزينة برسوم أحدث وأشهر أبطال أفلام الرسوم المتحركة. وبعد توفير كل هذه الأشياء سينتقل عقل كل أب وأم “مسؤولان” و”واعيان” إلى التخطيط لتعليم هذا القادم الجديد واختيار أحسن المدارس الخاصة وأغلاها ثمنا من أجل دراسته وتأمين مستقبله. كل هذه الأمور هي مقبولة إن لم تُغادر عتبة المعقول، وهي أمور لا يختلف اثنان عن مدى أهميتها في حياة كل طفل يأتي إلى الدنيا. فهو لن يحتاج لغير المأكل والملبس والمسكن والمدرسة، وهذا ما يوفره كل الآباء والأمهات الجيدون الذين يُدركون حجم مسؤولية رعاية طفل الملقاة على عاتقهم، ولكن في نظري هناك مسؤولية أكبر وأثقل وأكثر أهمية في حياة الطفل من كل ما سبق ذكره ولا تحتاج لكل تلك المصاريف الباهظة من أجل توفيرها، إنها التربية.

لستُ أُما ولست خبيرة في التربية، ولكن في كل مرة أرى فيها طفلا صغيرا، فإن عقلي لا ينشغل بشيء غير التربية التي يجب أن يتلقاها هذا الطفل البريء والمبادئ التي سيتم زرعها في هذه الأرض الخصبة الطيبة التي تحتاج ريا كافيا وعناية دقيقة حتى لا تُنبت شيئا قبيحا قد يُفسد النفس، وحتى ينمو فيها كل زهر جميل يقطف الوالدان أولا والمجتمع ثانيا ثمره، عندما يصبح هذا الطفل الصغير فردا صالحا بنّاءا في المجتمع، فردا واعيا بقيمته وقدره ومسؤولا عن نفسه وعن تصرفاته ومستعدا للبذل من أجل التغيير الذي ننشده جميعا. والذي لن يتأتى إن لم يتم إعداد جيل جديد قادر على تحمل المسؤولية، جيل مشبع بالقيم النبيلة والأخلاق الحميدة وقادر على التصدي لكل المغريات في سبيل احترام حقوقه وحقوق غيره، عوض أن يكون مشتتا وتائها كما هو حال معظمنا الآن.

التربية هي أهم شيء يجب التخطيط له مع مقدم كل ضيف صغير، نعم يجب توفير كل حاجياته المادية، ولكن قيمة هذه الحاجيات لن تبقى لصيقة به مدى الحياة كما هو الشأن بالنسبة للتربية، فالتربية التي سيتلاقاها هذا الطفل ستحدد شخصيته وطبعه، مبادئه وقيمه، وأيضا مدى صلاحه كفرد في المجتمع.

الإعتناء بطفل والتعامل معه وتلقينه كل شيء بطريقة سوية وصحيحة مناسبة لسنه ولتطور قدراته مع احترام طاقاته ورغباته ومشاعره الهشة ليس بالأمر الهين إطلاقا، وليس شيئا يتأتى بالصدفة ولا مجال فيه للخطأ. لذلك أعتقد أن على كل أبوين يخططان لاستقبال طفل الاستعداد الجيد لهذه المهمة الشاقة والنبيلة التي تتطلب الكثير من الصبر والكثير من الجهد والوقت. الأمر هنا لا يتعلق بالاستعداد المادي واقتناء الملابس والأسِرّة بلون يناسب جنس المولود، بل هو استعداد نفسي وعقلي وعاطفي، يهدف إلى تهيئة بيئة مناسبة تتسم بالتوازن والترابط الأسري وتحمل المسؤولية من قبل الطرفين تجاه هذه البيئة التي سيترعرع فيها الضيف القادم. فضيفنا هو صفحة بيضاء تحتاج لأن نكتب فوقها بعناية كبيرة ونرسم عليها بألوان تناسبها وتلائم مقاساتها حتى نحافظ عليها صافية وجميلة، هي ليست مسودة نجرب فيها نظرياتنا التي حملها لنا أجدادنا من العصور الوسطى ،وليست سلة سحرية نلقي فيها جميع عقدنا في انتظار أن تحولها لإنسان عبقري يعرف كل شيء ولا يُخطئ في شيء. ضيفنا هو إنسان ذكي جدا وله قدرات هائلة لتعلم الكثير ولمنح الكثير، ولكن تركيبته المعقدة تجعله يمتص كل الطاقات المحيطة به ويتأثر بكل شيء من حوله منذ وصوله إلى هذا العالم. كل كلمة طيبة وكل صرخة، كل عناق وكل صفعة، كل لحظة حب واهتمام وكل لحظة جفاء ولا مبالاة لها آثار كبيرة عليه وتُخلِّف فيه ما لا يمكن أن يخطر على بالنا، بل إنها تلعب دورا كبيرا جدا في تكوين شخصيته وتركيب نظرته لنفسه وللآخرين من حوله، وتشكيل عقده ونقط ضعفه ونقط قوته.

