مشكلة الشّر عند القدّيس أوغسطين: آلامُ المخاض وحلولٌ مشـوّهة!

196

« (…) لستُ أرفضُ الله، افهمني جيداً، وإنما أرفضُ العالم الذّي خلقه ولا أستطيعُ الموافقة على قبوله». هكذا خاطب إيفان أخاه إليوشا في رائعة دوستويفسكي الخالدة “الإخوة كارامازوف” بعد حديثٍ طويلٍ دار بينهما عن الشر في العالم، فبتأمُّله لهذا العالم المليء بالآلام والشرور والعذابات، وفي ظل وجود “إله رحيم”، لم يستطع إيفان أن يقبل خليقة الله.

ببساطةٍ كان هذا الحوار أحد أوجه معالجة ما يسمى بـ “مشكلة الشّـر” والتي تُعتبرُ من أهم وأعقد المشكلات التي تم تناولها عبر مجمل تاريخ الفلسفة. ولا يُعرف بالضبط أوّل من أثار هذه القضية، لكننا قد نرجعها الى تساؤلٍ قديم طرحه الفيلسوف أبيقور وهو على الشكل التالي: هل الله يريد منع الشّر لكنه عاجزٌ عن ذلك أم أنه قادرٌ عليه لكنه لا يريد منعه؟ فالشق الأول من التساؤل يؤدي إلى القول بأن الله ليس مطلق القدرة، والشق الثاني يؤدي إلى القول بأن الله شرير. في هذه المشكلة نحن أمام إحراجٍ ثلاثي فالله كلي القدرة وكلي الصّلاح وهناك شر في العالم، ولكي لا يكون هناك تناقضٌ بين هذه الثلاثية يجبُ أن ننفي إحدى المقدمات أو اثنين منها أو جميعها أو ننفي وجود الله نفسه، والشيء الذّي لا يمكن أن نقوم به دون أن نقع في تناقض منطقي هو أن نسلّم بالقضايا الثلاث معاً، وهي ما يسميه المناطقة بـ “ثالوث غير متساوق”. وقد اختلفت مواقف الفلاسفة من هذه المشكلة تبعاً لموقفهم من الدّين وطبيعة رؤيتهم الأنطولوجية للعالم، فالمؤمنون مثلاً بوجود إله خيّرٍ كلي القدرة والعلم حاولوا ومازالوا يحاولون التوفيق بين هذه الصفات وبين مشكلة الشر، ومن بين هؤلاء نجد القديس سانت أوغسطين. ربما يجد الباحث في مشكلة الشر عند القديس أوغسطين بعض الصعوبات في تتبع مسارها عبر مختلف كتبه، فالقدّيس أوغسطين لم يتطرق إلى هذه المشكلة من ألفها إلى يائها في كتاب معين، بل نجدُ له شذرات هنا وهناك، فبعض أجزاء هذه المشكلة نجدها في “اعترافات القديس أوغسطين” وأخرى في كتاب “مدينة الله” وأخرى في كتاب “دليل الإيمان والأمل والحب الإلهي” وأخرى في محاورة “في حرية الإرادة”…

