فن مصارعة الحياة

نعيش فعلا حالة من القلق المزمن. أصبحت الحياة تفرض على أكثرنا نمطا قاسيا، و أصبحت وثيرة العيش عالية إلى درجة أن الأيام و الأسابيع و الأشهر تنقضي في غفلة منا، لا نكاد نستشعر مرورها. تداهمنا السنوات الجديدة و نحن على نفس حالة الدهشة : انقضت السنة ؟ بهذه السرعة ؟؟
ساعات العمل المضبوطة، و آلة تسجيل الدخول و الخروج التي ترقب المتأخرين في قسوة جافة … مواعيد المواصلات، ساعة دخول الأطفال للمدرسة، ساعة الذروة، زحام الطرقات … تقذفنا الحياة قذفا، و لا يملك أكثرنا سوى أن يجاري التيار في كبد، و يسبح في اتجاه الموج مخافة الغرق.
يثير كل هذا الهرج نقعا كثيفا، يحجب عنا كثيرا من الأمور المهمة. فنستهلك وقتنا و جهدنا و فكرنا بما هو مستعجل، لننسى أحيانا ما هو أولى و أهم …

fight-club

من فيلم Fight club

حين توقظ طفلك صباحا ليقصد مدرسته، يحدث أن تنسى أن تلك اللحظة تحتاج أن تعاش بكل وعي و استمتاع، لا باضطراب و توتر. كيف لك و أنت الذي تقضي معظم وقتك بعيدا عن طفلك، أن تضيع تلك اللحظات الثمينة. و أنت تداعبه و تلاعبه، تحمله بين ذراعيك كي يكون محياك المبتسم أول ما يتبدى له، تغدي علاقة الحب بينكما، و تكون قد أضفت لصباحك و صباحه سببا وجيها لمدافعة الهم و الحزن. هل جربت يوما أن تلعب مع طفلك “كاش كاش” في الساعة السابعة صباحا وسط البيت ؟ لدقائق معدودات فقط ؟ كن متأكدا أن دقائق من وقتك لن تغير كثيرا في معادلة كابوس ازدحام الطريق، لكنها ستمنحك أنت و ولدك مناعة مزاجية و عاطفية ضد التوتر الذي أضحى قدرنا المحتوم في الساعات الأولى من كل صباح.
بلا وعي حتى، ستجد نفسك متوترا حيال المردود الدراسي لطفلك، يصيبك الهم من نقطه المتدنية، و تفزع لملاحظات أساتذته السلبية على الكراسات و الكنانيش. يجب أن يتفوق، أن يكون الأول أو الثاني … يجب أن ينجح و يمر بجدارة للمستوى التالي … يجب أن يحيز الدرجة و الشهادة و الدبلوم و أخ الدبلوم و ابن عم الماستر و أرقى “كرطونات” التعليم العالي … و حين تحس أن هذا الهدف “النبيل” في خطر، ستعبر عن ذلك إما بالعنف العاطفي و اللفظي و الجسدي تجاه طفلك، أو (إن كنت من المحظوظين الذين قرؤوا بضع كتب حول المناهج البيداغوجية) ستهرع إلى وضع خطط ثلاثية و خماسية، و تنفيذ رؤى استراتيجية، و تطبيق نصائح المختصين، و تجريب وصفات علماء التربية.

