“الذاكرة الكاذبة”

546

هل خطر يوما ببالك أن اضطرابا بسيطا في الذاكرة قد يدخلك السجن ويحكم عليك بالإعدام؟ أمر مخيف ومرعب أليس كذلك؟  لكنه حقيقي، إذا أردت أن تتعرف على كيفية حدوث هذا الأمر تابع معي مقال “الذاكرة الكاذبة من وجهة نظر علم  النفس”.

كي أضعك في السياق دعني أحكي لك قصة شاب  اسمه” مايس “، مايس هذا تم اتهامه في قضية اغتصاب فتاة، هذه الأخيرة شهدت في المحكمة أنها متأكدة أنه هو من اعتدى عليها، بينما أنكر هو في كل مراحل الدعوة وأقسم بأنه لم يراها من قبل، لكن لم يصدقه أحد وتم سجنه، بعد 21 سنة من مكوته في غياهب السجن وصل العلم الحديث إلى استخدام تحاليل الدي أن  أي (ADN ) التي شكلت قفزة نوعية في وسائل إثبات الجرائم، ليتبين أن “مايس”  كان صادقا ولم يكن هو المغتصب فتم إطلاق سراحه لكن بعض ضياع ثلث عمره بسبب شهادة المدعية، هذه المدعية لم تكن قد رأته من قبل إذن من الواضح أنها لم تكن تريد الانتقام أو تكذب، إذن على من يلقى الذنب بعد هذه الكارثة، هل على القضاء لأنه اعتمد فقط على شهادة دون اللجوء لأدلة موضوعية؟ أم نعذر ونقول المدعية خانتها ذاكرتها؟

إذا كانت خانتها الذاكرة فهذه ليست الحالة الوحيدة التي يذهب فيها شخص إلى السجن بسبب شهادة شاهد عيان، ففي سنة 2009 بفضل تحاليل DNA ظهرت براءة 300 سجين قضى كل واحد منهم من 10 إلى 30 سنة بل منهم من كان محكوما عليه بالإعدام وأنقذه  DNA في آخر لحظة، قرابة %80 منهم كانت قد صدرت في حقهم أحكام بالسجن والموت إعتمادا على أقوال شهود عيان -رجالا ونساء- أي إعتمادا على ذاكرة الشهود… لكنها بالطبع كانت ذكريات وهمية، وهذه الظاهرة يطلق عليها في  علم النفس” الذاكرة الكاذبة”، وهي موضوعنا اليوم.

إذن  كيف تحولت الذاكرة الحقيقية لشهود عاينوا الجرائم عن كثب إلى ذاكرة كاذبة تسببت في السجن لبريئين براءة الذئب من دم يوسف؟ وما هي العوامل المؤثرة في تشويه ذاكرتنا؟ ولماذا تلجأ ألبابنا إلى تغيير الذاكرة؟

تعتبر “إليزابث لوفتس” وصديقها “جون بالمر” المتخصصين في علم النفس الإدراكي من أبرز الباحثين في ظاهرة “تشوه الذاكرة”، حيث قاما بعدة تجارب بغية صبر أغوار قوة الذاكرة، في تجربة أولى سنة 1979 عرضوا على فريق من المتطوعين فيلما قصيرا لاصطدام سيارتين، بعد مشاهدة الفيديو قسموهم إلى مجموعتين، في المجموعة الأولى سألوا: كم كانت سرعة السيارتين عندما اصدمتا ببعضيهما وهل كان هناك زجاج مكسر في الأرض؟ بينما طرح على المجموعة الثانية: كم كانت سرعة السيارتين عندما حطمتا بعضيهما وهل كان هناك زجاج مكسر في الأرض؟

