البلاغ الثّاني.. عقاب الأرض

122

لحظة تطأُ قدماكَ محطَّةَ القطاراتِ أو المطار، يعتريكَ شعورٌ كاملٌ بفقدانِ ملامحِكَ.
المنفعة ليسَتْ بالمدينةِ المُتَّجَه إليها، وليسَتْ فيك، هي ربّما بما تجنيهِ منْ وجهتِكَ، أو بالسَّفرِ بحدِّ ذاته.

مِنْ يوم كُتِبَ لي السَّفرُ وأنا أسيرُ وأهاجرُ، ربّما لا يكونُ الفعلُ  مناسباً هنا، ففعل “أُهَجَّرُ” يبدو أصحّ بلاغةً وبياناً وقدَراً.

لا أدري إنْ كانتْ هي لعنة الخطوةِ الأولى الّتي تجرُّ وراءَها كلّ دولةٍ  ومدينةٍ، أم أنَّها مسيرة البحثِ عنْ هاويةٍ تودي بكَ وبقدميكَ إلى مكانٍ  لنْ تتجاوزهُ بعدها.

هلْ أصبحَ الطَّيرُ معتاداً على الهروبِ خارج حدودِ السَّماء، أمْ أنَّ  السَّماء هي مَنْ لَمْ تعدْ تتَّسعُ لمسارِ الطّيورِ، وهلْ نحنُ طيور؟

حينَ تُعِدُّ أمتعتكَ وتذهبُ لموعدكَ، تدركُ أنَّكَ في الواقعِ تُعِدُّ حقيبةً أخرى لروحِكَ داخل المنزل.
إنَّكَ تجمعُ كلَّ ما فيكَ فيها، وتمضي دونها، تفتحُ بابَ البيتِ، ترتدي  زيّاً جديداً، ووجهَ رحّالةٍ، وعيونَ مصوِّرٍ، وأقدامَ رياضيٍّ، وأذنيّ  موسيقيٍّ، ولسانَ شاعرٍ.

ليسَ بالضَّرورةِ أنْ يكونَ مبتغى الرّحلةِ مكاناً جميلاً، أو أناساً بعيدينَ عنْ ماهيِّتكَ؛ ليمحوا عنكَ أناك.
الواقع هو… أنتَ مَنْ سيحاولُ النِّسيانَ، ولكنْ ليسَ لمدَّةٍ طويلةٍ، فسعادة الرّحلةِ دائماً ما تكونُ مؤقَّتةً، ربّما أبلغها -ككلِّ الأشياءِ- يكمنُ في بدايتِها.
لمْ أعاصرْ رحلةً أبعدتْني عنْ نفسي أكثر منْ يومينْ، في الحقيقةِ لمْ أعدْ  أحبُّ السَّفرَ لأوقاتٍ طويلةٍ، بعد أنْ خبرتُ أنَّ وهمَ السَّعادةِ يكونُ في السَّفرِ لمرَّاتِ عدَّةٍ، فالغالب هنا الكميّة لا النّوع.

لا أفضِّلُ حقّاً الانعزالَ عنِ الواقعِ، كما أنّني منْ كارهي الأرواحِ  المشوَّهةِ، لا أستهوي الحديثَ عنِ الحبِّ ولا عنِ السَّعادةِ ولا الحياةِ ولا الموتِ ولا اللّقاءِ ولا القربِ ولا الوجودِ.
لو جيزَ لي أنْ أغيّر مقولةً، سأقول: إنَّ فاقدَ الشَّيءِ لا يتكلَّمُ عنه.
إنْ كانَتْ مشكلاتُنا بكلِّ أسرارِ وجودِنا في الحياةِ، فنحنُ حتماً لسنا معنيّينَ بالحديثِ عمّا نتمتَّعُ بهِ فيها، إنّنا معنيّونَ بأنْ نطالبَ بها أوّلاً، فليسَ هناكَ منْ قيمةٍ للحديثِ عنِ البذخِ والتّرفِ، ونحنُ نمكثُ في القاعِ.

