حقيقة الحقيقة وذاتية الإنسان

100

البحث الموضوعي مفض إلى الحقيقة، ولا يكون كذلك إلا إذا تجرد الإنسان فيه من كل دوافعه النفسية وأهوائه وميولاته وما يحب وما يكره حتى تجد غيابا تاما لذاته بين فقرات البحث؛ فالذي يبحث يصل إلى الحقيقة، لكن قبل ركوبك أمواج البحث والخوض في غماره يجب عليك التحلي بعنصر أقوى في استخلاص الحقيقة على ما هي عليه وأقصد هنا الشجاعة في الإقبال والتقبل لهذه الحقيقة، إذ الشجاعة عنصر مهم في الكشف والدرع الواقي لك كي لا تفزعك أو تهولك أو تصدمك حقيقة الحقيقة وبافتقاد هذا العنصر يجعل كل من راودته فكرة البحث للوصول، في منأى عنه فاكتفى الناس بما يروج ويشتهر حتى لو كان في غالب الأحيان هراء أو سخافة أو وهما؛ لأن هذا الأخير خصوصا مريح لكثير من العقول عن تجشم عناء وكلفة وضغط وتبعة وضريبة اقتناص الحقائق من أكوام الأوهام، فيلجؤون حينها إلى صبغ الخزعبلات والخرافات الرجعية بصبغة الحقيقة المطلقة وإعطائها الرمزية في ذلك لتظل متجذرة في النفوس على أنها كذلك وهي ليست كذلك، ولتضم إلى كم هائل من التراث بشقيه المادي واللامادي والذي هو الآخر صبغ بهذه المنهجية حتى أصبح كل منقب عن إعادة النظر فيه أو حتى محاولة فهمه أو استيعابه نشازا على الطريقة، وملعونا لأنه أثار العقول ونفض عنها الغبار وحررها من ربقة الخرافة التي ألبست بثوب الحقيقة دون عناء أو ثقل.

إن الذي يوثر الوهم المريح على الحقيقة المرة، والركود على الركوض، يضع بكل هذا علامة على عقلية فاشلة اجترارية لخلاصات السابقين ونتاجاتهم في كل ميدان حتى حصر البحث عن الحقيقة في لجان تسمى بتقصي الحقائق، وانغرس في أذهاننا ذلك فلا يمكن لأي عنصر التشكيك في نزاهتها لأنها هي من تملك الحقيقة والآخرون متفرجون، وفي رأيي هي من تصنع الحقيقة الزائفة لامتلاكها السيادة على وسط يسود فيه النوم والسبات الفكري والتسليم للجاهز، لإقصاء مهمة الإنسان في هذا الوجود ولو تأسى هؤلاء الموتى بقول أحد علماء الفيزياء مع جرأة شديدة في هذه المقالة لكان أفضل لهم من عار الجهل يقول: “لو وقفت أمام الله -الله حسب تصوره هو- ووجدت على يمينه الحقيقة الكاملة وعلى شماله البحث الدائم عنها لا جثوت على ركبتي وقلت ربِ أعطيني ما في يسراك فإن الحقيقة الكاملة لا تليق إلا لجلالك.”

فإذا كانت معرفة الحقيقة حقا طبيعيا لدى الإنسان، فإن عنصر الشجاعة لا يقل أحقية عنها؛ سواء شجاعة الاقتحام والبحث أو شجاعة الاستمرار والمواكبة أو شجاعة إخراج هذه الحقائق للوجود، فلا بد إذا أن نقف هنا وقفة تأملية واعتبارية أمام مناهج الأنبياء خيرة مخلوقات الأرض، نظرا لتجسد لكل هذه الخصائص في كشفهم للحقائق سواء المنهج الإبراهيمي المبتدأ بالسؤال المقوي لدعامات اليقين الفطرية والتأمل بمحض المفطور على رد الخلق للخالق بعد إزالة الغطاء عن أم الحقائق في هذا المنهج، لتظهر ساطعة أمام أعين عشقت العيش في الظلام ولم تأنس بضياء الحقيقة.

وعلى نفس المنوال صار المنهج الموسوي المملوء إسرارا على إظهار الحقيقة والشجاعة في تحمل تبعاتها رغم أنه تربى في قصر مظلم وتقلب في نعمائه وفرشه ليكون فجرا مضيئا بين ثنايا الظلمة الحالكة.

إن منطلق البحث عن الحقيقة لا بد أن ينطلق منا وإلا كانت الحقيقة ناقصة ولا تفي بالغرض الأول، الذي هو التحرر من الذاتية الفردانية التي ننسحب إليها كملجأ عند العجز عن تصور الوقائع وربطها بالنتائج والأسباب، فلا نستكين ولا نستسلم أمام هذا العجز لتكون النتائج ذات فاعلية وعلمية مشبعة بالقيم الروحية وبالرغبة في المعرفة وتفهم الأشياء. ما دامت الحقيقة مصيرا للإنسان ونورا يستنير به فلا بد أن تؤسس على الصواب، وبهذا الصدد يقول أرسطو: “نحن نتثقف بالأشياء التي لا تعرف الكذب وهذه الأشياء نلقفها بجهد الفكر فصحيح أن من هو بلا خبرة هو في الظل.”

إن الخبرة هي حياة الفكر ويقظة وقدوم للروح، وهذا يعطي الفكر قابلية أن ينكشف لنفسه حالما يتصل بالعالم الذي يراقبه كي يقوم الفكر بدوره أمام الأشياء المعطاة. دور الفكر إذا هو أن يبرز القيم ويجسدها في حياتنا اليومية فيحاول تحصيلها لنفسه مؤكدا أنها الحقيقة.

1xbet casino siteleri bahis siteleri