thumb-1920-342590

من فيلم The Pursuit of Happyness

حتى و أنت تزعم أنك تلهو … تتوتر … تجمع لوازم البحر أو الغابة أو نادي الرياضة و أنت مضطرب. تخاف أن تنسى شيئا مهما، و هل في اللهو شيء مهم ؟ و تجزع من أبنائك المتأخرين عن الموعد المخطط له … كأن باب البحر سيقفل، أو أن أشجار الغابة ستجمع أغصانها عند نهاية الدوام.
تتصرف كرجل آلي، كتب في ذاكرته الالكترونية النكد و النصب في بداية الأسبوع و ساعات الصباح الأولى … و الروتين في وسط الأسبوع … و اللهو المبرمج الإلزامي في نهاية الأسبوع … ثم الاستعداد للنصب مرة أخرى، و هكذا تدور الرحى لتطحن معها ما يستحق أن يُعاش بكل فرح و انشراح صدر.
في حقيقة الأمر، لا أحد يمنعك من أن تكسر هذه القيود التي تنغص عليك طيب عيشك. لا أحد يملك أن يُلزمك بنمط عيش لا تجد فيه راحتك. هذا “الموديل” الجاهز الذي يفرضه عليك المجتمع ليس قدرك المحتوم. ما ينقصك هو القليل (أو الكثير) من الشجاعة لكي تعتمد موازين أخرى غير تلك التي سطرها لك الآخرون … تعريفهم للنجاح … حكمهم على مفهوم السعادة … تنميطهم للشخص القدوة الذي يجب أن تكون مثله.
لكن الخوف ما يلبث أن ينتابك و أنت فقط تفكر في إعادة تسطير المفاهيم، هذا الخوف المسلط عليك من رقابة المجتمع المعنوية، كسيف داموكليس على رقبتك، و كأنه ينهرك في حزم : ردد معي ! إياك أن تخرج على العادة ! إياك أن تسلك شِعبا غير الذي سلكه أغلب الناس ! السعادة هي أن تتزوج و تلد، أن توصل الأولاد لمدرستهم التقليدية كي يصبحوا مهندسين و أطباء تقليديين ! أن تتنزه في غابة هيلتون يوم السبت أو الأحد ! أن تدخر قسطا من النقود كي تحزم أغراضك التقليدية شهر غشت نحو مارتيل و أكادير و سيدي بوزيد ! لهذه الدورة التقليدية خُلقت و لا توجد خيارات أخرى ! … تبلع ريقك بصعوبة … تتحسس رقبتك هل أصابها من مكروه … ثم تفزع من فراشك في عجل … إنها السابعة صباحا، موعد إيقاظ الأولاد.

ولطلابنا علينا حقا

الأحاديث في بلادنا عن التعليم تكاد لا تنتهي، التصنيفات الدولية تحيلنا على مؤخرة الترتيب، النتائج داخليا مخيبة، رجال التعليم يشتكون من تدني المستوى و من عدم اكتراث التلاميذ، المتمدرسون بدورهم لا يتوقفون عن الشكوى؛ يشتكون من أساتذة لا مبالين أحيانا، غير أكفاء أحيانا أخرى، من إداريين لا يستمعون لهم ينهرونهم فقط عند كل لقاء…باختصار الأحوال تنبئ عن انفصال بين الأطراف المتدخلة، كل يعيش بعالم مغلق لا نوافذ له على عوالم الآخر.

أنا اليوم لا أكتب لتعداد كل مشاكل التعليم و لا لطرح كل تشخيصات و أعراض الداء و لكني أكتب لأعبر عن حلم يخص التعليم ببلدي راودني منذ ما يقرب العشر سنين أو أكثر؛ بالضبط يوم شاهدت مسلسلا سوريا البطلة فيه مرشدة نفسية و تربوية بمؤسسة ثانوية للبنات.

منذ تلك اللحظة إلى الآن وأنا أتساءل لم لا يوجد بمدارسنا مرشدون نفسيون و تربويون؟ ألقلة الموارد البشرية؟ أم لضعف في الميزانية؟ فقر حاد في التفكير الجاد في حلول للمشاكل الواقعية؟ أو ربما لانعدام أمراضنا النفسية و اختلالاتنا السلوكية؟

أما بخصوص السؤال الأخير -و هو السؤال الأهم- ، فوزير الصحة سبق و أجابنا عنه قائلا أن نصف المغاربة يعانون من اختلالات نفسية، أظن أن الإجابة كافية و ممرضة في حد ذاتها تدفعنا دفعا لاستنفاذ الإمكانيات كلها بشرية و مادية بحثا عن دواء؛ و لعل أول الدواء تنصيب مرشد نفسي لكل حي و لكل مؤسسة تعليمية ما دامت نقطة الانطلاق هي الحي و المدرسة.