في ملحمةِ الرَّحيلِ والعودةِ هذه نملكُ هدفاً واحداً، هو أنّنا نتبادلُ دورَ الأطبّاءِ والمرضى، هذا الشّيء الّذي تعلَّمناهُ جيّداً حينَ تشابهَتْ  مجمل حوائجنا، فحينَ تسمعُ غيركَ تبدو حكيماً، وحينَ تتكلَّمُ تصبحُ أنتَ  موضعَ الخللِ.

النَّاسُ اعتادَتْ شكلَ الحواراتِ المتبادلة، الخوف كلّ الخوفِ أنْ نملكَ  المناعةَ يوماً ضدّ الحديثِ أو النّصح، حينها سنغدو حتماً شعباً بهيئةٍ واحدةٍ، إمّا عقلاء أو مجانين.

وما سيحدِّدُ هويّتكَ فيما بعد، عندما تعودُ مغلقاً الباب على نفسِكَ، تجدُ  أنَّ كلّ ما في المنزلِ موضعٌ لحكايةٍ سابقةٍ، ضجّة عارمة تحياها في سكونِكَ، كلّ شيء منْ حولكَ يتكلَّمُ… يقاتلُ… يعاتبُ ويصرخ، الأفكارُ  والأوهامُ والأحلامُ تبيتُ بقربِكُ، ما مِنْ شيءٍ حولكَ ليس له لسان، في المقابلِ تجدُ أنَّ ما مِنْ شيءٍ حولك له روحٌ وحسٌّ.

مقالات مرتبطة

اختيار ناضج

تعلم أن تقول لا!

هذا إرثُ الأرضِ الّتي نشأنا عليها…
إنّها لا تمنحنا إلّا الخوف والإحباط والتّشاؤم، أرضٌ تُشعرنا أنّنا على أتمِّ الاستعدادِ لكي نغادرَها كارهين كلّ ما عشناه بها، باحثين عنْ ديارٍ أخرى تحتوينا.

ويوم يصبحُ لدينا مساحةً للمقارنةِ يزيدُ حقدُنا عليها، نعلمُ مقدارَ ما خسرناهُ نتيجةَ تواجدنا كلّ تلك السّنين على بقعةِ الأرضِ الظَّالمة تلك، نجمعُ قوانا لكي نثورَ على ماضينا وننسى، ولكنْ… لا نحن مقبلينَ على  الاستمتاعِ بتحقيقِ ما تمنّينا بها بمكان ليس فيها، وليس فيها ما يدعو  لدنوِّ الأمل.
كلّ ما في الأمرِ أنّ هذه البلاد هي سبب البقاءِ ودافع الرّحيلِ، أصل المشكلةِ وحلّها، عائق الأملِ وسبيله أيضاً… شيءٌ يُسمّى بلعنةِ الأرض.

المتلازمة الّتي تقسمُ سكّانَ هذه البلادِ إلى عالقينَ فيها ومُعَلَّقينَ بها، وكلّ منهم يحسدُ الآخرَ على قدرِه، إلّا أنّنا ربّما لنْ نعرفَ الرَّاحةَ بها ولا خارجها، الفرق الوحيد يكمنُ في نسبةِ الرّفاهيّةِ الّتي نملكُها في معايشةِ بؤسِنا.
إنّنا نشتركُ بطبيعةِ المصيرِ، ونختلفُ بطريقةِ ملاقاتِهِ!

ومع ذلك ليس شرطاً أنْ يكونَ كلّ هذا دليلاً على حبِّ المرءِ لأرضِهِ وارتباطِهِ بها، ربّما يكونُ دليلاً على قدرةِ إحداثيّاتِ الإنسانِ في أنْ تقيِّدَ مشاعرَهُ، وتحدِّدَ صفاته ومزاجه، وترسمَ مصيرَه.