نلاحظ أن السؤال هو نفسه مع تغيير كلمة اصطدام بكلمة أكثر عنفا منها وهي”تحطم” جاءت النتائج الأولية تشير إلى أن المتطوعين الذين استُخدمت معهم الكلمة الأكثر عنفا “تحطم” قالوا إن السيارتين اصطدمتا بسرعة حوالي 65 كم/ساعة أو أعلى وأكدوا أنهم رأوا زجاجا  متناثرا من السيارات في الأرض مع أنه في الحقيقة لم يحصل تطاير زجاج في  الفيديو الذي شاهدوه، بينما قال المتطوعون الذي استخدمت معهم الكلمة الأقل عنفا ” اصطدام ” أن السيارتين اصطدمتا بسرعة حوالي 45 كم/ساعة و أن الزجاج  لم يكن… و من هذا نخلص إلى أن طريقة صياغة الأسئلة بشكل ما قدمت معلومات  مضللة للأشخاص عن الحادث فأثر ذلك على إدراكهم له، وبالتالي على ذكرياتهم  عنه وجعلهم يتذكرون أشياء لم تقع بالأساس.

مقالات مرتبطة

اختيار ناضج

تعلم أن تقول لا!

بعد ثبوت إمكانية تشويه الذكريات خطى الباحثون خطوة أخرى إلى إثبات إمكانية زرع  ذكريات كاملة  لم تحدث قط، ففي دراسة عمدت “إليزابيث لوفتوس” وفريقها إلى تكوين ذكرى زائفة داخل ذهن طفل في الرابعة عشرة من عمره يدعى “كريس”، حيث  طلبت لوفتوس من “جيم” الأخ الأكبر لكريس أن يخبره كذبا أنه قد ضل الطريق داخل مركز للتسوق عندما كان في الخامسة من عمره، وذلك عندما كان يختبئ و هو يلعب أحد الألعاب… ومن أجل تعزيز مصداقية الحدث عرضت إليزابيث هذا  الحدث الزائف على “كريس” في حكاية مع ثلاث أحداث أخرى وقعت بالفعل، وطلبت من “كريس” أن يكتب  ما يتذكره عن الحادثة فلم يستطع  تذكر شيئ لكن بعد  أسبوعين تمكن من كتابة سيناريو عن الحدث وكيف أنه كان خائفا ويبكي عندما  ضاع لولا الرجل الطيب ذو النظارة الذي أعاده لعائلته، وعندما سئلت والدة  كريس عن الحدث أكدت أن هذا لم يحدث أبدا وأن “كريس” لم يسبق له أن ضاع.

إذن فذاكرتنا ليست معرضة للتشويه فقط بل قد تخلق لنا أحداث جديدة لم تقع أبدا ونظنها حدثت فعلا وذلك من خلال الاقتراح من طرف  شخص نثق فيه، مثلا و كما يحدث معنا كلنا تصرخ أمك في وجهك عندما يتوقف هاتفها عن العمل وتقول لك :  منذ أسبوعين طلبت منك أن تضبط الوقت وها هو عاطل الآن ( تحياتي الأم  المغربية الرائعة) في البداية أنت ستنكر لأنك لم تفعل، لكن إذا قال لك والدك -وهو شخص تثق أنت به- بأنك وأنت  تضبط الساعة أوقعت الهاتف من يدك وربما يكون هذا هو السبب في أنه لا يشتغل الآن وأكدت أختك الأمر أيضاً (يعني تآمروا عليك، أنت لم تفعل شيئا أنا أصدقك) ستبدأ شيئا فشيئا تصدق وتكون سيناريو عن الموضوع بل وتعترف بأنك أوقعت الهاتف رغم أن هذا لم يحصل  أبدا… نفس الشيء الذي وقع لك هو ما يقع للمتهمين بالمحاكم بعد أن يسمعوا كل الأدلة الملفقة لهم، فيبدؤون بتصديقها ونسج سيناريوهات عن الجريمة بل ويشعرون بالذنب ومن ثم يعترفون بما لم يفعلوه أصلا.

