العربية

98

شاء الله، تقدست أسماؤه، أن تكون العربية وعاء كلامه والسلك الذي تنتظم فيه خاتمة رسالاته، مؤثرا إياها على ما كانت تعج به الأرض من اللغات والألسنة فترتئذ. ويكفي لطالب العربية شرفا اشتغاله بهذا اللسان العربي المبين الذي اصطفاه الله واجتباه؛ يجتهد في استخراج كنوزه، ويتعنى في طلب دقيقه؛ فيفرح بما فتح به عليه وتيسر، ويحزن مما استغلق فهمه وتعسر.

فلا بد لطالب العربية -مفتتح الأمر ومبتدأه- أن يعي ما سبق غاية الوعي، وأن يكون منه على ذكر في كل ساعة من ساعات الطلب؛ فلا يخوض في صرف أو ينظر في نحو أو يباشر في بلاغة حتى يدرك أن اشتغاله بالعربية عبادة يتزلف بها إلى خالقه، وفرض يتقرب به إلى مولاه، وأن يعي أنه مأجور على ما يفعل، وقد هجر دنيا الناس يريد معرفة كلام رب الناس.

من هذا المنطلق، يفهم المرء مراد شيخ العربية أبي فهر رحمة الله عليه حين قال: لو كفرت بلغتي لفقدت الشطر الأكبر من إيماني. وهذه المقالة على وجازتها وقلة لفظها تختزن في جوفها كتب الشيخ جميعها، سواء في ذلك ما ألف وصنف، أو ما حقق وخلف؛ فقد استنفد لتبيان صلة ما بين العربية والإيمان وسعه، ووقف لتلك الغاية السنية حياته، ونافح عن هذا اللسان المبين من الأيدي التي تمتد إليه بالمكر وتريده بالسوء خفية أحيانا وجهرة أحيانا أخر.

ومن هذا المنطلق أيضا، صار لزاما على طالب العربية ألا يحقر لسانه العربي أبدا مهما اجتهد الأباعد في التضليل والتدليس وبالغ الأقارب في التحقير والتنقيص، وأن يعتز كل الاعتزاز بأنه من أهله، ويفخر كل الفخر بأنه من جملة الساعين في درب التمكن منه. فإنا قد رأينا ناسا درسوا العربية سنين عددا، حتى إذا ما سئلوا عما تخصصوا فيه تحرجوا من الإجابة كأن العربية مسلبة لكل خير مجلبة لكل شر، أما أسوءهم طريقة فطائفة تتحين الفرص وتتصيد النهز لإدخال كلمة أجنبية أو اثنتين في كلامها، اعتقادا منها بأن تلك العملية مما يرقى بالشأن ويعلو بالقدر ويسمو بالنفس.

وليس من الحكمة في شيء أن نطرق هذا الباب من غير أن نحاول الإجابة عن سؤال العلمية؛ ومؤدى هذا السؤال -دون تعقيد أو لف- أن العربية ليست بلغة علم، وأن جاراتها الإنجليزية والصينية قد استوفين شروط العلمية وخلفن العربية لنظم الأشعار وكتابة الأزجال… ولن ننكر هذا القول الآن، لأنا إن فعلنا أصبحنا موضع هزء ومحل سخر، بيد أن ما يجب التنبيه عليه والإلماع إليه وجوبا قاطعا هو أن العربية ليست من يستحق اللوم والعتب، إنما الملوم أهلها والمتحدثون بها؛ لأن ما يجري على اللغات جميعها يجري على العربية أيضا، فهي “تنتعش وتذوي باحترام أهلها لها وممارستهم لها” (1) كما عبر محمد محمود الطناحي رحمة الله عليه.

فاللغات العلمية في يوم الناس هذا عوملن معاملة الرضيع من قبل أهلهن؛ فلقين من حسن العناية وتمام الرعاية ما جعلهن على هذا النحو الذي نرى، ولما أهملنا لساننا ولم نحترمه لا كثيرا ولا قليلا صرنا إلى ما صرنا إليه؛ فلا تنتظر من الأرض أن تجود بخيرها، ومن الأبقار أن تدر حليبها، ومن الأشجار أن تؤتي أكلها، إن لم تكابد المشاق في الحرث والبذر والسقي.

