بين الظلمة والنور

366

تحت ضوء القمر الساطع، ولمعان النجوم المتراقصة، حيث الحب مُجرد من الشهوات، والصداقة خالية من المصالح، حيث الأسر تعيش في سلام، والوطن  يسوده الأمان، حيث ينبع الخير من أنهار التعاضد الأخوي، وتثمر القيم الأخلاقية في بساتين الغني والفقير، حيث العيش ذا صفو، والنقاء يعلو من  غدقات القلب؛ وكأنه الدرر، حيث الهناء يعم الكون ولا يكدره خطر…

أرض طاهرة نقية، بيوت بالحب مليئة، قلوب غير حاقدة صفيّة، أخلاق سجيّة، عقول طموحها الرقيّ، ونفوس أبيّة…

بينما تقرأ هذه الأسطر، يعتريك شعور بدفء غير معهود، وتنتابك رعشة من السعادة والإحساس بالاطمئنان، تفكر وتحدث نفسك متسائلا ماذا لو أن الكون هكذا؟ هل من المستحيل أن يرتقي المجتمع ليبلغ درجات النبل والإنسانية الحقة؟ كيف السبيل لتحقيق مراتب السمو والترفع فيصبح المرء نقيا،  عفيفا، وطاهرا كأنه ملاك نزل من السماء؟
إن استحالة العيش في حياة دنيوية بمميزات وصفات أخروية، كاستحالة تقبلك لفكرة أن آدميا يستطيع أن يولج جملا في سم خياط. رغم أن الفكرة قد تقبلناها  بصدر رحب وعقل واعٍ في الآية القرآنية، فهذا لأن الكلام نابع من معجزة خالدة، وتصديقا لربوبية الله عز وجل.

بالعودة للأسئلة المطروحة، فإن العقل والقلب البشري جُبلا على العديد من الصفات الإيجابية والسلبية أيضا، فالخير والشر كلاهما قد ينبع من نفس الشخص، هذا لأنه يعيش في صراع مستمر مع التغيرات النفسية والهرمونية، ويضطر للتعايش مع قضايا يُستعصى عليه أحيانا تفكيكها ودراستها للوصول إلى حلول مجدية. بهذا فإن الشخص باعتباره كيان وذات، يصعب تشخيص أبعاد تصوراته وتوقع أفعاله. لأنه في بعض الأحيان، هو بحد ذاته يُقدم على أفعال لم يكن  يُخيّل إليه أنه في يوم ما سيقوم بفعل كهذا الفعل كيفما كان كنه هذا الأخير، أيضا قد ينطق بكلام دون سابق اطلاع عليه أو إعداد قبلي له. فهذا يعني أن  الشخص ليس رياضيات حتى نطبق عليه قواعد معينة أولا، وثانيا لن نستطيع أبدا رسم خطواته وشخصيته وذاته بقلم ومسطرة كمشروع هندسي أو رسم بياني.

إذن يجدر القول أن جذوة الخير والشر هي متأصلة في الإنسان منذ ولادته بحيث لا يمكن أبدا القيام بما يستفزه أو يجرح كرامته، أو يهين كبرياءه دون توقع  رد فعل للدفاع عن أسوار شخصيته، ورد الاعتبار لذاته. بالتالي فإن أمر  الترفع عن محاسبة من يؤذي كيانه ولو بالدعاء أو تفويض الأمر لله هو أمر من  سابع المستحيلات، اللهم إلا استثناءات تعد على أصابع اليد.

ذه سيكولوجية الفرد، فماذا عن الجماعة التي يعتبر الفرد جزءا منها؟ إن المجتمع هو عبارة عن مجموعة من الأفراد الذين تختلف أفكارهم ومعتقداتهم  وتصرفاتهم وإن جمعهم دين واحد، أو أرض واحدة، أو كانوا في بيت واحد. فالعيش مع أفراد تحت سقف واحد، لا يخوّل لأي كان أن يعتبرهم شخصية واحدة،  فكل واحد له ذات وكيان منفرد يخصه وحده، بالتالي وإن تشابهت أفكارهم لن  تطابق بعضها البعض، وكذلك المعتقدات والصفات، مثالا عن هذا، فإن آسية  زوجة فرعون كان يجمعها وفرعون سرير واحد ومخدة واحدة، لكن هو ادّعى الربوبية وقال “أنا ربكم الأعلى”، لكن هي آمنت برب واحد فوق العباد  أجمعين. ومن صلب آزر العابد للأصنام خرج نبي الله إبراهيم. إن هذا الأمر لا  ينطبق على الأنبياء والمرسلين فقط، بل حتى على باقي عباد الله أيضا، فقد  تجد أبوين صالحين من أطيب خلق الله، وابنهما عاقّ لم يأخذ من خصالهما ولو القليل، وقد تجد تفاوت في التحصيل العلمي بين الإخوة، فأن يكون الواحد  ذكيا مجتهدا في دراسته لا يعني أن يشابهه أخاه أو أخته في ذلك بالإجبار. بل حتى التوأمين اللذين نُفخت فيهما الروح في رحم واحد، وظلاّ تسعة أشهر  يكبران في بطن واحد، تختلف أفكارهما وملامحهما وقدراتهما، وإن تشابهت لا تنطبق. بهذا فإن الحكم على المجتمع أن يكون صالحا بالإجمال فهذا شيء لا يمكن، لأنه وإن وصل لمرتبة من الصلاح سيكون هناك فئة تمثل المجتمع الطالح، بهذا فالحلم بمجتمع يخلو من السواد والشر أمر أشبه بحلم جميل يمر على خيالنا فيأسره.

 

شخصية الملاك العفيف المثالي، هي شخصية بعيدة كل البعد عن المجتمع البشري، قد يصل الإنسان لمرتبة من النبل والإنسانية، ولكن لابد أن تجتاحه بين الفينة والأخرى نقطة من السواد مهما كانت صغيرة، تظل هذه فطرة الإنسان التي لا يمكن إنكارها. فالشخص وإن بلغت حكمته عنان السماء قد يواجه مواقف  تُخضِع حكمته لاختبار فجائي، ومهما بلغ صبره فإن التذمر لابد أن يتغلب  عليه في لحظة من اللحظات المستعصية على ذاته تحملها، كذلك سماحته وحبه قد  يلازمانه في حياته لكن لابد أن يمر بنكبة تجعله لا يعطي حبه لأي كان ولا ينال سماحته من دمر حياته أو عمِل على كسر قلبه، وقابل نيته الطيبة بأخرى  سيئة منحطة ذليلة. لأنه بالنهاية، البشر مخلوقات من طين، والطين وإن كان مَسكنا لجذور الأشجار المثمرة، وحضنا للخضر الطازجة، والسنابل الممتلئة زرعا، يظل مسكنا أيضا للجيفة، ومحلّلا للجثث، بينما النور لا يمكن أن تنبع  منه ظلمة، بل يظل مشعا إلى الأبد.