الدنيا: وهم أم حقيقة؟

بعد تعب يوم طويل، جلست قليلا لألقي نظرة على مستجدات مواقع التواصل الاجتماعي، لأصادف منشورا لطبيب يحكي بخطى قلم واضح وجاد عن تجربته في دخول مستودع أموات مصحة، حيث أغلق الباب وأحكم إغلاقه واستلقى في المكان المخصص لوضع الميت فاجتاحه شعور بأن الوقت لا قيمة له وأن العالم الخارجي مجرد وهم، وأرفق ما خط بصورة تملؤها الظلمة والعتمة، لا تستطيع أن ترى فيها شيئا حتى تمعن النظر جيدا فتلمح سرير مريض أو ربما هو مكان الميت الذي تحدث عنه، أطلت النظر في الصورة وبقيت تلك الكلمات تترنح من شمال ذاكرتي إلى جنوبها، أحاول فهم الشعور الذي تحدث عنه.

قرفصت وضممت رجلي إلى صدري وضعت هاتفي جانبا وبدأت أستحضر كل ما ادخرت وما علمت وتعلمت في الأيام السالفة عن هذا الموضوع، وأطلت في الأسئلة التي أسقطتها سقوطا مباشرا على مخيلتي حتى عميت عن اختيار الأجوبة، تساءلت هل فعلا الدنيا بكل ما فيها وبكل المراحل التي نمر منها وفصول العمر الثلاثة وليلها ونهارها وصيفها وشتائها مجرد وهم؟ وإن كانت الدنيا وهما فهل الموت هو الحقيقة أم أن الموت هو فقط المدخل الرئيسي نحو عالم الحقائق الأكبر؟

وسرعان ما بدأت تتراقص أمام فكري بعض الأفكار التي استوردتها سابقا إما من كتاب الله أو من بعض الكتب والأفلام الوثائقية لأشخاص فيهم من لا زال حيا وفيهم من رحل لدار الحقيقة، حاولت أن اقتنع ببعضها كإجابات وأترك ما استفهمت كحجة للبحث عن المزيد، فأول شيء زار مخيلتي عن كون دار الفناء مجرد وهم، قوله تعالى في كتابه الحكيم: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا} [الكهف: 45]. شبه المثل القرآني الحياة العاجلة بالدورة الزراعية، التي دائما تبدأ بقطرات من غيث الماء، ثم تؤول وتنتهي بالهشيم من الزرع اليابس، الذي تطير به الرياح، فتذروه في الهواء، كأن لم يكن يوما مذكورا.

الحياة الدنيا إن لم تعتبر وهما فهي قرينته؛ فالوهم مفرد مفعم بالشك وانعدام المساواة فهو عدم وخيال ولد بدون شيء معتم يعكسه، وبدون مصدر نور وضوء ويفتري على الموجودات بأنه حقيقة، والحياة الفانية مثله تماما وإن أرفقتها بهذا التعريف يصح معها، فهي زائلة مهما طال الزمن، ووقتها بخيل جدا كأن عقارب الساعة فيها يطارد أحدهما الآخر وأحيانا يخيل إلي أن الدنيا الأولى تجري كعداء ماهر نحو الآخرة الباقية.

وهناك فكرة -هي الأخرى أقرب لنباهتي- كون الدنيا مجرد دار نكتريها ونسكنها في مرحلة حياتنا هذه ريثما يحين الدور ونسافر السفر الأكبر، ونهيء فيه أنفسنا بكل ما استطعنا إليه سبيلا كي ندخل يوما عالم الحقيقة بثياب مجملة بالعمل الصالح وقول الحقيقة واجتناب الكذب وما إلى ذلك من الأخلاق والقيم المستنيرة النبيلة، وكي ننجح بكسب هذه الثياب علينا أن نعيش حياة حقيقية كي نقوى على الاستيقاظ كل يوم بدافع التعلم واكتساب مهارات وأشياء تنير دروب العقل، ونعمل بجهد ونستريح بطيب خاطر ونبتسم برضا وننام على أمل تحقيق أهداف الغد والمستقبل، ونذكر نفسنا من حين لآخر بكونها وهما كي لا نتبع تيارات خاطئة ونستمر هكذا حتى يحين وقت الذهاب، وفي نفس السياق تذكرت مقولة عن جدة قريبة من روحي قالت لي يوما: “كلما ضاقت بك الدنيا، افسحي هذا الضيق بتذكر الآخرة، وكلما تكبرت وطغيت تذكري أيضا وجود الآخرة.”

1xbet casino siteleri bahis siteleri