يذكر القديس أوغسطين في اعترافاته أنه انشغل منذ مراهقته بمشكلة الشّـر بعد أن اكتشف عالم الفلسفة بفضل مطالعته كتب شيشرون وقرأ الكتاب المقدس أيضاً، والذي وجده ركيكاً إذا ما قورِن بكتب شيشرون. وتفكيره في الشر نغّـص نهاره وأرّق ليله وبات لزاماً عليه أن يجد إجابةً مرضية تُريح كهله من عذاب السؤال ومشقة البحث العقيم. ولعل هذا هو ما دفعه في بداية حياته إلى أن يعتنق مذهب المانوية التي يؤمن أصحابها أن العالم خُلق من مبدأين؛ مبدأ الظلام أو الشر، ومبدأ النور أو الخير، خاصةً أن هذا المذهب قدّم حلاً لمشكلة الشر يتجلى في إنكار كلية القدرة عن الله. وقد قضى أوغسطين تسع سنواتٍ منتمياً إلى هذه الطائفة، وكان في نفس الوقت يستمعُ لعظات القديس إمبروزيوس التي كانت معظمها تدور حول شروح الكتاب المقدس والرّدود على المانويين وغيرهم من المبتدعة، فوجد أن الكاثوليك أكثرُ عرضاً ودفاعاً عن الكتاب المقدس فتراخت علاقته بالمانويين خاصة في فكرة وجود إلهين والتي تتعارض مع الكتاب المقدس « إن أول الوصايا هي اسمع يا بني إسرائيل: الربُّ إلهنا إلهٌ واحد». وهكذا قطع صلته مع المانوية واعتنق المسيحية ثم صار لاهوتياً مبرزاً وعلماً من أعلام الكنيسة الكاثوليكية، وبدأ هو أيضاً يحاربُ نحلة المانوية باعتبارها بدعةً خطيرة على المسيحية. ولكنه رغم ذلك كان لايزال يبحث عن تفسيرٍ للشـر بعيدا عما يعتقده المانويون، وهذا ما صوّره قائلاً: « لكني، لو كنتُ إلى ذلك الحدّ أقول وأعتقد جازماً، أنك لا تقبل بتاتاً الدّنس والتحول، ولا التغير في أي جزءٍ من أجزائك، مولانا، أيّها الإله الحق الذي خلقتَ لا فقط أرواحنا بل أيضاً أجسامنا، ولا فقط أرواحنا وأجسامنا، بل كل المخلوقات والأشياء، فمع ذلك لم أكن أملك تفسيراً لسبب الشر، فمهما كان مصدره، كنت أرى وجوب البحث عنه، حتى لا أُكبّل به فأرى الإله اللاّمتغير متغيراً (…) لذلك كنتُ أبحثُ عنه آمناً واثقاً من عدم صحة ما كان يقول المانويون الذين كنت هارباً منهم بكل جوارحي لأني كنتُ أراهم في البحث عن الشر مليئين بالمكر حتى أنهم كانوا يعتقدون أن جوهرك يتحمّل الشر، عوضَ أن يقولوا إن جوهرهم يرتكب الشـر».

هكذا يبدو أنه حتى بعد أن اعتنق المسيحية، لم يجد القديس أوغسطين بعد تفسيرا مرضيا لوجود الشر يتوافق مع تصوره للإله، « ها هو الإله، وها هي خليقة الإله، والإله طيبٌ، وهو أفضل منها كأقوى ما يكون وأبعد، لكن مع ذلك فالطيّبُ ما خلقها إلا طيبة: وهو على ذلك النحو يسعُها، ويملؤها، إذن أين هو الشر، ومن أين يتسرب إلى هنا وكيف؟ وماهي جذوره؟ وماهي بذرته؟ …». ظل أوغسطين يتساءل فاطّلع على حلول الأقدمين وفحصها ثم وجدها غير مقنعة بل أكثرها ينقص من كمال الله، فمثلا القول بأن أصل الشر هو المادة لم يقنع أوغسطين فالمادة هي من خلق الله الطيب والطيب لا يخلق إلا طيباً. وحتى إن سلّمنا بأن المادة هي أصل الشر، « ألم يكن في مقدوره وهو كلي القدرة أن يشكل المادة ويحولها بحيث لا يبقى فيها أثرٌ لشر؟» ـ يتساءل أوغسطين ـ وكانت هذه التساؤلات تقضّ مضجعه وتدور في قلبه الشقي المثقل بالهموم كقطع حادة من الزجاج، يا لها من آلامٍ وحسراتٍ كان يعيشها القديس أوغسطين جراء غياب الحق والحل الشافي، آلامٍ، فيما بعد، ستُنتِــج حلولاً ناقصة/مشوّهـــة! تقدم أوغسطين في بحثه عن تفسيرٍ للشر فوجد، كـحلٍّ أول، أن هذا الشر ليس جوهريا ولا وجود مستقل له وإنما هو مجرد انحراف للإرادة عن الجوهر الأسمى (الله)، وهو كالمرض بالنسبة للصّحة.

