الكتابة ووسائط الاتصال الجديدة

96

لا شك أن أول سؤال يتبادر إلى ذهننا هو ما الذي يميز هذه الوسائط التي تنعت بـ«الجديدة» عما غدا يوصف بالوسائط التقليدية؟ نعلم أن الوسائط التقليدية «ذات الاتجاه الوحيد»، مثل المذياع والتلفاز والصحف، هي وسائط تحقق تواصلا ممركزا، يصدر عن منبع ويتوجه صوب جمهور، أما الوسائط «ذات الفعالية المتبادلة»، شأن الهاتف، الذي مكن لأول مرة من«المواجهة عن بعد»، أو الانترنت الذي يوفر تواصلا متبادلا مباشرا، ويتيح للمؤسسات والأفراد أن يتفاعلوا فيما بينهم في الزمن الفعلي، فهي لا تحتاج إلى هذا التمركز، وهي لا تصدر من منبع بعينه، فتتوجه نحو متلقين مرصودين.

تتناسب الوسائط التقليدية مع مفاهيم الدعوات الأيديولوجية ونشر الأفكار. أما الجديدة، فبما أنها تقوم على مفهوم التبادل، فهي تتيح للأفراد، لا  تَلَقِي الأفكار وتشرّب الآراء، وإنما إبداعها، أو على الأقل المساهمة في ذلك الإبداع. بعبارة أخرى، إن كانت الوسائط التقليدية تسهم في صناعة الرأي العام، فإن الوسائط الجديدة تعطي السبق للخاص على العام، للفرد على الجماعة، ولتداول الآراء بدل تلقيها. إنها تكون، مبدئيا، في خدمة خطاب العقل أكثر مما هي في خدمة خطاب الرأي. صحيح أنه ليس العقل النقدي، وهو أقرب إلى عقل قولبه الكومبيوتر كما سنتبين، وصحيح أيضا أن الأفراد ليسوا جميعهم مؤهلين للإسهام في عملية التبادل بشكل متكافئ، إلا أن لكل واحد منهم، إن لم يكن فرصة الإبداع، فعلى الأقل مجال الاستنكار والتحفّظ، أو خلق الحماس، والمساهمة في النشر…

ستعمل تقنيات التواصل الجديدة هذه على تكريس علاقة جديدة بين الفرد وبين نفسه، بينه وبين الزمن، بينه وبين اللغة، لكن أيضاً بينه وبين الآخرين. هذا ما جعل البعض يمتنع عن وصف ما يتولد من علائق عبر المواقع التي يقال عنها إنها مواقع «اجتماعية»، بأنها بالفعل علائق اجتماعية، وبالأحرى أن تكون روابط وصداقات. فالفضاء الرقمي فضاء تواصل شبكي، وهو ككل الشبكات نسيج، إلا أنه نسيج مبعثر، أو على الأقل كثير الخيوط متشعبُها. يعود هذا لطبيعته، وبالأخص لانفتاحه اللامتناهي.

ما يهمّنا هنا بطبيعة الحال هو معرفة كيف ينسج هذا الفضاء علاقته مع الكتابة؟

بصدد هذه النقطة نلحظ أن الكتابة والنشر عبر الوسائط الحديثة يُلحقان تغيرات عميقة على الكتابة، ويعطيان للمكتوب خصائص لم يكن له عهد بها من قبل. ذلك أن تقنيات الكتابة تُرسّخ عوائد وتشرّع قواعد. إنها تغيّر طرق الكتابة وأساليبها، لكنها قد تطبع أيضا تصرف الكاتب وتحدّد سلوكه.

حتى قبل استعمال الحاسوب أداةً للكتابة نعرف أن رولان بارط كان قد تحدث عن علاقته بآلة الكتابة وما ترتّب عن استعمالها من أثر على النصّ وعلى أسلوب كتابته. عندما ظهرت «آلة الكتابة» تبيّن أنها تتنافى مع إمكانيات كان يسمح بها قلم الرصاص، بل قلم الحبر نفسه من تحوير وخدش وحذف. ولا يخفى ما كان لذلك من أثر على الكتابة لا شكلا ومبنى فحسب، بل مضمونا ومعنى كذلك. نعرف ما قيل عن تأثير آلة الطباعة على الكتابة عند نيتشه. فقد كان أحد أصدقائه من الموسيقيين لاحظ ما أحدثه استعمال الآلة من تغيّر في أسلوب كتابته مسجِّلا أن نثره الذي كان مقتضباً ازداد إيجازاً، وأن الأداة الجديدة جعلت من لغته لغة جديدة. «معك حق»، رد نيتشه «أدوات كتابتنا تسهم في تفتح أفكارنا». مع استخدام الآلة الكاتبة تغيّر أسلوب نيتشه فازدادت شذراته قصرا، مثلما ازدادت معانيه تكثيفا وربما عمقا.

