زيدني لايكات

241

يقيس معظم الذين كتبوا عن ظاهرة السِّيلْفي عملية «التصوير الذاتي» هذه على الكوجيطو الديكارتي «أفكر، فأنا موجود Je pense, donc je suis» فيقولون: « Je pose, donc je suis»، أو يقولون « Je selfie, donc je suis»، إيمانا منهم أن هذه العملية تردّ إلى الذات وتحيل إلى الأنا على نحو ما يفعل الكوجيطو. فهل إنجاز صورة شخصية ووضعها في القنوات الاجتماعية في انتظار ما ستحصده من لايكات يؤدي إلى تغيير العلاقة مع الذات، وبشكل أدق، إلى انبجاس الأنا؟ أم أن التغيير يتم عند العلاقة بالآخر؟ بعبارة أخرى هل «التصوير الذاتي» طريق إلى الوعي بالذات، وفي هذه الحال ما طبيعة هذه الذاتية المحال إليها؟ أم أن المستهدف الأساس في هذه العملية هو الآخر والآخر بالدرجة الأولى؟ مجمل القول:هل السّيلفي وسيلة تعرُّف أم أداة اعتراف؟

قبل محاولة الإجابة عن هذا السؤال، لنحاول أن نتوقف عند هذه العملية لتحديد طبيعتها. فما الذي يميّزها أولا وقبل كل شيء عن عمليات التصوير العادي؟ لعل أهم ميزاتها هو أن العين التي وراء الكاميرا لا تكون في هذه الحال عينَ آخر ولا حتى عينَ الكاميرا، وإنما هي عيني أنا. أنا أنظر إلى أنا. نكون هنا أمام كاميرا -مرآة تجمع بين مفعولات التصوير ومفعولات التملّي في المرآة.

غير أن عملية التصوير ليست هنا مثل تلك التي آخذ عن طريقها صورا عن المناظر التي أتملاّها، والمآثر التي أزورها. فالمآثر هنا لا قيمة لها من دوني. عندما ألتقط الصورة وخلفي معْلمة تاريخية، فإن المستوى الثاني للصورة يستمد معناه وقيمته من الأول وليس العكس. لن تتخذ المآثر معناها الجديد المنتعش إلا من نظرتي أنا إليها ومثولي إلى جانبها. إنها لن تُعرَض بالصورة التي طالما عُرضت بها، وإنما ستُعرض بمعيتي، ستُلتقط وأنا بجانبها.

قد نستعيض عن المآثر بشخصيات عمومية، في هذه الحال لا نأخذ السيلفي مع أيّ كان وكيفما اتفق، وإنما نحرص على أن تضفي علينا شخصية الآخر حلة جديدة، وترفع من قيمتنا. فأنا سيعترف بي وسـ«أُوجَد» بما أخالط من مشاهير،سأستمد شهرتي ممن آخذ معه السيلفي، سأستمدها من «سَلِيفَيّ» عملا بما يقوله المثل المغربي: «مع من شفتك، مع من شبَّهتك».

ومع ذلك فأنا لا أتماهى مع «سَلِيفيّ»، ما دمت سأستعيض عنه في أقرب فرصة سانحة كي أبدّل صوَري وأنعش وجودي وأجدد أنَواتي. فلا رباط حقيقيا يشدّني إلى النجم السينمائي أو الرياضي الذي آخذ معه الصورة، وربما أنا لم أطلع قطّ على مؤلفات هذا الكاتب الذائع الصيت الذي ألتقط صورة إلى جانبه، وهو لا يعرفني من دون شك، وربما لا يعرف حتى اسمي، أما أنا فـ«أعرفه» لا بما هو إنسان، وربما حتى بما هو كاتب، وإنما بما هو علَم مشهور يعرف اسمه الجميع، وهذا بالضبط ما يهمّني. أعرف أنه مشهور الاسم، وسأستمد شهرتي من شهرة اسمه.

مقالات مرتبطة

اختيار ناضج

تعلم أن تقول لا!

ثم إن هذه الصورة التي سألتقطها لن تخلد لتؤثت خزانة ذكرياتي، لن أحتفظ بها كذكرى، وإنما سأسارع لأرمي بها في الشبكة كي يراني الآخرون كما أودّ أن أُرانِي. فالسيلفي لا يوجد ليخلّد ذكريات ويجعل اللحظة خلودا، وإنما لكي ينتشر عبر الشبكة ويحصد عددا كبيرا من اللايكات.

السيلفي يتجه نحو عين الآخر ونظرته. لا ينبغي أن ننسى قولة بورخيص: « لكي نوجد ينبغي أن نُرى»، «وجودي هو أن أكون محط نظر»، أوجد بقدر ما يراني الآخرون.

السيلفي استراتيجية تواصلية ترمي إلى تعويض نقص التحقق الفعلي وفقدان الواقعية الذي تعاني منه الذات الفعلية، فعوضا عن مرحلة المرآة التي يتحدث عنها لاكان والتي تكشف عن الذات الواقعية، فإن «مرحلة» السيلفي لا تكشف إلا ذاتا افتراضية. أو لنقل إن ما تكشف عنه «مرحلة» السيلفي هو تشكل صيغة أخرى من الذاتية المختلطة. وهي ذاتية يصعب عليها أن تثبت ذاتها، فتظل تتأرجح بين الواقعي والافتراضي. فليس الفرد هنا هو ذاتَه من خلال وعيه بوجوده ككائن مفكر يحسّ ويشك ويتذكر ويتخيل… بل هو كذلك من خلال مجموع صوره المودعة في الفضاء الافتراضي.

نحن إذاً أمام ذاتية من غير ذات، أمام كوجيطو الـ self، كوجيطو الهو المجهول. فبينما يجعل الكوجيطو الديكارتي الذات مصدرا للمعنى فيقيم أنا مؤسسة للوجود، فإن أنا السيلفي سيستمد معناه وقيمته من الآخر بما سيُسجّله من اللايكات والاعترافات. فالسيلفي ليس كوجيطو، وهو لا يستهدف الوعي بالأنا والتعرّف على الذات، وإنما لا يرمي إلا إلى انتزاع اعتراف الآخر.

كان جاك لاكان قد انتقد كوجيطو مؤسس الفلسفة الحديثة فوضع مكانه ما يمكن أن ندعوه كوجيطو الفكر المعاصر الذي يرصد الأنا في انفلاتها ويتعقبها عند غياباتها وعدم حضورها أمام ذاتها، فكتب: «أوجد حيث لا أفكر، وأفكر حيث لا أوجد». وربما نستطيع أن ننقل هنا هذا الانفلات، كي لا نقول الجرح، الذي تعانيه الأنا المعاصرة في كوجيطوها للتعبير عما يعتري الذات عندما يقذف بها السيلفي في العالم الافتراضي فنقول: «لا أوجد لا حيث أفكر، ولا حيث لا أفكر، لا أوجد إلا في الشبكة حيث أتغذى على لايْكاتي».