هكذا أنكر القديس أوغسطين الوجود الجوهري للشر تماشياً مع مذهب الأفلاطونية المُحدثة التي ترى بأن الشر نقصانٌ وافتقارٌ للخير وأن الله وحده هو الخير الأفضل والأسمى، ولئن ثمة كائنات غير الله فهي بالضرورة كائنات ناقصة والتي من بينها البشر المعرضون للفساد والشر. يطلق جاريث ب.ماثيوز على هذا الحل اسم: ” حل النقصان”. ويعرض أوغسطين هذا الحل في كتابه “دليل الإيمان والأمل والحب الإلهي” قائلاً: « أما جميعُ الموجودات التي توجد، نظراً لأنها قد نشأت عن إله كلي الخير والصّلاح، فهي بعينها خيّرة. لكن بما أنها لا تشبه خالقها فإن خيرها يفتقرُ إلى السمو والثبات، ويصيرُ من ثم عرضةً للزيادة والنقصان». يعرض القديس أوغسطين في الكتاب الحادي عشر من “مدينة الله” حلاً آخر يسميه جاريث ب.ماثيوز بـ “حل ضرورة التباين” . يقول: « بيّنٌ أنّه لو لم يُخطئ أحدٌ في هذا العالم، لصارت الدّنيا ملأى بالكائنات الخيّرة.

ومع ذلك فإن التسليم بحدوث الخطيئة ليس معناهُ أن الكون كله ملؤه الخطيئة، طالما أن العدد الأكبر من الأجسام السماوية بسير بطبيعته وفقاً للنظام الذّي جُبل عليه؛ وأن الإرادة الشريرة التي رفضت الامتثال للنظام ما كانت لتفلت من النواميس التي يحكم بها الله سائر مخلوقاته. ولمّا أن صورةً ما قد تكون جميلة برغم ما يشوبها من بقعٍ سوداء في أجزاءٍ داكنةٍ منها؛ فإنه يمكننا القول على التكافؤ التام بأن الكون كله، بما ينطوي عليه من أُناسٍ خطائين، جميل شريطة أن ننظر إليه بوصف وحدة كلية لا تتجزأ، وذلك على الرغم من قبح هؤلاء الخطائين أنفسهم إذا ما نُظر إليهم على حدة». فجمال العالم كله يتجلى في ذلك التناغم والتناسق بين الخير والشر في إطار وحدة كلية مثل صورة بها مساحات داكنة وأخرى مضيئة، ويجب، حسب أوغسطين، أن تكون نظرتنا للعالم كلية لا جزئية لأن النظر الى كل شيء على حدة لا يمكن إلا أن يقودنا إلى استنتاجاتٍ خاطئة وظالمة. كمثالٍ على هذا، ونجدُه في رواية “اسم الوردة”، عندما دخل الراهب غوليالمو دي باسكرفيل مكتبة الدير التي هي على شكل متاهة، لم يستطع أن يحل سرّها من الداخل لكنه بعد أن نظر إليها من الخارج استطاع حل السرـ هذا ما لاحظه تلميذه آدسوـ فردَّ عليه غوليالمو:’’ كذلك هي معرفة الرب للعالم، لأنه تصوّره في عقله، قبل خلقه، فكأنه من الخارج، بينما نحنُ نجهل قاعدته لأننا نعيشُ بداخله ولأننا وجدناه مهيأً‘‘.

يمكن اعتبار الهدف من هذا الحل (ضرورة التباين) ليس سوى محاولةٍ للتماشي أو لتدعيم حل النقصان. هناك حل آخر يعرضه القديس أوغسطين ولعله الحل الأكثر إرضاءً والأكثر جديةً، حيث يفسر وجود الشر بحرية اختيار الإرادة الإنسانية، وقد عولج هذا الحل كثيرا في الفلسفة المعاصرة خاصة في مؤلفات “ألفن بلانتينغا” تحت اسم “الدفاع بحرية الإرادة” . إذ يؤكِّــد أوغسطين أن وجود الشر في العالم راجعٌ إلى حرية اختيار الإرادة الإنسانية، فالله قد منح للإنسان حرية الاختيار ومثلما يفعل الخير يفعل الشر أيضاً، فآدمُ عصى الله وأكل من شجرة الخير والشر مؤكداً على حريته، هكذا هي الشريعة الإلهية.