لا شك أن الأمر أصبح أبعد أثرا عند ظهور الحاسوب. فقد تبيّن أن هذا الجهاز ليس مجرد آلة جديدة لكتابة النص وخطه ونشره فحسب، وإنما هو أداة مضمونة لحفظه وتعديله وضمّه إلى نصوص أخرى و«إلصاقه» بها. إلا أن هذه الإمكانيات التي تتمتع بها هذه الأداة الجديدة لم تكتف بتغيير الكتابة شكلا ومضمونا هذه المرة، وإنما فتحت الأبواب لأخلاقيات جديدة في الكتابة. هذا ما أخذنا نلحظه عند كتّاب اعتدنا قراءة نصوصهم عندما كانوا يخطونها بأيديهم قبل أن يسلموها المطبعة، وأصبحنا نقرأ على الشبكة ما يكتبونه هم أنفسهم مباشرة على الكمبيوتر الذي يساعدهم على التذكّر والربط بين الأفكار، واستدراك ما فات والتنبيه إلى الهفوات، بل يسهم معهم في التأليف بأن يسهل عليهم الاقتباس عن غيرهم، وحتى عن أنفسهم.

لا ريب أن من شأن هذه العادات الجديدة أن تنعكس على أسلوب الكتابة وشكلها، إلا أن الأهم هو أنها صارت تنعكس، فضلا عن ذلك، حتى على أخلاقياتها. لذا صار الكاتب يسمح لنفسه اليوم، حتى إن لم يستعمل الكمبيوتر أداةً للكتابة، أن يكرر ما سبق أن كتبه، وأن يكثر من «الاقتباس الذاتي». بل إن من الكتّاب من أصبح يخلط، شعورا منه أو من غير شعور، بين أقواله هو وأقوال غيره، فيهمل الضوابط التي تتقيد بها الكتابة «الخطية»، تلك الضوابط التي كان الخروج عنها يعتبر إلى وقت قريب ابتعادا عن «الأمانة العلمية»، بل خرقا لقواعد الأخلاق.

لكن ما هي السمات الأساسية التي يمكننا أن نقول إن وسائط الاتصال الحديثة جعلت الكتابة تتميز بها؟

أمر مؤكد أن استعمالنا للكمبيتور أداةً للكتابة والقراءة أخذ يرسّخ فينا عادات جديدة ما كان لنا بها عهد، بل إننا نستطيع أن نذهب حتى القول إنه أدخل تغييرا جوهريا على عملياتنا الذهنية إلى حدّ أنه لم يعد بإمكاننا أن نفهمها وفقا للنموذج الذي سنته النظريات التقليدية للمعرفة، تلك النظريات التي تنظر إلى تلك العمليات على أنها أفعال «سيكلوجية» بالأساس.

إن اللجوء إلى معالجة النصوص الالكترونية، واستعمال محركات البحث عادات مستحدثة، إلا أنها ما فتئت تترسخ في السلوكات واللغة المتداولة إلى حدّ أن أفعالنا الذهنية أخذت تبدو، أكثر فأكثر، كأنها عمليات لا يمكن أن تتمّ من غير سند الكمبيوتر. لقد تمكّن الرّقمي من تحويل المعطيات إلى لغة هي بطبيعتها، ومن حيث إنها أداة تواصل، جماعية في جوهرها. وإن نتائج هذه البرمجة تقتضي منا فهما جديدا للمعارف التي لم يعد بالإمكان اعتبار إنتاجها لحظة متميزة عن باقي الفعاليات البشرية الأخرى. إن الطابع التّبادلي للشبكات الرقمية يعطي لمستخدمي التكنولوجيات الجديدة مكانة لم يكونوا ليرقوا إليها فيما قبل، إذ لم يعد بإمكانهم أن يمكثوا سلبيين أمام المعلومة، ماداموا لا ينفكّون عن جردها، وبالتّالي عن تصنيفها وترتيبها. على هذا النحو فان تكنولوجيات الاتصال أصبحت تتفاعل بشكل متبادل مع عملية بناء المعرفة و تُواكبها بدل أن تتقدمها.