وليس إدراك هذا المسعى؛ نقصد إعادة العربية لمجدها يوم كان العجم أنفسهم يطربون غاية الطرب إن هم نطقوا بكلمة عربية واحدة على وجهها الصحيح = ليس بمستصعب ولا بمتعذر، لأن السواد الأعظم من اللغات التي تطرق آذاننا اليوم (الإنجليزية والألمانية والإسبانية ولغات أمريكا الجنوبية…) كانت محض لهجات مستضعفة في الأرض قبل بضع مئات من السنين، تفرعت عن اللاتينية واليونانية اللتين ماتتا وصارتا رموزا مستغلقة تلتقط لها الصور في المتاحف والأحجار. فإذا كان هذا التحول من لهجة مستضعفة مغمورة إلى لغة مسيطرة مشهورة قد حصل فعلا وتحقق واقعا، فإن المنطق يصيح قائلا: إن لسانا أصيلا وغنيا كاللسان العربي أوفق للعلوم وأليق للرياسة وأسرع للتجدد من أي لسان آخر، إذا أراد أهلوه ذلك وسعوا إليه سعي المجتهد المريد للتغيير. ولا ينبغي لطالب العربية أن ييأس من عودة المجد وأوبة العز، فقد أوصانا شيخ العربية بوصاة ثمينة يوم كتب: “اليأس خليقة منكرة، والبشر لا يعجزهم شيء إذا أرادوه وسلكوا له سبيله، واتخذوا له عدته.” (2)

وإنه لمما يحز في النفس أن يندر المعتنون بهذا اللسان ندرة ظاهرة لا تخفى على متأمل؛ فلا تكاد ترى أحدا تشرئب عنقه للاشتغال بالتحقيق، يكد ويجد من أجل إخراج التراث من رفوفه المغبرة، أو تتوق نفسه ليصير أديبا يحبب العربية بقلمه ويميل إليها القلوب ببيانه، أو ينهض بأعباء التدقيق مصوبا ومقوما ومجودا. وإن لهذه الانشغالات وغيرها لأثرا عميقا في تحصين العربية مما يحيق بها من الدسائس والمكايد، هذا فضلا عما تبعثه في نفس صاحبها من الأنس، وما تورثه في كيانه من الشرف والرفعة. وصدق من قال:
كم من رياض لا أنيس بها *** تركت لأن طريقها وعر
والعمل، كل العمل، وقف على طالب العربية قبل أي إنسان غيره؛ فلا ينتظر من المشتغلين بالألسنة الأخرى أن يتحدثوا عن العربية ويثنوا على أصالتها ويدعو إلى الإكباب عليها درسا وتحصيلا وحرصا. فإنه إن توهم وفعل، كان كما قال أبو الحسن التهامي:
ومكلف الأيام ضد طباعها *** متطلب في الماء جذوة نار

ولعل من الأعمال الجليلة التي ينبغي لطالب العربية أن يضطلع بها لما لها من أثر عميق في تكثير سواد المشتغلين بهذا اللسان الحريصين على حفظه وبيان فضله = التحبيب والتقريب والتعريف؛ تحبيب العربية إلى الذين يمثلون دائرة تأثيره الخاصة، وتقريبها ممن ينظرون إليها نظرة استنكار وتخوف وتوجس، ثم التعريف بهذه الانشغالات التي ذكرنا طرفا منها. وليبدأ كل إنسان بنفسه غير مكترث بعمل غيره، لأن “نمو الحضارة الإنسانية لا يكون سوى ثمرة لنمو كل شخص على حدة.” (3) وإيانا وداء الاتكال، فإنه قد نخر جسد الأمم قبلنا ويوشك أن يفعل بنا ما فعل بهم.

ولأن للكلام غاية ولنشاط السامعين نهاية كما وصف الجاحظ، نكتفي بما سبق فإن فيه غنية إن شاء الله، راجين أن تحقق هذه المقالة الهدف الذي من أجله كتبت، والذي لا يخفى على ذي بصيرة ولا تستبهم مسالكه على عربي. هذا والله أعلم بالصواب، وإليه الرجعى والإياب، وعليه البيان والحساب.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــ (1) محمد محمود الطناحي، صيحة في سبيل العربية: مقالات من أجل نهضة العربية وثقافتها، ص 133.
ــ (2) محمود محمد شاكر، نمط صعب ونمط مخيف، ص 138.
ــ (3) سعيد ناشيد، التداوي بالفلسفة، ص 116.
1xbet casino siteleri bahis siteleri