هل نحن في حاجة دائمة إلى الآخرين؟

هناك تعبير شائع يقول: “لا شيء في الطبيعة يعيش لنفسه، النهر لا يشرب ماءه، البحر لا يأكل سمكه، الأشجار لا تأكل ثمارها، الشمس لا تشرق لذاتها، والزهرة لا تعبق لذاتها، خلقت الأشياء لتخدم غيرها، هذه حكمة الله ورسالته لنا، فلنكن عونا لبعضنا.”

من خلال التعبير؛ يتضح لنا أن كل ما هو موجود لم يخلق عبثا، الطبيعة تخدم الإنسان والإنسان يخدم الطبيعة أيضا. كما هو الحال عند الإنسان؛ فهو دائما يحتاج إلى الآخر كيفما كان وأينما وجد، لأن الآخر أو الغير سيكملنا بشكل سحري أيضا، والمتجسد في فهمه لنمط عيشنا وتفكيرنا، في فهمه لسعادتنا وحزننا، لفهمه أيضا سبب معاناتنا وسبب حياتنا وسيظل مستمرا في التأثير علينا بشكل سحري، وهكذا بالنسبة لنا أيضا؛ نحن النصف الأول والآخر النصف الثاني ليعطي في النهاية، جسدا وروحا واحدة. تفهم، وتقدر، وتحب وتساعد وتهتم ببعضها البعض. كل ما قلته إلى الآن موجود وواقعي ولا أتكلم بداعي المثالية والخيال، فهذا النوع من العلاقات موجود، موجود بداخلنا في أنفسنا أولا ليتدفق إلى ما يحيط بنا من الوجود.

عندما نتحدث عن الشخص والآخر، أو الأنا والغير حسب اللغة الفلسفية الجميلة، فإننا نقف أمام مصطلح جوهري وهو “العلاقة-la relation” والعلاقة هي تلك الرباط الإنساني الذي يلتقي بطرفيه كل من الأنا والغير. والآن سنترك المجال لتاريخ التفكير الفلسفي، الذي سيجيبنا عن نوعية وطبيعة العلاقة التي تجمعنا مع الآخرين، هل هي علاقة سلام. تجمعنا المحبة، السلام والصدق أي القيم النبيلة أم علاقة صراع؟ السبب وراء اختياري للتحليل الفلسفي حول هذا الموضوع، هو أنه لطالما كانت الفلسفة هي البداية والنهاية، هي السؤال والجواب، وهي الفن والمنطق.

وعندما نذكر المصطلح الجوهري “الفلسفة” فلا بد من الوقوف أمام أعظم الفلاسفة والمفكرين. كما نعلم في تاريخ الفلسفة، عندما نقف أمام موضوع يهتم بالإنسان، فلا بد من إيجاد على الأقل موقفين مهمين للفلاسفة؛ موقف مؤيد وموقف معارض.

مقالات مرتبطة

إذا اتفق كل من هوسرل، أفلاطون وأرسطو على أن العلاقة بين الأنا والغير هي علاقة صداقة. كيف؟ يرى الفكر اليوناني عامة والفيلسوف أرسطو خاصة أن الصداقة قيمة عليا وتجربة مشتركة للناس الفضلاء داخل المدينة الدولة، هي قيمة إنسانية وأخلاقية ترسخ مبادئ التعاون والتضامن والتعايش بين الناس. في حين أكد أن الكراهية تؤدي إلى تدمير العلاقات الاجتماعية، لذا وجب الإقلاع عنها، وبدل ذلك اعتماد المحبة والصداقة كأساس الوجود.

بالنسبة له أيضا تنقسم الصداقة إلى ثلاثة أنواع: صداقة منفعة، وصداقة متعة وصداقة فضيلة؛ بالنسبة للنموذجين الأولين، فهما لا يستحقان اسم الصداقة إلا مجازا. نظرا لارتباطهما بالملذات الحسية أو المنفعة المادية. أما النموذج الأخير؛ صداقة فضيلة فاعتبره الصداقة الحقيقية ما دام يقوم على محبة الخير واحترام الجميع، ومن خلاله ينظر للصديق على أنه كغاية وقيمة في ذاته. وفي إطار هذا التقدير تتحقق المتعة والمنفعة، لكن ليس كغاية وإنما كنتيجة. مؤيدا أطروحته بتعبيره التالي: “الصداقة فضيلة، ولو وجدت بين الناس، لما احتاجوا إلى القوانين”.

في حين نجد؛ أن مجموعة من الفلاسفة تجاوزوا ما سبق، في مقدمتهم: سارتر، هيجل وكوجيف. حيث يؤكد سارتر خاصة على أن العلاقة التي تجمع بين الآنا والغير هي علاقة صراع، كيف ذلك أيضا؟

أكد رائد الوجودية أن العلاقة مع الغير تقوم على مبدأ الصراع، من أجل انتزاع الاعتراف بالذات، وتأكيد وجودها، والسبب وراء طبيعة هذه العلاقة هو النظرات التي يسلطها الأنا عن الغير أو العكس. الشيء الذي يجعله فاقدا مقومات حريته من تلقائية وعفوية، ليتحول إلى مجرد شيء أو موضوع، لكن الإنسان هو كائن حر وحريته تتجاوز كل الحتميات، لذلك لن يرضى بفقد حريته. الشيء الذي يؤدي إلى دخوله في صراع إنساني مع الغير هدفه استرجاع الحرية. لذلك يقول في تعبيره التالي: “الآخرون هم الجحيم”.

نخلص في المقال إلى أننا نحتاج دائما إلى الآخرين، وهذه العملية جزء منا ومن كوننا بشرية اجتماعية، هدفها أيضا الاكتمال البشري. أحيانا عبر فترات؛ قد نكون معتادين على أنفسنا فقط ولكن مع مرور الوقت وتغير الظروف الاجتماعية ونمط تفكير المرء، يجد نفسه بحاجة للآخرين، وهذا الشيء يعتبر طبيعيا، لا بأس، فلنكن عونا لبعضنا البعض.

1xbet casino siteleri bahis siteleri