نبقى في المدرسة و أعود للمسلسل، حجم العمل الذي كانت تقوم به المرشدة النفسية -البطلة- كان فعلا جما لأنه كان مطردا مع حجم المشاكل التي كانت تعاني منها الطالبات الذي كان جما أيضا، خاصة وأن الطالبات كن في مرحلة الثانوي بكل ما تحمل هذه المرحلة من تحولات وضغوط وأسئلة كبرى وعميقة، الشيء الذي جعل المرشدة تشتغل بالمؤسسة وخارجها.

Dangerous-Minds-8

من فيلم Dangerous Minds

حياة التلاميذ و الطلاب في بلادنا لا تبتعد عن المسلسل كثيرا، فمن أتيحت له الفرصة للاقتراب من هذه الفئة سيحس حقا بحدة المشاكل و انعدام الارتياح النفسي لهؤلاء، فمشاكلهم متعددة تتفاوت ما بين مشاكل أسرية عائلية، مادية ، مشاكل في الهوية و العلاقة مع الذات، في العلاقات و الحب، في الدراسة و الاختلافات مع الأساتذة… جوانب كثر التوازن فيها مختل اختلالا يؤثر على السلوك و الروح و المردودية و الفلاح.

التلاميذ و الطلاب في بلادنا يحتاجون طرفا محايدا، يستمع لهم دون أحكام مسبقة، دون نهر وقمع، يحتاجون من يعاملهم لا كتلاميذ مستهترين أغبياء ولا كأبناء عاقين ضائعين. يحتاجون من يساعدهم في الإجابة عن تساؤلاتهم الوجودية، من يخبرهم أنهم بشر يستحقون حياة كريمة، يرشدهم إلى الحكمة القائلة أن لكل منا ماسته الداخلية الخاصة به، والتي تميزه عن السبعة ملايير إنسان الذين يتقاسمون أرض البسيطة.

لو أتيحت لكم الفرصة للقاء مقرب مع هؤلاء، و سألتهم عن أعتى مشاكلهم لكانت أنهم لا يصدقون أنهم من الممكن أن ينجحوا و يتفردوا بإنجازاتهم، فآباؤهم قد أغرقوهم بجمل من قبيل “أنت فاشل”، “إلى طفرتيها هوجهي”…و أساتذتهم قد بالغوا في مدحهم بجمل من قبيل “أنتم أسوء جيل نراه”، “الأجيال السابقة كانت تفوقكم ذكاء و حياء” إلخ…فكيف لنفس مهتزة بهذا الشكل تحمل هذا الثقل من احتقار الذات وعدم احترامها أن تنجز وتثابر وتتفوق؟

لو مررنا بمؤسسة إعدادية أو ثانوية، لاندهشنا من حجم التجمعات حول باب المؤسسة وفي نواحيها، تجمعات خلال أوقات الدراسة يستهلك أثناءها التلاميذ وقتهم في المحادثات والاستماع إلى الموسيقى والمشاجرات وألعاب الأكروبات.

كل هذا الوقت الضائع من عمرهم ومن تقدمنا كوطن، كان ليستغل فيما فيه نفع لهم و لنا جميعا، لو أننا شجعناهم، آويناهم واستمعنا لهم.

