أزمة الثقافة في عصر الحداثة

594

إننا اليوم، في عصرنا الحالي، نعيش مجموعة من التحولات التي شملت شتى الميادين وجميع المجالات، بما فيها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وكذلك الأخلاقية والثقافية. وفي خضم كل هذه التغيرات والتحولات، شهدت الثقافة والأخلاقيات تأثرا واضحا وملموسا انعكس على سلوكيات الأفراد وعلى الأمة أجمع حتى غدا وقتنا الراهن عصر الأزمة الثقافية والأخلاقية بامتياز! لكن، كيف استطاعت العوامل الخارجية التأثير على هويتنا وثقافتنا والتغلغل إلى أخلاقنا؟ وكيف يمكننا اليوم التصدي لها؟ وأما كان لنا أن نحلم بواقع أفضل؟ وهل من حلول واقعية لمواجهة الأزمة الثقافية والأخلاقية الراهنة؟

يقصد بالثقافة مجموع المعارف والمكتسبات والأفكار التي ينشأ عليها الفرد ويكتسبها طوال مسار حياته والتي لها التأثير المباشر في تكوين شخصيته واتجاهاته وقيمه وأفكاره ومبادئه. بل إنها أحد الأطر المحددة لوجوده وماهيته وكذلك لمستقبله. قد يكون التحديث والانفتاح على مختلف الثقافات إيجابيا من أجل تلاقح الأفكار وتبادل المعارف والخبرات. لكن، إن لم يكن التحديث مضبوطا وبوعي، قد يكون مهدا خطيرا وسبيلا للانحطاط التربوي والأخلاقي خاصة عندما تتعارض مع المبادئ والقيم.

إن الثقافة والأخلاق والقيم والمبادئ هي الأساس الذي يقوم عليه الأفراد والمجتمعات والأمم والشعوب. بل إنها أحد معايير تصنيف الشعوب. وقد صدق أمير الشعراء أحمد شوقي حين قال:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت *** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

غير أننا في عصرنا الحالي، تتعرض أخلاقنا وثقافتنا ومبادؤنا ;هويتنا لضغوطات جمة. فمن جهة، يعتبر وقتنا الراهن عصر الرقمنة والمواقع الافتراضية. إذ أصبحت لا بد منها من أجل مواكبة الحياة! إذ لا يكاد يستحيل اليوم أن يخلو منزل من تلفاز أو أن لا يتوفر شخص على هاتف أو أحد وسائل الرقمنة الحديثة! إنها شر لا بد منه! فإذا لم يعرف المرء كيفية تعامله معها وتقنينها وضبطها، صارت وسيلة لنقل التفاهات وسبيلا غير مباشر لتبني مجموعة من الأفكار الدخيلة التي قد لا تتوافق مع القيم والمبادئ. ومن جهة أخرى، أضحى عالمنا قرية صغيرة منفتحة بعضها على بعض في إطار ما لقب بالتحديث والحداثة. فثقافة اللباس والعادات والتقاليد ونمط الحياة أجمع تأثر بما لقب بالحداثة! بل صار رهينا وتابعا للثقافة الخارجية الدخيلة حتى أنه صار في بعض الأحيان يطرح السؤال: هل هذه هي الحداثة والتقدم أم أنها تخلف ورجعية؟

فالحداثة تقتضي التأثر بما هو إيجابي وفي النطاق المشروع به الذي يتوافق مع القيم والمبادئ من أجل التقدم والسير قدما نحو الأمام ونحو التغيير الفعال من أجل إرساء مجتمع سالم وسليم! فإذا كانت الحداثة تتنافى مع الأخلاق وتتعارض مع القيم والمبادئ شكلت بذلك خطرا وتهديدا على الفرد وعلى الأمة جمعاء!

ولمواجهة عدوى انتشار الأفكار الدخيلة المتنافية مع أخلاقنا ومبادئنا، لا بد من استئصال المرض من جذوره. إذ إنه اليوم، صار النهوض بقطاع التربية والتعليم ضرورة قصوى وحاجة ملحة. فهذا القطاع محدد أساسي في تكوين شخصية الفرد. ولا بد من تعزيز دور الأسرة والنهوض بها. فرقابة الوالدين والتوجيه والنصائح المستمرة تلعب دورا أساسيا ومهما في بناء الطفل وتقويم سلوكه وحسن تربيته على الأخلاق النبيلة والقيم الفضيلة. ولا بد من تشجيع الأطفال منذ الصغر والشباب على القراءة والمطالعة من أجل توسيع المدارك والثقافات. ولا بد للأطفال والشباب من حسن تدبير أوقات الفراغ بالرياضة وغيرها من أجل الانتفاع بها عوض جعلها منافذا لتغلغل الأفكار الدخيلة. وقد صدق الإمام علي بن أبي طالب حين قال:

الأدب لا يباع ولا يشترى *** بل هو طابع في كل من تربى
فليس الفقير من فقد الذهب *** إنما الفقير من فقد الأخلاق والأدب

1xbet casino siteleri bahis siteleri