كما أن ازدهار الأشكال التقنية الرقمية أدخل، إضافة إلى الأشكال التقليدية لحفظ المعارف وتسجيلها، حوامل أخرى للتخزين تتمتع بقدرات تظهر لانهائية. الأمر الذي تمخّض عنه تحوّل في قدراتنا على التذكّر. لقد جعلت الثورة الرقمية من الذاكرة وظيفة «مادية» آلية وصُنعية. ما أبعدنا إذاً عن الذاكرة التقليدية، ذاكرة علم النفس. فعلى غرار اكتشاف الكتابة وتعميم الطباعة، يمكننا أن نعتبر أن اكتشاف الانترنت تحوّل انقلابي في تاريخ الموْضَعة الخارجية لقدراتنا الذهنية. فالانترنت، مثله مثل أية وثيقة مكتوبة، هو جهاز تذكّر خارجي، إنه جهاز تخزين، ومع ذلك فربما لا يصحّ أن نقول إنه يتذكّر، لأنّه لا ينسى.

مقالات مرتبطة

فهل نذهب حتى الجزم بأننا أمام موت مزدوِج للمؤلف هذه المرة؟ إن لم يوافقنا البعض على هذا التسرّع في الحكم، فهو لن يستطيع أن يُنكر مع ذلك أن النصّ غدا يفلت من مؤلفه شتى أنواع الانفلات. هذا ما يفسر الذهول الذي أصبح يأخذ معظم الكتّاب عندما يقفون اليوم على سرعة التنقل و«القفز» التي تلحق ما ينشرونه. ما يطبع الكتابة المعاصرة هو أن المطَّلع عليها غير قادر على ضبط مصدرها «الأصلي»، مثلما أن صاحبها عاجز عن التحكّم في تنقّلها، وحصر الحوامل التي تظهر عليها، وربما حتى الوظائف التي تؤديها، والمتلقي الذي تتوجه إليه. فما أن يظهر المقال على صفحة مجلة أو عمود جريدة أو حيّز موقع إلكتروني، حتى يأخذ في القفز بين المواقع و«السباحة» في الشبكة.

لن نتمثل خطورة هذا الأمر ما لم نستذكر العلاقة التي ترسخت لدينا مع المنابر التي كنا إلى وقت قريب نتخذها حوامل لكتاباتنا. فقبل أن يظهر النشر الإلكتروني كانت لنا، لا أقول معايير ثابتة، وإنما أعراف متّبعة تسمح بالتّمييز بين ما يصلح للنّشر على صفحات المجلات، وما يصلح للجرائد. وحتى إن كان النّشر في الجريدة فهناك ما ينشر في الصفحة الأولى، وما يظهر على الأخيرة، بل هناك ما لا يمكن أن يظهر إلا في ملحق أسبوعي.

أضف إلى ذلك أن حوامل الكتابة كانت دوما ملونة مسيسة مؤدلجة. كانت تنقسم مثلنا أحزابا وشيعا. فيها اليميني وفيها اليساري، فيها التقليدي وفيها الحديث، فيها المتحجر وفيها الطلائعي… الخلاصة أنّ ما كنّا نكتبه كان يُحدِّد، ويَتحدد بـ “أين نكتبه”، وأنّ منبر الكتابة كان يحدد قيمتها، بله شكلها وحتى مضمونها وانضواءها. بل إن دور النشر ذاتها كانت تتوزع وقتها جهات غير متكافئة. لقد كان اسم دار النشر على الغلاف يكاد يدخل ضمن المحدّدات الفكرية للكتَاب ويعيّن توجّهه فيحدّد قرّاءه..

حتى وقت قريب إذاً، كان منبر القراءة معروفا محدَّدا يمكن الإحالة إليه وإلى مكان نشره وتاريخ ظهوره، مثلما كان اختيار منبر الكتابة جزءا من انضواء الكاتب والناشر معا، ولم تكن منابر القراءة قط عائمة في «اللامكان»، ولا منابر النّشر وحوامل الكتابة مسألة عَرَضية على الإطلاق، وإنما كانت تدخل في وسم الكتابة وتحديد شكلها، بل ربما حتى معانيها ووظائفها.