Jóvenes-alumnos-rodeando-a-un-profesor

من فيلم Dead Poets Society

كل هذا العنف الذي نشاهده من تلميذ يضرب أستاذا، و أستاذ يطرد تلميذا، و شجارات لها أول ما لها آخر، وعلاقات تستنزف القلب وتذهب العقل كنا لنتجاوزه لو أن بالمؤسسة شخص مهمته أن يتقرب من كل تلميذ، أن يعرف مشاكله، أن يعينه على تحديد وجهته و الغاية من وجوده، أن يلعب دور الوسيط بينه و بين أساتذته و والديه إن اقتضى الأمر. تبقى المؤسسة التعليمية مكان يقضي فيه التلميذ أغلب وقته و تبقى الأطر التربوية أقرب إلى التلميذ لكشف ما يعكر صفوه و ما يعترض طريقه.

مرشد نفسي و تربوي يحب عمله، يأتي لمكتبه كل صباح من أجل غاية أسمى من الدخل الشهري، باستطاعته أن يحول المؤسسة إلى فضاء سلام فيه من المعرفة و المثابرة و الأحلام ما يروي المجتمع بأكمله، ما يؤمن حاضر و مستقبل الأمم؛ لأنه سيسهر على تخريج شخص سوي له من المعرفة و له من الغايات و له من التوازن النفسي ما سيجعله عاملا منتجا، و أبا أهلا لأبوته، و مواطنا صالحا يأخذ الدمار ليشكله بناء مبهرا، بناء مستوحى من عمارة و بناء و زخرف روحه.

موضوعية الصغار!

إننا معاشر المربين نريد ونطلب من أطفالنا بل ونصر عليهم أن يكونوا موضوعيين ومنطقين وصريحين ودقيقين حين يتحدثون أو حين نطلب منهم تفسيرا لأمر أو سلوك بدر منهم، نريد منهم توضيحا للأسباب والمسببات، والنتائج والمقدمات، بلا مراوغة ولا مبالغة ولا كذب ولا توهم، وقد ننزعج من مبالغاتهم وتحيزهم وسرعة تغير مواقفهم وغلبة الظنون على كلامهم وغلبة عواطفهم على أحكامهم وميلهم مع أهوائهم وربما كذبهم دون شعور بالإثم أو الحرج، ونتلمس بشكل واضح إلى أي حد تصير أقوالهم فاقدة للموضوعية والصواب حين لا يروقهم شيء، ونستغرب من طريقة تصورهم لمشاكلهم ونظرتهم لأوضاعهم وطريقة تفاعلهم مع ما يقع حولهم، ويزعجنا أن نراهم يسلكون طرقا نعرف من معين تجربتنا في الحياة أنها طرق مسدودة؛ فلا يتقبل أحدنا من ابنه مثلا أن يقول نجح صديقي ولم أستطع أنا لأن أباه أستاذ؛ أو فسد كتابي وانكسر قلمي ولا أدرِ كيف حدث ذلك؛ أو يقول أنا لطيف مع أصدقائي لكنهم لا يحبونني ويتجنبون صحبتي؛ أو نحذره من اللعب بالقرب من معبر السيارات ثم يأتي ويقول دهست سيارة كرتي وأنا كنت ألعب بعيدا عن الطريق؛ أو يتشاجر مع أخيه فيصفه بأوصاف سيئة نعلم أنها ليست فيه؛ أو يقول سأؤجل الاستعداد للامتحان إلى الأسبوع المقبل لأن ابن الجيران أخبرني أنه سمع بعض الزملاء في المدرسة يقولون إن الأستاذ مريض وربما سيتغيب غدا!..

