الإنسان ابن بيئته

0 7٬220

الإنسان ابن بيئته.. وما أدراك ما بيئة السكانديناڤ.. أحفاد الفايكينغ في القوة والعمل وعزة النَّفْس ثم أبناء المفكرين والشعراء والمخترعين، الذين تعاملوا بطريقة نقدية مع الموروث الڤايكنغي السلبي الهدام والدامي المتوحش والمدمر، عكس ما فهمه بعض إخواننا المتتبعين لبعض المسلسلات الاستهلاكية…ومع كل هذا الزخم التاريخي والموروث الحضاري والثقافي فإن ما يسري هنا يجسد مقولة: ‘‘الفتى من يقول ها أنا ذا وليس كان أبي!‘‘

السكانديناڤ حسب الكثير من الدراسات والتقارير التي مررت عليها في الماضي من أسعد الشعوب في العالم، ويتجلى ذلك في البلاد والمدن والأحياء والأزقة والزقاق، رجال ونساء يبدعون في الحياة والعمل وأوقات الفراغ، متميزون في التعامل مع الغير ولديهم حس عال فيما يخص فن التواصل.

يقدسون الطبيعة ويحتلون المراتب الأولى عالميا في المحافظة على البيئة. “سيدي.. هل تحتاج فعلا إلى الفاتورة؟” جملة ترددت إلى مسامعي عدة مراة في الفندق والمقهى ومحل البقالة.. بل وحتى عند شراء تذاكر القطار والمسرح؛ إذ يكفي أن تري للمحصل نسخة إلكترونية للحجز على هاتفك الذكي، فذلك يفي بالغرض؛ لأن طبع الفاتورة على الورق معاد للبيئة.

يقدسون العلم والتعلم ويبدعون في طرق تيسيره للتلاميذ والطلبة وأكبر مثال على ذلك كون أم الجامعات السكاندنافية تتواجد بمدينة غير بعيدة عن ستوكهولم، عاصمة السويد ونبض حياة المدينة غير الصغيرة يدور حول الجامعة والعلم.. وقفت في زيارتي أمام بناية كبيرة تشبه كثيرا مباني القصور، لكن سرعان ما اكتشفت أنه ليست البناية بقصر أمير ولا بقلعة سلطان أو بمقر سفير ولا ببلاط ملك.

إنها المكتبة، وما أدراك ما المكتبة.. دار العبادة العلمية، حيث لا شيء أقدس من العلم والتعلم.. طالب العلم فيها مدلل وحول راحته يدندن بضم الياء وفتح الدال.. يطلب كتابا فيجيء له بعشر، يحتاج إلى مكان للمذاكرة فيشيد له البنيان، يحتاج لقسط من الراحة فتعبد له الطرقات للتنقل في نزهات، تغرس له الأشجار في الحدائق وتقام له الحفلات.

هنا مدينة Uppsala، هنا السويد، هنا المدينة الجامعة تحت سماء مفتوحة لا تعرف السور أو الحدود.. وسيلة النقل الرسمية هي الدراجة الهوائية وكفى بها وسيلة.

يقدسون مقولة “العقل السليم في الجسم السليم” فترى الحدائق والشوارع والطرقات بها ممرات بالكيلومترات خاصة بالتنقل على الأقدام، وأخرى بالدراجات الهوائية وتعطى لهم الأسبقية والأولوية، لسان حالهم يقول لا خير في جسم لا يعرف الرياضة. لا توجد ساعة في اليوم تخلو فيها المدينة من شباب وكبار بل حتى الكهول وهم يمارسون الرياضة.

يقدسون الديمقراطية وحرية التعبير والتجول والتجمع وحتى العزف على آلات الموسيقى والغناء والرقص في الشوارع والأماكن العامة. التسول عند البعض عمل بعرق الجبين يمتع المارة بقطعة موسيقية أو بشعر أو بغناء.. لكني اكتشفت كذلك أن المسألة سلاح ذو حدين؛ إذ استغل بعض الوافدين الجدد من أوروبا الشرقية “سذاجة” هاته الحرية المطلقة لتحقيق مآرب أخرى.. لكن المسألة لا تعدو تمثل أقلية قليلة مع ظهورها المتنامي في وسط المدن الكبرى، حيث تشكل المسألة تلوثا سمعيا وبصريا يشمئز منه السامع والناظر.. لا يعدو الأمر أن يكون أكثر من ضريبة الديموقراطية والكل يهون في سبيلها.

هذه نبذة صغيرة على ما رأته عيناي خلال زيارتي للبقاع مع تفادي الدخول في تفاصيل أخرى سلبية، لأن الهدف من هذا المقال ليس تحليل المجتمع وقيمه، بل فقط إعطاء نبذة صغيرة على بعض الجوانب الجميلة من كوكب السكانديناڤ..والهدف الأسمى وراء هذا كله هو تقريب صورة بلد وصل إلى مستوى معيشي غير مسبوق، السبب أو الشرط أو المقوم الأساسي في سبيل وصول بلدان مثل المغرب إليه ليس هو التقليد في اللباس والمشي والمقاهي والملاهي وما إلى غير ذلك، بل هناك طريق واحد وهو طريق العلم والتعلم وتطوير المهارات الشخصية لموارده البشرية منذ نعومة الأظافر.. غير ذلك لن يكون حالنا إلا صورة ممسوخة ومشوهة من المجتمعات التي تفننا في تقليدها شكلا لا مضمونا.

1xbet casino siteleri bahis siteleri