هذا حكمُ الجغرافيا علينا…

إنّ المدن كلّ المدن لمْ تعدْ تثيرُ اهتمامي، أجدُها متشابهةً لأبعدِ حدٍّ،  مهما طالَتْ رحلتي بها أو قصرتْ لا تغيّرُ شيئاً في انطباعي عنها، فما  مررْتُ بمدينةٍ وما سكنْتُ مدينةً ترَكَتْ فيّ أثراً ولا أنا فعلتْ.

منذ ثماني سنين وأنا أشعرُ أنَّ إحداثيّات المكانِ هي الّتي تتغيَّرُ فقط، كلّ الوجوه الّتي لمحتُها في مسيري كانَتْ بغيرِ ملامِح، وكذا الأماكن كانَتْ كلّها عبارةً عنْ شجرٍ وحجرٍ وشوارع ووسائط نقلٍ ومياه… كلّها  صارَتْ في عينيَّ لوحات رماديّة خضراء.

إنّني أفتقرُ إلى الدّهشةِ في استقبالِ كلّ جديد، مُطفَأ الشّعورِ، هادئٌ  لدرجةِ المللِ، وما مِنْ مكانٍ عرفَ كيفَ يُعيدني طفلاً صغيراً، يفرحُ لرؤيةِ فراشةٍ، ويجنُّ يوم يرى شاطئ البحرِ.

يقتصرُ تقييمي اليوم على ظواهرِ المدنِ فقط، إنّني أصفُها بالجمالِ مثلاً  بناءً على توفّرِ المنازلِ بها، سعةِ شوارعِها، أوقاتِ القطاراتِ والباصات، المسافة الّتي يبعدُها أقرب مركزٍ للتّسوّقِ عن منزلي، وما إلى ذلك.

والمشكلة أنّ أوروبا رسَّختْ لديَّ هذا الشّعور، تشعرُ هنا أنَّ البلاد مجرّد أشياء تمتلكُ تاريخَ صلاحيّةٍ، نبدّلُها وقت ما نشاء باحثينَ عنْ  خيارٍ أفضل.

ربّما الذّكريات وحدها الّتي تُعطي المكانَ أهميّتَهُ بغضِّ النَّظرِ عنْ  تصنيفِهِ وفقاً لمعاييرِ الجمالِ البسيطةِ، فإنَّ أحبّ الأماكنِ إليَّ، الأماكن الّتي يسكنُها مَنْ أحبّ.

إنّني لَمْ أعرفْ جميعَ نساءِ أوروبا -كما قالَ نزار- ولا مدنها، ولَنْ ولا أريدُ أيضاً، ولا السّند ولا الهند، لكنّني مقتنعٌ أنّني أفتقدُ إلى مَنْ كانوا على تلكَ الأرضِ وليس إليها، وأنّني بكلِّ بساطةٍ لا أبحثُ عنْ بلادٍ جديدةٍ أسكنُ عليها، بلْ عنْ محيطٍ أنتمي إليهِ.

كما أنّني مُصابٌ بفرطِ التّوحّدِ واللّاانتماء، أُعاني غربةً ثلاثيّةَ الأبعادِ، وأخشى أنْ تصنعَ منّي أوروبا إنساناً يحملُ مسطرةً للقياسِ في كلِّ الأوقات، ويومَ أعودُ للمكانِ الّذي ألفتهُ وألفني -إنْ حالَفني الحظّ وقُدِّرَ لي ذلك يوماً ما- أجدهُ غير مطابقٍ لمعاييرِ العيشِ، وأُفضِّلُ حينها المنطقَ على شعوري، وأبغضُ المكانَ الّذي جعلَني أكتبُ كلّ كلامي هذا، ليصبحَ بعدها عندي واجباً لا مفرّ منه، أقضيهِ بزيارةٍ قصيرةٍ كلّ عامٍ أو عامين.