عن الغد أكتب!

أمسكت بقلمي بين أناملي ليلة أمس أفكر عن ماذا أكتب وكيف أكتب؛ وإذ بعيني تجول بين جدران غرفتي فوقعت على ورقة التقويم ونظرت في الساعة التي أرتديها في يدي فإذ بها تشير إلى اقتراب منتصف الليل، فقررت أن أكتب عن الغد. تأملت القلم الذي بين أناملي والصحيفة البيضاء التي بين يدي وأيقنت أنها تسود سطراً سطرا كلما أجريت القلم فيها، ولكن لا أعلم هل يبلغ القلم السطر الأخير فيها أم يتوقف متحيراً، ماذا يكتب عن الغد؟

نعم، إنه الغد، مبهم الأوصاف وغير معلوم الملامح، قد يكون ملاكاً رحيماً، وقد يكون شبحاً مخيفاً، لعله أمطار غيث وخير وربما كان سحابة سوداء غمامة أحزان. الغد، بحر مرتفع الأمواج، فلا ندري أيحمل في أعماقه الدرر والجواهر، أم الأشباح والظلام القاتم. الغد، حارت العقول عن كينونته وضاقت العيون ذرعا لرؤيته. كأني بالغد أنظر إليه فإذا به شيخٌ كبير كست ملامح وجهه التجاعيد يتكئ على عكازه بجسمه الهزيل ينظر إلى آمالنا وأمانينا نظرات المستهزئ الساخر، يبتسم ابتسامة المستخف المزدري لطول الأمل وكثرة الأماني التي يحملها الفرد منا في صدره وعقله. وكأنه يقول: لو علم هذا المكتنز لماله أنه يكتنز للوارث، وهذا المشيد للأبراج وناطحات السحاب أنه يشيد للخراب، وهذا الوالد أنه يلد للموت، ما كنز الكانز ولا شيد المشّيد ولا ولد الوالد.

استطاع الإنسان أن يجد حلا لكثير من الألغاز والأسرار في هذا العالم فحفر في الأرض أنفاقا وشيد في الهواء مصاعد وناطحات سحاب. عقد ما بين المشرق والمغرب بأسباب وجعل المرء يعلم ما يحدث ويدور في كل العالم ولو لم ينتقل من مكانه. ألف العلوم ووضع القوانين والمقاييس لمعرفة أبعاد النجوم ومسافات الأشعة والموازين، غاص في البحار فعرف أعماقها وفحص تربتها، اخترق بذكائه كل حجاب وفتح كل باب ولكنه توقف عاجزاً أمام باب الغد، سقط مقهوراً مكسوراً فلا يجرؤ على فتحه بل لا يستطيع قرعه، لأنه باب الله والله لا يطلع على غيبه أحد، أيها الغد الشيخ الكاهل العجوز هل تخبرنا سراً من أسرارك هل تغدق علينا علماً من علمك ولو قليلاً علنا نستطيع أن نعلم ما سيكون غداً وماذا ينتظرنا!

أيها الغد، ابق كما أنت لا نريد أن نعلم من أنت وكيف أنت، أيها الغد، اكتم عنا سرك في صدرك ولا تحدثنا حديثاً عما سيكون لنا فيك! لا تخبرنا عن آمالنا هل سنبلغها ولا أمانينا هل سنحققها، أيها الغد اصمت قليلاً، دع أمل لقاء أحبابنا حيٌّ في قلوبنا، دع أمال السعادة تتغنى بها كلماتنا، إنما نحن نبقى ونحيا بالآمال وإن كانت باطلة، نسعد ونسعى للأماني وإن كانت كاذبة! من ألطف ما نجود به على بعضنا كبشر مخزون ذكريات لطيفة، باقة من اللطف مليئة بالمواقف الدافئة والمحادثات الهادئة، باقة أضعها بجانب سريري أراقب بتلاتها بين الفينة والأخرى، أملأ رئتي بروائح أصحابها، فتتسرب قائمة أسماء من فمي بابتسامة وداع، أتساءل عن تلك الطاقة المليئة بالحب التي يهديها البشر لبعضهم!

أجزم وبشدة أن تأثير الأشخاص فينا وفي قلوبنا رهين وبشدة بمدى القرب ومدى حسن العلاقة الجامعة بين الشقين، بيد أنه، أستغرب وبشدة من الأشخاص الذين يرددون عبارات الاكتفاء أو أن الشخص مصدر سعادة ذاته، لطالما اعتبرتها جملا متطرفة، واهية، لم نكن وحدنا، كان الله تعالى في قلوبنا، كان رفيقنا الدائم ومؤنسنا، أظنني أتفق الآن (وبالشدة عينها) في تحميلنا مسؤولية سعادتنا، الأمر أشبه بتأثير السيارة الحمراء، يقال إنه عندما تشتري سيارة حمراء، لا تظل تتراءى لك سيارة عدى الحمراء منها، الأمر فقط هو أنك أصبحت مركزا أكثر مع السيارات الحمراء، فتناسيت باقي الألوان، إسقاطًا على ما سلف، هو الأمر كذلك بالنسبة للفئة التي تجحد دور الآخرين، فهم فقط لم يركزوا على اللطف من حولهم، لم ينظروا بتمعن لذكرياتهم، أجزم أن صناديق ذكرياتنا ممتلئة بذكريات جمعتنا بغيرنا، أوليس مذهلا أن الله تعالى خلقنا شعوب وقبائل لنتعارف.

1xbet casino siteleri bahis siteleri