وحقيقة وجود كائنات أخلاقية خلقها الله تقوم بالخير والشر معا، هي في رأي أوغسطين حقيقة خيرة لأن لولاها لكان الإنسان كأيٍ من المخلوقات الأخرى، يقول القديس أوغسطين: « ولمّا أن فرساً ضالاً هو أفضلُ من حجرٍ لا يضل، ما دام الحجرُ لا يملك من أمره حركةً ولا إدراكاً، فإن الكائن الذّي يُخطى بملء إرادته الحرة هو أفضلُ من الكائن الذّي لا يخطئ البتة لأنه يفتقرُ إلى الإرادة الحرّة». لكن القديس أوغسطين نفسه عندما تحدث عن الفردوس في الكتاب الثاني والعشرين من “مدينة الله” قرر أن البشر لن يقترفوا الآثام في الجنة وفي نفس الوقت سيحتفظون بحرية الإرادة! حيث أن « إرادتهم سوف تصبح في الفردوس أكثر حريةً من بعد أن تبرأَ من شهوة الخطيئة، وتتشبث بعدم اقتراف الخطيئة»، فهذه الإرادة في الفردوس سوف تكون أكثر ثباتا على الحق. وقول أوغسطين بهذا يضعُ كل ما قاله سابقا عن حرية الإرادة، كتفسير للشر، موضع شك وتساؤل ونقد، إذ لما كان الأمر على هذه الشاكلة فلماذا لم يخلق الله البشر على الأرض بمثل هذه الإرادة وبالتالي نتجنب كل هذه الشرور؟! هذا هو نفسه التساؤل الذّي طرحه جون ليزلي مكّاي وآخرون غيره في خمسينيات القرن العشرين والذي مهد للجدل الفلسفي المعاصر لمشكلة الشر؛ « لئن كان الله قد خلقَ في الإنسان إرادةً حرة تُقضّل أحياناً ما هو خير وتميلُ أحياناً أخرى إلى ما هو شرير، فلماذا لم يتمكن من أن يخلقَ الإنسان بحيثُ يجعله يميل بملء إرادته الحرّة إلى اختيار الخير؟» . وهذا هو المأزق الذي تعرض له القديس أوغسطين والذّي لا نعرف كيف سيستطيعُ الإجابةَ عنه على نحوٍ يحقق الإقناع المنشود. وخير ما نختم به هو تساؤلٌ في نفس السياق، طرحه دوستويفسكي، يحتاجُ كل إنسانٍ أن يُجيب عنه بصدق عميق: «لو كنتَ مهندسَ المصائر الإنسانية وأحببتَ أن تبني عالماً تجدُ فيه الإنسانية السعادة والهدوء والأمن أخيراً، أَفتشرعُ في هذا العمل إذا علمتَ أنه لن يتحقق إلا إذا كان العذابُ ثمنه، ولو لم يكن إلا عذابُ إنسانٍ واحدٍ صغيرٍ بريء هو مثلاً تلك الطفلة التي كانت تلطمُ صدرها بقبضتي يديها؟ لو كان البناء لا يمكن أن يقوم إلا على تلك الدموع التي لا فدية لها تذرفها تلك البنية الصغيرة، لو كان ذلك ضرورةً لا مناصّ منها ولا يمكن أن يتحقق الهدف بدونها، أَفتظلُّ توافقُ على أن تكون مهندسَ الكون في تلك الشّروط؟».

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر و المراجع التي اعتمد عليها، أو اقتُبس منها، لكتابة هذا المقال:

– أوغسطين، اعترافات القديس أوغسطين.

أوغسطين، مدينة الله. – دوستويفسكي، الإخوة كارامازوف، ج ٢، تر سامي الدروبي.

– إمبرتو إيكو، اسم الوردة، تر أحمد الصمعي.

– جاريت ب.ماثيوز، أوغسطين، تر أيمن فؤاد زهري.

– إنجيل مرقس.

1xbet casino siteleri bahis siteleri