مع كتابة العقل والقلب…

161

الكتابة في نظر كل واحد منا تلبس ألبسة مختلفة وتأخذ من القراءات ما يأخذه كل معنى من معاني الأفكار، وما يتفرع عنها من حمولة فكرية ومعرفية وعلمية إلا أن هذا لا يجعلنا نختلف كون الكتابة وسيلة لبلوغ غاية محددة تحمل مضامين ذات طابع خاص وطرق متعددة لإيصال الرسالة بمحتواها وقيمتها سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، وذلك ضمن قوالب مختلف تكمن في التعبير والحكي  والسرد وهي كتابات تخضع لضوابط قائمة على قواعد مفاهيمية ولغوية وموضوعية ونصية.

لم تتصف الكتابة أبدا بالعدم أو بأشياء اعتباطية ولم تكن ولادتها ولادة عبثية بل كان لارتباطها بمفهوم القيمة والأهمية منذ العصور القديمة إلى غاية العصر الذي نحن بصدد طرح هذا الموضوع فيه رباط وثيق وقوي، ويتجلى الإحساس بهذه الأهمية بالدرجة الأولى في قيمة الكتابة ودورها في التواصل البناء وفي الحاجة الملحة للذات لتتنفس النقاء الروحي والارتقاء العقلي من أجل التعلم واكتساب أدوار تجعل منا أشخاصا يمتلكون آليات قادرة على المساهمة  والدعم والمساعدة في بلورة فكر معين ومعرفة معينة وعلم معين، حيث تتشكل من خلال اجتماع  هذه الآليات قوة ترتقي بالمجموعة ككل إلى التكامل من أجل ولادة مخاضها الأول والأخير شيء إسمه الكتابة.

حديثنا عن ولادة كل نص أو موضوع أو شكل من أشكال الكتابة يجعلنا نقول أنه الحديث نفسه عن ولادة الكائن البشري باعتباره النموذج الحقيقي الذي ساهم في خلق كيان الكتابة اعتمادا على الواقع المادي والديني بدون الخوض في الأساسيات الدينية من خلال كل الكتب السماوية، كما اتخذت الكتابة مع  الكائن البشري عبر تطور وعيه ما يتخذه النور من أجل تنوير الأشياء المظلمة والمعتمة وأصبحت بالنسبة له تاريخا وثقافة وهوية ولغة ومفهوما منظما وإبداعا في الشكل والمضمون، هذا ما يخلق لنا عبر هذا  المسار النوراني أسماء بارزة في الكتابة والشعر والفلسفة والعلم، بحيث تصبح الكتابة بمساهماتهم  فكر وتفكر ووسيلة ونتيجة تلخص لحقيقة معينة يحملها الايغوا الإنساني على واقعة معينة أو لحظة عابرة أو سرد معين وتجربة معينة من أجل اكتمال آلية التواصل والوصول إلى فهم الرسالة التواصلية.

 

ومن خلال هذه التجارب ذاتها يمكن القول كقراءة بسيطة قابلة لتأخذ عدة قراءات، أن داخل كل الذوات البشرية “كتاب” ينقسم بين ما هو عقلي وقلبي وبصفحات بيضاء وأخرى مملوءة تتعرض بدورها  للتأثر والتأثير كلما بحثنا كذوات في الأشياء التي تأخذ بعدا ماديا، بحيث تجعلنا نخوض تجربة الكتابة  بالتدبر والتفكر والبحث والاكتشاف لأن ببساطة عند الإنسان جوهر الإحساس بما حوله، مما يولد عنده وسيلة التعبير على أساس ما يتوافق تعلماته وتكلفاته وكفاءاته آنطلاقا طبعا من أصل الوعي الوجودي والكوني، وكل من يعتقد أن الكتابة تغطية لفراغ ما فإنه في آعتقاده هذا نبذ لوجود الذاتي للكتابة لأن في تمعننا في الواقع الذي أنجبته لنا عبر العصور ودلالاتها المختلفة يؤكد أنه مجال لم يأتي من فراغ، وإنما من كتاب يسكننا له أقسام  وفروع يحتمل عدة وجوه وقراءات في محاكاته للواقع المادي…

وكوقفة تأمل في كياننا الفكري والمعرفي والعلمي يمكن أن نذهب بعيدا جدا ونحن نتحدث عن الكتابة لنقول أنها الروح التي تبحث دائما عن حقيقة معينة، وهي الجدال الذي يتطاول على مجادلة العقل في جميع تدخلاته وتأملاته الشيء الذي يجعلنا نقر على أن في إقبارها إقبار لجزء كبير منا.