إكسير السعادة

180

في هذا العالم الغريب الذي نعيش فيه، في هذا الزمن السريع الذي يمر كشهاب لا نراه ونحس به، على هذه الأرض الملطخة بالدماء والدموع، بالحروب والدمار، والملونة بألوان الحقد والكره والأنانية، نسي الإنسان كيف يعيش، كيف يفرح، وكيف يرتاح…!

للأسف، نحن في زمن جعلنا نعتاد على مشاهد الحزن أينما نحل ونرتحل، يشغل الإنسان التلفاز ليرى صور جثث مرمية على الأرض، يشغل الراديو ليسمع أخبارا تدمع لها العين، يخرج كي يتمشى ليرى مظاهر الفقر والبؤس، كل شيء حوله ينسيه سعادته، ويجعله يعتقد أن الحزن والألم هو العادي، بينما السعادة هي الاستثناء…

في هذا الزمن، زمن السرعة والضغط، يعمل الإنسان ليل نهار كي يضمن عيشا مرتاحا، إلا أنه للأسف، نسي كيف يعيش مرتاحا، وتعلم كيف يجمع المال فقط، لأنه لم يتعود على أن يرى السعادة، ويخلقها من أبسط الأشياء وأقلها…

أصبحنا نخاف من أن نكون سعداء، نهرب من السعادة والفرح كلما فتح لنا بابه كأنه شيء غريب سيتهجم علينا ويدمر حياتنا، اعتدنا على المشاكل والجروح حتى جعلنا منها واقعنا اليومي الذي نختبئ داخله، والذي لا نملك ما يكفي من الجرأة للتخلص منه…!

لماذا عندما تأتينا السعادة على شكل نجاح، أو حب أو ترقية أو خبر سار كيفما كان نوعه، نفكر ألف مرة قبل الاستمتاع بحدوثه، نشرد لساعات حتى نستوعب فكرة حدوثه، نضيع الوقت الذي من اللازم أن نستغله في الإحساس بتلك اللحظة الجميلة، لأننا ببساطة نخشى السعادة ونهرب منها، أو بالأحرى نخشى تبعاتها وما يمكن أن يحدث بعدها…

عندما يفتح أمامك الفرح أبوابه، ارم وراءك مخاوفك وجروحك وذكرياتك، انس ما يمكن أن يحدث في المستقبل، ركز في اللحظة التي ضحكت لك فيها الدنيا واستغلها حتى آخر نفس، فبجميع الأحوال لا تمتلك القدرة على تغيير ماضيك، ولا القوة لتعرف ما يخبئه لك مستقبلك، أنت تملك فقط الإرادة على فتح باب قلبك لتلك السعادة أم لا…

فإن كنت تجتنب الفرح بحجة أنك خائف من سعادة مؤقتة تنتهي لتترك لك ذكريات تجرحك، فتذكر أنك لا تملك القلم الذي يكتب قدرك، ولا يحق لك أن تحكم على شيء لا بالدائم أو المؤقت، لأنك أيضا بشر مؤقت في الدنيا، ووحده الخالق هو من يعرف ذلك جيدا.

فلماذا يحرم الإنسان نفسه من أن يكون سعيدا ولو للحظة؟ لماذا اعتدنا على الحزن حتى أصبحنا نخاف السعادة؟ لماذا تترك السعادة تهرب من بين يديك بسبب الخوف من المستقبل أو هروبا من ماض قد فات؟

فحياة نخاطر فيها من أجل أن نعيش لحظات سعادة حتى لو كانت مؤقتة، أفضل بكثير من حياة جبانة مملة خالية من وهج ونور السعادة…!