تاريخنا الذي نجهله

ككل يوم جمعة، قصدت مسجد الشيخ سيف بحي الرياض، حيث تشدني خطب د. عشاق حفظه الله إليها لغة وتذكيرا وأفكارا… في ذلك اليوم حدثنا عن قصة سبأ متدبرا مقطع ما ذُكر من قصتهم في السورة التي تحمل نفس الاسم، وكيف تحولوا من أناس كانوا في نعمة من الله إلى أناس يعيشون في ضنك وجنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ومُزقوا كل ممزق…

إن مما يجعل من القرآن كتابا صالحا لكل مكان وزمان هو اشتماله على الكليات والقواعد أو ما يصطلح عليها السنن الكونية التي تحكم تاريخ الأمم صعودا ونزولا. وقد تحدث الكثير من العلماء في هذه القواعد التي تجعلنا نستوعب ماضينا جيدا فتساعدنا على فهم حاضرنا ومستقبلنا… إلا أن استنباط هذه القواعد لا تكون ذات معنى حين تُطمس الحقائق التاريخية، وتُغيب مراحل كاملة من التاريخ خدمة لأجندة المنتصر أو الحاكم… ولذلك كان التاريخ دوما سيفا ذا حدين، فهو في بعده الإيجابي أداة لتربية الأمم بالأحداث والسلوك واقتباس العبر والعظات من الأقوام السابقة، وفي شقه السلبي وسيلة لتوجيه الشعوب وخدمة الأيديولوجيات والمشاريع العالمية.

دعونا إذن نطرح بعض الأسئلة حول المغرب: كم نعرف فعليا من حقائق تاريخنا؟ أو بمعنى آخر، كم يخفى علينا من تاريخ مغربنا؟ متى بدأ مفهوم الدولة لأول مرة في المغرب؟ ألم تكن دول قبل مجيء الإسلام؟ ماذا وقع بين فترة الفتح الإسلامي (من عقبة إلى موسى بن نصير 50-92ه) إلى ظهور الأدارسة 172ه؟ ماذا وقع بين حكم الأدارسة وحكم المرابطين في تاريخ مطموس دام قرنا ونصف؟ لماذا عندما تُذكر مراكش لا يُشار بالبنان إلى مؤسسها العظيم يوسف بن تاشفين؟ لماذا لم يقدم المغرب السعدي يد العون للعثمانيين من أجل استرداد الأندلس علما أن الأتراك كانوا عونا مباشرا في انتصار وادي المخازن العظيم؟ لماذا احتل أحمد السعدي دولا مسلمة مجاورة؟ ماذا وقع بعد موت المولى إسماعيل؟ كيف احتُل المغرب؟ ثم ماذا وقع فعلا في التاريخ المعاصر للمغرب الذي لا زال يُدوَّن لحد الآن بدءا من حرب الحماية مرورا بحرب التحرير وجلاء الفرنسيس والإسبان ثم مخاض الاستقلال وسنوات الرصاص وصولا إلى الأحداث الراهنة؟ هذه أمثلة من أسئلة عابرة من وحي تاريخ المغرب الطويل، تاريخ غني ومعقد ومليء بالأسرار يُراد طمس الكثير منه، وهذا مفهوم، ويُراد منه قولبة الماضي لخدمة الحاضر كسيرورة طبيعية لما مضى، ويصبح مسلما به لأنه كان هكذا منذ القدم !!