أما اليوم فإن «أرواح» الكتابة أصبحت تعرف «تناسخا» لا ينقطع. فباستطاعتها أن تتنقّل على الدوام، ليس فقط من هذا الجسد نحو ذاك، من الورقي نحو الإلكتروني، ومن الصحف السيارة نحو المصنّفات القارة، بل في مقدورها أن تقفز من  اليمين إلى اليسار، هذا إن كان هناك معنى لهذه «الاتجاهات» داخل الشبكة التي يبدو أن لا مكان لها a-topique ، لامكان يُقسّم حسب وجهات متباينة. فالشبكة لا يمين لها ولا يسار، وهي لا تتوزع حسب اتجاهات جغرافية أو توجُّهات عقائدية، ما دام في مقدورها أن «تصطاد» كل شيء، بحيث تُشكل خيوطُها الحامل النهائي لكل ما يُكتَب من غير أن يتلوّن بلون، ولا أن يتوجه نحو متلقّ مقصود.

هذه العلاقة الجديدة مع الحوامل توازيها علاقة بين الكاتب والقارئ، بين المؤلف والناقد. وهذه إحدى المميزات الأساسية لهذه الكتابة، وهي أنها غالبا ما تدخل في مسلسل التعليق والتعليق المضاد بمجرد أن «تلعقها» الشبكة. هناك «سيولة نقدية» مخالفة لما كان معهودا في الكتابة الورقية. ذلك أن هاته الأخيرة، نظرا لما تعرفه من بطء النشر والانتشار تحتاج إلى كبير روية كي تُتلقى وتُهضم حتى يتم انتقادها. أما الكتابة الإلكترونية فهي تكاد تظهر مع حواشيها دفعة واحدة، بل غالبا ما يغدو حجم التعليقات والحواشي أضخم بكثير من النص ذاته. وهي تعليقات تتمتع بقدر كبير من «الحرية»، خصوصا وأنها معفية من الرقابات المتنوعة التي يفترضها النشر الورقي عادة.

لعل ذلك هو ما يبرّر «غزارة» الإنتاج التي أخذنا نلحظها عند الكتّاب الذين ينشرون على الشبكة. فربما كانت سهولة التلقي وسرعة «الاستهلاك» والتعليق هي التي تجرّ الكاتب لأن يواصل حواره مع قرائه بمجرد أن يتلقى ردودهم. لنقل بأن التفاعل بين الكاتب والناقد يغدو بفضل النشر الإلكتروني أكثر اتساعا، وأكبر سرعة، وربما أشد إرغاما. الخلاصة أن الكتابة عبر الوسائط الحديثة ترسخ علاقة مغايرة بالزمن: زمن التذكر، وزمن الإنتاج والكتابة، وزمن التلقي والقراءة، وزمن التفاعل مع النصوص.

كان لا بد لهذه التحولات من أن تنعكس على مقومات جهازنا النقدي بكامله. ويكفي أن نتساءل بهذا الصدد هل يبقى لمصطلحاتنا النقدية المدلول نفسه مع هذه التحولات التي أحدثتها الوسائط الحديثة على فعالياتنا الفكرية ذاتها؟ هل بإمكاننا اليوم أن نتحدث عن المفهوم نفسه للسرقة الأدبية الذي كنّا نتداوله حتى الآن؟ وعن المفهوم ذاته للمؤلف، بل وللنص بعد ظهور ما غدا يُدعى «النص الأعظم»؟ وبأيّ معنى يمكننا أن نتحدث اليوم عن مذهب واقعي في الأدب بعد أن غدا الواقعي يعانق الافتراضي على الدوام؟….

أشرت أكثر من مرة إلى ما دعوته أخلاقيات الكتابة، لست أعني بذلك ما دأبنا على وصفه بـ«الأمانة العلمية»، وإنما أقصد الأثر العميق التي تحدثه الوسائط الجديدة، ليس على الكتابة شكلا ومعنى فحسب، وإنما على الكاتب ذاته، فتجرّه إلى الانخراط في العمومي. بحيث يمر الكاتب، كما كتب كونديرا، «يمر عبر مشهد وسائط الإعلام الوضاءة بكيفية لا تحتمل، تلك الوسائط التي تغيّب العمل الإبداعي خلف صورة مؤلفه… وحينئذ يغدو العمل مجرد امتداد لتصرفات الكاتب وتصريحاته ومواقفه».