الأمر في نظري لا يحتمل التجريب ولا مجال فيه للخطأ، الأمر يحتاج إلى وعي مسبق بالمسؤولية ثم صبر، وقوة والتزام، وحب ورحمة، وتعقل وعمل متواصل من طرف الوالدين معا، وليس أحدهما فقط، وتعاونهما المستمر من أجل إنجاح هذا المشروع. ولَكَمْ هو عظيم مشروع بناء الإنسان، بناء صالحا إلزاما وليس تطوعا، فالإتيان بشخص بريء إلى هذا العالم المتهور ودفعه وحيدا إلى مواجهة حرب ضروس مع العالم بشقيه الرائع والمرعب كان خيار الأبوين، وتحضير هذا الكائن البريء وتسليحه بكل الأسلحة التي سيحتاجها في رحلته الخطرة يصبح واجبا عليهما، وفشل هذا المشروع ما هو إلا انعكاس لفشلهما في القيام بأسمى واجب تكلفا به عن طيب خاطر منهما.

إن ما نتخبط فيه حاليا من مشاكل في مجتمعنا وما نلاحظه من طيش وتيه يتسم به جيل صاعد مع تلاش القيم ما هو إلا نتيجة حتمية لغياب التربية، غيابها هذا كان راجعا بالأساس للجهل، جهل بقيمة هذا الفرد الجديد وحاجته الماسة للتنشئة الصحيحة، والتسابق على توفير الماديات والتغاضي عن كل ما سواها، فكانت النتيجة كارثية كما يمكن أن نلحظ في شوارعنا ومدارسنا. جيل شديد الذكاء وأتيحت له كل الفرص من أجل خلق التغيير، ولكنه للأسف غارق في وحل من التفاهات وتائه بين ثقافات وأفكار عدة لا يدري أيها يتبنى وأيها يناسب أفكاره، جيل يتصارع فيه الفراغ وحب الماديات، يتمنى أن يكون ناجحا على جميع الأصعدة ولكن لا صبر له ولا طاقة له من أجل العمل على هذا النجاح، لا يدري ما الإصرار وما الالتزام وما معنى المسؤولية وما معنى العمل بجد. جيل متعطش لأن يعيش تجارب قوية وكبيرة ولا صبر له للتحضير لها بالجهد الكثير وانتظار حلول وقت قطف ثمار هذا الجهد. بل إنه يحرق كل المراحل وكأنه في سباق مع الزمن ويركض نحو الفشل ركضا فيضيع عمره ويخسر كل فرصه ليجد نفسه عرضة لوحش الاكتئاب وغيره من الأمراض النفسية الفتاكة وهو لازال في ريعان شبابه، فيضيع لأنه لا يعلم لنفسه خلاصا فهو لا يملك من القيم ما يكفي ليتشبث بها وينجو من الغرق ولا يملك من القوة ما يلزم لينتصر على ضعفه ويقف من جديد ليواصل الحياة.

لا أنكر أن هناك استثناءات عدة، فهناك صغار ننبهر أمام قوة شخصيتهم وروعة أفكارهم وإبداعهم، وكل هذا لم يأت بمحض الصدفة، بل كان ثمرة طيبة لمجهودات عظيمة لأبوين مسؤولين وواعيين، ولكنها مجرد استثناءات قليلة. إذ يكفي أن نصغي للآباء وهم يشتكون مما آلت إليه الأمور مع أبنائهم، بعد أن فشلوا في تربيتهم وخرجت الأمور عن سيطرتهم وأصبحوا عاجزين عن إصلاح ما زرعوه بأنفسهم، حتى ندرك حجم الخسائر الناتجة عن انعدام التربية. ويكفي أيضا أن نلقي نظرة على مدارسنا وشوارعنا ومدننا ومرافقنا العمومية وما يميز مرتاديها من أنانية وانعدام احترام الغير لنلمس عن قرب هذا المشكل.

لقد أصبحنا في حاجة ماسة وعاجلة للتغيير، وكلنا نعِي ذلك ونجاهد من أجل خلق هذا التغيير المنشود، ولكنه لن يتأتى لنا إن لم نحسن الاستعداد له، فلا سبيل للحصول على مجتمع واعٍ ومثقف ومتحضر تُحترم فيه الحريات الفردية، والحقوق والواجبات ويتسم بالنظام وتحمل المسؤولية من طرف كافة أفراده كبارا وصغارا، إن لم نحسِن تنشئة هؤلاء الأفراد. التغيير يحتاج لأفراد أقوياء يستند عليهم ليَعلو بنيانه ويشتد أساسه، والقوة المقصودة هنا هي قوة الشخصية وقوة الفكر والعقل وقوة الأخلاق وليس القوة البدنية. إن واجب كل أب وأم قَرّرا الإتيان بضيف جديد إلى هذا العالم هو العمل بجد من أجل إعداد هذا الضيف ليكون فردا بناءا قويا شديدا في الحق والخير، عوضا عن التنافس الأعمى في إعداد نسخ ضائعة تائهة تبحث دون جدوى عن معنى للحياة ولا تعلم لماذا جيء بها إلى هذا العالم دون إِذْن منها.