morabten-655x330

لنعد إلى يوسف بن تاشفين، هذا البطل الذي لا يُراد معرفته، بل لا يكاد أحد يعرف قبره المدنس بالقرب من ساحة جامع الفناء… وهكذا تعرف مراكش بكل مآثرها: الكتبية ومسجدها، سبعة رجال، قبور السعدين، قصر البديع المهدم، وحتى حدائق ماجوريل الموروثة من عهد الحماية، ولا يذكر مؤسسها العظيم الذي حكم دولة تمتد من سرقسطة في إسبانيا شمالا إلى نهر السينغال جنوبا ومن تونس شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا. دولة المرابطين التي كان لها الفضل أن يصل الإسلام إلى نيجريا جنوبا، والتي أقامت في عهد هذا الملك العادل المتواضع، دولة يملؤها العدل، بل كانت من الدول التي يُقام لها ويقعد، واستطاعت أن تعيد وحدة المغرب بعد أفول الأدارسة وهجوم الفاطميين الشيعة على المغرب من جهة، وأمويي الأندلس من جهة أخرى، ثم تقاسم المغرب بين إمارات عديدة كان أخطرها دويلة برغواطة التي أقامت حكما جديدا مبنيا على دين محرف هدد أسس الدين لفترة طويلة. هذه الأسرة الأمازيغية التي ينبغي أن نفتخر أنها حكمت المغرب في فترة حساسة، وجعلته قوة دولية ومركزا لحماية المستضعفين، وأعادت له أمنه الروحي الذي ضاع لفترة من الزمن بعد تمكن الشيعة والخوارج والدين البرغواطي من رقاب الناس لقرن ونصف من الزمن العصيب. وحسبنا في هذا كله، انتصار يوسف بن تاشفين في معركة الزلاقة وعمره حينها 79 سنة، قائدا جيشه بنفسه في رحلة من 1200 كم، وهي معركة يتشاءم منها الإسبان لحد الآن ويذكرونها بأسى ويجاهدون في طمس موقعها القريب من مدينة باداخوس.

خلاصة الأمر، نحن في حاجة ملحة للتصالح مع تاريخنا وبذل الجهد في معرفته بدءا، معرفة عميقة بأحداثها الصحيحة التي نريدها، وليس ما يُراد فقط أن نعرف منها، كأجزاء متناثرة هنا وهناك ليس بينها أي رابط وروح. وفي ذلك لا تعوز المصادر الكثيرة التي تناولت التاريخ العام للمغرب، أو تلك التي تناولت حقبا معينة. هذه المعرفة التي ستجعلنا نفهم جذور ما نعيش فيه حالا، وتعيننا على فهم قضايا تستعصي علينا لحد الآن كالهوية الدينية والوحدة الترابية والأمازيغية، وتعطينا فرصا للتأمل والاستشراف لهذه الأمة العظيمة التي نفتخر بشرف الانتماء إليها.

 

التصوف المعرفي… 

كان التصوُّفُ ولا يزالُ في النسق الديني المحض بمفهومه النفسي، ومعناه الروحي، وبُعده الوجداني، سلوكاً راقياً ومنهجاً لطيفاً يسْبُر المرء من ثَناياهُ ما وراء المحسوس، ويمسح عن مرآة روحه الصقيلةِ ضبابيةَ الحياة المُعتِمَة؛ لتصفوَ منهُ الحواسُّ وتنجلي له معالمُ ودقائقُ من الأمور.
فحين يكون الماءُ صافياً وساكناً لا يُعوِزُ العينَ الباصرةَ أن ترى من خلاله صورتَها، أو تستشِفَّ بمزيدٍ تركيزٍ ما في أعماقه، بخلاف ما لو كان متحركاً غيرَ ساكنٍ ذا تموُّجاتٍ، فلا تقِرُّ منه العين على شيءٍ.

 

أفرادٌ معدودون جدّاً من رُوَّاد الحضارات الإنسانية استطاعوا نقل هذا النمط السلوكيِّ في التصفية الروحية والذهنيَّة من الحَيِّز الوجداني إلى الحيِّز الفِكْري والمعرفي، لكنهم ـ على نُدرتهم ـ أثروْا بذلك من تخصصاتهم، وشكَّلت نظريَّاتهم وآراؤهم طفرةً نوْعيَّةً ومُنعطَفاً تاريخياً صار فيها من جاء بعْدُ عالةً عليهم.