لن ندرك قوة هذا التأثير ما لم نتذكر أن الأمر الذي كان يُتوخى فيما قبل هو أن يتوارى الروائي خلف عمله الإبداعي على حد قول فلوبير، أن يرفض الروائي أداء دور الشخص العمومي. إلا أن الوسائط الإعلامية اليوم تعمل على تغييب العمل لا خلف مؤلفه، وإنما، وكما يؤكد كونديرا، خلف صورة مؤلفه، تلك الصورة التي تعمل على تشكيلها، بله صنعها وترسيخها، وسائط الاتصال المختلفة التي غدا بإمكانها اليوم أن تصنع الأسماء، وتخلق النجوم، وتنتزع الاعتراف، وتخلق الاهتمام، وتضفي القيم، وتعطي الأولويات، وتخوّل الأسبقيات والمراتب. فهذه الوسائط هي التي تعمل اليوم متضافرة على أن ترسّخ في عيوننا وعقولنا، على جدراننا وصورنا، في كتبنا وصحفنا، أخبارنا وشائعاتنا، أن ذلك الموضوع هو الموضوع الأكثر أهمية، وذلك الاسم هو الاسم الأكثر ذيوعا، وذلك المؤلِّف هو المؤلف الأكثر جدارة، وذلك الكتاب هو البيست سيلر بلا منازع. فإذا كان أحد أكبر اكتشافات الرواية، هو «طابع المفارقة الذي يميز الفعل»، وإذا «كانت روح الرواية هي روح التعقيد والالتباس» على حد قول صاحب فن الرواية، فإنها على ما يبدو تقع على طرف النقيض مع ما تعمل الوسائط الإعلامية على زرعه وتكريسه.

إن الرواية لم تعد تسمع صوتها إلا بصعوبة في لغط الأجوبة السريعة المبسّطة التي تسبق السؤال وتستبعده. هذه الأجوبة السريعة المبسطة تصدر عن وسائط الاتصال التي تعمل «في خدمة توحيد تاريخ كوكب الأرض، وهي تضخم سيرورة الاختزال وتقننها، وتنشر في العالم كله التبسيطات نفسها والكليشيهات عينها بهدف جعلها تقبل من طرف عدد كبير من الناس، من طرف الإنسانية جمعاء… ولا يهم أن تعلن مختلف المصالح السياسية عن نفسها في مختلف وسائلها. فوراء هذا الاختلاف السطحي تسود روح مشتركة… كل الوسائط تمتلك الرؤية ذاتها عن الحياة التي تنعكس في الترتيب نفسه الذي تشكل وفقه فهارسَها، في الأقسام نفسها للمجلة، في الأشكال الصحافية نفسها، في القاموس نفسه، في الأسلوب ذاته، في الأذواق الفنية عينها، وفي الترتيب نفسه لما تجده مهمّا ولما تجده غير ذي قيمة. إن هذه الروح المشتركة بين وسائط الاتصال الثاوية خلف تنوعها السياسي هي روح عصرنا».

ما أبعدنا إذن عن روح التعقيد والالتباس! ما أبعدنا عن روح التشكك والاختلاف! ما أبعدنا عن روح الكتابة!

وبعد…

لست أعبر بهذه الصرخة مع الكاتب التشيكي عن حنين ساذج إلى أشكال في الكتابة وتقنيات في التعبير ربما تكون آيلة إلى زوال، بقدر ما أريد أن أبين أن الكتابة، التي لا محيد لها اليوم من المرور عبر الشبكة، مضطرة أن تعمل  عبرها، لكن أيضا ضدها. فربما لم تعد الطلائعية اليوم هي أن نتقدم سير العالم وإنما أن نقوم ضد حركته. أن نكتب ضدّ، ضدّ ما ترغمنا الوسائط الجديدة أن نكونه، بهدف التنصل من عادات ما فتئت تترسخ، وغرس شيء من التشكك، وخلق قليل من الالتباس، مقاومةً لكل وضوح.