البوزيترون (1) (مضاد المادة ANTIMATTER)

90
تكلمنا عن السيدة فرانسين التي خضعت للمعالجة بتعديل جيناتها ومعالجة مرض خطير عندها، هو فرط الكولسترول العائلي ورحلة المعالجة تبدأ مع الفيروسات وما أدراك ماهي؟ ثم ماهي الجينات؟
هذه الفيروسات هي المعروفة بــالريتروفيروس RETROVIRUS وتعني الفيروس القلوب أو العكوس. أي سر يكمن في هذه الفيروسات؟ وكيف سُخِّرت في الجراحة الجديدة؟
لابد أولاً قبل معرفة التقنية الجديدة، في هذه الجراحة الدقيقة، معرفة حقل تأثير هذه الفيروسات.

قبل سنوات انطلقت الولايات المتحدة الأمريكية في مشروعٍ يعتبر أهم من مشروع ناسا لارتياد الفضاء وأنجزته مع مطلع القرن، وهو أهم من مشروع مانهاتن للسلاح النووي في لوس آلاموس الذي قاد الولايات المتحدة، لتصنيع قنبلتها الذرية الأولى، هذا المشروع هو HUMAN GENOM-PROJECT أي مشروع المورثات الإنسانية، لفك شيفرة الخلق الأولية، المضغوطة في قلب نواة الخلية، لمعرفة اللغة التي كتبت فيها، وفك سرها المخزون.
لقد وصل العلم إلى معرفة أن كل قطعة من تركيب بدننا، سواء شعرة أو عظماً، جلداً أو نسيجا من العضلات، الهورمونات أو الأنزيمات، الأنسولين أو الثيروكسين أو خضاب الدم، يتكون من سلاسل طويلة أعدت بعناية فائقة وبدون أي خلل، من مجموعة هائلة من الكلمات الأولية التي هي أحماض أمينية. كلها مكتوبة بلغة خاصة، تماماً مثل المقالة التي بين يديك.
المقالة مكونة من فقرات، الفقرة من كلمات، كل كلمة مكونة من مجموعة متصلة من الحروف الأولية التي تشكل لغة التخاطب والتفاهم، وأي خلل في حرف، سواء تغيير أماكن الحروف، أو سقوطها، أو زيادة بعض الحروف؛ يؤدي إلى تغيير خطير في معنى الكلمة سلباً أو إيجاباً، أو حتى إلغاءً فليس لكل كلمة معنى!! وكل زحزحة في مكان الكلمة يؤدي إلى قلب في معنى الفقرة؛ فيصبح الثناء شتيمة، والشكر إهانة.
لنرى تطبيق ذلك: كلمة حرب خطيرة، وهي من ألعن علاقات البشر بعضهم ببعض، وسقوط حرف منها مثل الراء يعني حب وهي من أجمل وأقدس العلاقات الإنسانية، كل ذلك تم بحذف أو إضافة حرف واحد لكلمة واحدة.
وكلمة فكر من أرفع العمليات العقلية الإنسانية، في حين أن كلمة كفر من أتعس حالات الوجود الإنساني، بسيطرة العبثية، وفقد الغائية والجمال والبرمجة في الكون، وكلا الكلمتين مكونتين من ثلاث حروف (ف + ك + ر).
والذي يحدث في التراكيب البدنية قريب من هذا.
ففقرة الإنسولين المدهشة مكونة من 51 كلمة مصبوبة في بيتين رائعين من الشعر الجميل!! البيت الأول مكون من 20 كلمة ، والبيت الثاني مكون من 31 كلمة. ويفترق إنسولين الخنزير عن إنسولين البشر بكلمة واحدة فقط في نهاية البيت الثاني! في حين أن أبيات مدح العجل تختلف بثلاث كلمات، اثنان في البيت الأول، وواحد في البيت الثاني.
لقد عرف أن الإنسولين يتكون من سلسلتين من الأحماض الأمينية تربط بينها جسور كبريتية مضاعفة، وقد أخذت جهداً من العالم سانجر بلغ عشر سنوات حتى استطاع معرفة تركيبها تركيب كلمات الأحماض الأمينية، ويختلف تركيب إنسولين الإنسان عن إنسولين الخنزير بالسلسلة الثانية، بفارق حمض أميني واحد، في حين يختلف العجل بثلاثة أحماض أمينية. ومن هنا ندرك أهمية جراحة الكروموسومات الحديثة التي توصلت إلى إنتاج الإنسولين البشري بهذه التقنية الحديثة.
والآن في سوق عكاظ الشعري هذا، من هو الشاعر البليغ المبدع هنا، الذي يلقي بهذه القصائد الخالدات؟
لقد عرف أن المبدع هنا هو كائن هش غريب الشكل، يجلس بكل رفعة على عرش نواة الخلية إلا أنه مصغر إلى عشرات الآلاف من المرات، مضغوط في أصغر حيز ممكن، مخبأ في حرز أمين داخل نواة الخلية، وفي شكل زوجي بلغت 23 زوجاً سميت لشدة أخذها الألوان بالـالصبغيات، وضمن هذه الكروموسومات أو الصبغيات، تم ضغط قرابة ثلاثة مليارات من فقرات من كلمات الخلق، بلغة سرية عجائبية لا تزيد عن أربعة حروف. ويتكون الكود الوراثي الذي يرمز له اختصاراً (د . ن . ا ) من ثلاثة مليارات حمض نووي، حيث يشكل كل تجمع أو تسلسل ما عرف باسم الـجين؛ مجموعة من الأحماض الأمينية النووية المسؤولة عن إرسال أوامر تشكيل أشياء بعينها في الجسم من هورمون أو إنزيم أو تركيب كيمياوي أو نسيج عضلي أو خضاب دموي، ولغة الإرسال من الحامض النووي تتكون من أربعة كلمات فقط، هي أربعة أحماض أمينية، هي: الأدنين، والسيتوزين، والجوانين والثيمين، فهي لغة من أربعة حروف كما نرى، في حين أن لغة الاستقبال، أي تلك التي يتشكل منها الجسد تعتمد حوالي عشرين حمضا أمينيا، بهذا فاللغة هنا ذات 24 حرفاً، وأما التشفير، أي كيف تترجم اللغة الأولى إلى اللغة الثانية فإنها تعتمد ثلاثية أي أن كل ثلاثة أحماض من الأولى، توعز بتشكيل حمض واحد من الثانية، وهذا سهل بل فيه فائض إذا علمنا مبدأ الاحتمالات، التي تأخذ مجموعة ثلاثية من أربعة أرقام، فتصل الاحتمالات إلى 64 إمكانية! جرب أن أردت ذلك (ا – ب – ت – ج) مثلاً: ا ا ا ب…ا ب ج ت…ب ب ب ت…ت ت ت ا…ج ب ت ا…ج ج ج ا…ج ت ا ب…إلخ فهي أكثر بثلاث مرات من مجموعة عشرين حمضا أمينيا التي يخلق منها البدن، ولذا فإن بعضاً من هذه الثلاثيات تستخدم في وظائف أخرى مثل إشارات التوقف أثناء
هذه الطباعة المدهشة لقطع التخليق الرائعة.