 

قديماً قال أحدُ الحُكَماء : “أعظم سبب للفشل هو النجاح“!
لعل هذه العبارة في الوهلة الأولى لا توحي بمضمونها الصحيح، ومعناها العميق، إلا أن توضع في سياقها المناسب؛ لقد صار مفهوم النجاح في زمن وسائل التواصل الاجتماعي والشهرة “الكرتونية” والتعالم “الافتراضي” والمواقع العامة والخاصة والعالم الأزرق وعالم التغاريد… رهيناً بمدى استجذاب أكبر هالة من الجماهير والحشود، واستدرار أكثر عدد من الإعجابات والتعاليق دون النظر بأية قيمة معياريةٍ أو علميةٍ لنوع هذا الجمهور، من منطق “حبَّذا الإمارة ولو على الحجارة” !

maninhouseweblede-alexnabaum-wp
بل صار مما يُزْرِي بمقام بعض الكُتَّاب والمُثقفين، ما يمارسونه “شخصيّاً” من مهنة التسويق ـ الماركوتيغ ـ لكُتُبِهم ومؤلفاتهم، ويقعدون بالغدوِّ والآصال، بكرةً وعشياً أمام شاشاتِ حواسيبهم وهواتِفهم ينْتَشُون بتعاليق آلاف المتابعين وإطراء عوامِّ الناس، ممن لا يميزون في الغالب بين الغث والسمين، ولا تعود آراؤهم على الكاتب بأيَّة منفعة.

 

إن تحويل الميدان العلمي إلى مصدر للنجومية “الهوليودية”، وإيثارَ جانب الكَمِّ والتراكُم العقيمِ على جانب الكيف والتميُّز، من أعظم الطوَامِّ التي تفسد عملية الإبداع ولا ترجع بأي قيمة مضافة على مسار الفكر والحضارة.
وهذا عند أهل الكيس والإنصاف لم يكن يوماً ميزاناً صحيحاً، ولا مما يضفي أي ميزةٍ على صاحبه، أياً كان تخصصه وتوجهه. وإن مظاهرَ الشهرة وذيوعِ الصِّيت بمنئى عن المثاليات والقيم العليا، إنما تظل محمودةً وإيجابيةً حين تكون شيئاً عارضاً، ومحطَّةً عابرةً، ووسيلة لا غاية.
وكلُّ نجاح خارجَ هذا النسق هو في الحقيقة نهايةٌ بئيسةٌ ومُبكِّرةٌ للطريق وبابٌ مسدود عن السير نحو الكمال يلقي فيه “الناجح” عصا كَدِّه وتعَبِهِ ويخلُدُ عقِبَه إلى الأرض في سُباتٍ لا ربيعَ له.
ويمكن القول إن هذا النوع من الفشل الذريعِ، غالباً ما يكون نِتاجاً لسبب ذاتي وآفةٍ نفسيَّة عميقةٍ، طالما تبخَّرَت عندها مواهب فذّة كانت ستشَكِّل منعطفاً مهماً في مسار الحضارة.

تضخم الأنا
ذاك السبب يرجع في أساسه إلى نوعٍ من “تضخم الأنا” وغياب مرجعيَّة وقيمٍ عُليا تنئى بصاحبها عن هذا المرتع الوخيم، مما يهوي به في دركات الفشل سبعين خريفاً.

فالانتشاء بخمرة الانتصار وبلوغ أوج المجد والشهرة الزائفة، مع يقين صاحبها في قرارة نفسه ـ يقين يعقوبَ كذبَ إخوة يوسف ـ أنه ليس في ذاك المقام الذي بوأه إياه المجتمع، وإنما هو “هشيمٌ ” رُعيَ لما اقشَعَرَّت البلادُ وصوَّح نبْتُها!
وتوظيفُ انحطاطِ مسار الحضارة للتباهي ببُلغةٍ ولُعاعةٍ من العلم والمعرفة على فئات مجتمعٍ عامتُهُ في ضحالةٍ سحيقةٍ من المعرفة ودَرَكٍ أسفلَ من الفهم والتحليل، وهشاشةٍ من الفكر… غايةٌ ما وراءها غايةٌ في الرِّجْعيَّة والخبَل.