في دراسة أخيرة متعلقة بحادثة تحطم مكوك الفضاء بعد ساعة من إقلاعه سألوا طالبا جامعيا  بعد 24 ساعة من الحادث أين كان وكيف تصرف عندما سمع بالحادث، ثم أعادوا عليه نفس السؤال بعد مرور سنتين على الحادث، ومن خلال مقارنة ما أدلى به في المقابلتين اتضح أن هناك تناقضات صارخة حول ما تذكره عن نفس الحادثة، ليس هذا الطالب فحسب بل  ثلث الطلاب المستجوبين أدلوا بتصريحات تضمنت هي الأخرى اختلافات  عظمى  بين النقطتين الزمنيتين، إذن فكلما طالت  المدة بين الحدث وسؤالنا عنه كلما تأثرت ذاكرتنا بالأحداث التي تلته مما يؤدي إلى ذاكرة كاذبة ومنه فإن الذاكرة ليست ثابتة ومتعلقة بالماضي، إذ أن كل حدث يقع بالمستقبل يؤثر على ذاكرتنا حول الأحداث الماضية.

أكاد  أسمع بعضا منكم يقول: أنا ذاكرتي قوية وأتذكر أدق التفاصيل، أنا أيضا يا  صديقي ذاكرتي قوية و سأجيبك من جريدة PNAS و هي جريدة معتمدة و جاء فيها  بأن الأشخاص الفائقي التذكر -مثلي ومثلك- معرضين لحدوث ذاكرة كاذبة أكثر من الناس العاديين وذلك نظرا للكمية الكبيرة من المعلومات التي يخزنونها.

الخلاصة من كل هذه الأبحاث و التي يجمع عليها علماء النفس حاليا هي أن الذاكرة ليست توالدية – بمعنى أنها لا تنتج صورة طبق الأصل لما عايشناه- ولا تعمل مثل كاميرا فيديو، بل الذاكرة ” متجددة ” إذ أن ما تسترجعه أذهاننا هو مزيج مشوش من الذكريات الدقيقة إضافة إلى ما يتوافق مع معتقداتنا واحتياجاتنا الحالية، ومشاعرنا وهواجسنا، هذه الهواجس مبنية بالأساس على معرفتنا  بذواتنا وعلى الأحداث التي نحاول أن نسترجعها و على الأحداث التي جاءت بعد الحدث المراد تذكره وعلى الأحداث المماثلة، وكما قال فرويد فالذاكرة تلجأ إلى تغيير الحقائق عن الطفولة أو الماضي تفاديا للصدمة حيث عندما يتعرض طفل للاغتصاب قد يتم تشويه الحدث إلى تعرض للضرب وعندما يتذكر يستحضر الضرب بدل الاغتصاب وذلك لحمايته من الصدمة وعدم التأثير عليه.

هذه الحقيقة حول الذاكرة تثير القلق بصورة كبيرة لأن أعضاء هيئة المحلفين يميلون إلى وضع ثقل كبير على ثقة الشهود العيان لتقرير الحكم، لكن كما  تبين لنا فالعلاقة بين الثقة التي يدلي بها شهود العيان بشهاداتهم ودقة ما يتذكرونه هي علاقة جد ضعيفة أو غير موجودة بالأساس حتى لم تحدثوا بإحساس ومشاعر جياشة عن الحادث، وبالتالي فالاعتماد على الشهود فقط دون دلائل مادية هو ضرب من الخيال وظلم للمعتقلين كما حدث مع مايس (تتذكرونه طبعا)  الذي ظلم بسبب ذاكرة كاذبة.

ختاما هذا لا يعني أن  الذاكرة كلها كاذبة، ولكن يجب أن نكون حذرين في التعامل معها خاصة في أمور لها علاقة بالقضاء لأن هذا قد يودي بحياة شخص مظلوم، وعندما نقول ذاكرة كاذبة فهذا ليس له علاقة بضعف الذاكرة عندما ينسى الناس أحداثا ومواقف حصلت لا، في الذاكرة الكاذبة أنت تتذكر كل شيء وليس هناك حلقات  ناقصة ولكن ما تتذكره قد يكون تأثر بما حدث في المستقبل وبطريقة صياغة السؤال، وبالتالي كل لديه ذكريات مغلوطة.