 

إن مسألة (التصوف المعرفي) من آكد ما يفرضه واقعنا اليوم على كل من يشتغل في حقل المعرفة بشتى فروعه وألوانه، والذي يكون فيه مولود الإبداع والتفنن رهيناً بسنينَ عجافٍ من الاعتكافِ في محراب العلم والمعرفة، والقراءة والكتابة، يُلقي فيها المتعلِّم صُداعَ العالم وراء ظهره، ويغلق خلفه نوافذ المجتمع وضجيجه الذي لا ينتهي، ويخلو بنفسه في عزلة توتي لا محالة أُكْلَهَا ولو طال الزمَن.
ولا شك أن واجب التثقيف والتعليم ونشر المعارف… قد يقال بأنه يناقض هذا المعنى بشكل عام.
فيُقال : لا ضير أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة لسدِّ ذاك الفراغ، وما أكثرهم في عصرنا! فلا نرى حاجتنا لهم بقدر حاجتنا للفئة الأخرى.

 

الخلاصة :
إنك حين تستلقي على وسادتِك لتودِّع هذا الوجود الفسيح لن تفرحَ حينها بكَمِّ الحفَلات واللقاءات التي حضرتَها، ولا بالإطراءات والتنويهات التي سمعتَها، ولا المناصب التي تقلدتَها، ولا المبالغ التي تلقيتها… لكن أكبر راحة ستغمُرُك وتدفِىءُ روحكَ ومرقَدك هي أنك قدمتَ شيئاً جميلاً لحضارتك ولأمتك، ووضعت نبراساً جديداً في الطريق يضيءُ مرحلة أخرى من نفق المسيرة الإنسانية لمن يأتي بعدك.

لا يحيى إنسان لا يعرف باطنه 

يواجه الكثير منا صعوبة في التعرف على ذاته، فإن سألت شخصاً قريباً منك عن أهم ثلاث خصال تميزه وثلاثة عيوب تشينه، ستجده بكل عفوية يسرح بنظره في السقف ويطوف بعينيه في أرجاء الغرفة، ولربما فرك يديه المتعرقتين وضحك تلك الضحكة التي إن دلت على شيء فهي تدل على حيرته في البحث عن صفاته، وجل الأشخاص -لكي لا أقول كلهم- سيحاولون ذكر صفات مكررة تتسابق إلى أذهانهم ما إن يسمعوا كلمتي “خصال وعيوب”.. صفات من قبيل: متفائل، صادق، وفيّ، عصبي.. إلخ من الصفات التي ألفنا كتابتها في دفاتر ذكريات غيرنا. لكن هل حاولنا فعلاً التعرف على أنفسنا ؟

فمن الطبيعي جدًّا أن نجد صعوبة في معرفة ذواتنا، وهي مشكلة في حد ذاتها وإن كانت مشكلة طبيعية.. فإن أردت مثلاً التعرف على شخص، فليس من الضروري أن تتقن علم الفراسة أو تستوعب فنون القيافة، بل بكل بساطة تعامل معه، وبهذا ستحكم على ذاته من خلال مواقفه وردود أفعاله، إذن فمعرفة الذات تكمن في التعامل معها.

هل جربت يوماً التعامل مع نفسك مثلاً كأن تناقش موضوعاً ما معها، واكتشفت أن نفسك تصبح عنيفة النقاش حادة الطباع؟ هل جربت أن تأمن نفسك على سر، فوجدت أن نفسك تفشي الأسرار وتنسف الأعراض؟ هل جربت أن تسيء إلى نفسك بأوصاف قبيحة، فوجدت أنها ثائرة عند الغضب فتخاصمت معها ؟

40ce96627e2a59381507324cc14e8c38

في الغالب لم نقم بذلك، ولو قمنا به أمام الناس لاتهمنا بالجنون، وتفادياً لهذه التهمة يمكن أن تعرف نفسك أو تعرف غيرك في لحظة اختيار حر، حر من رقابة المحيط والمجتمع … حر من رقابة السلطة.. حر من رقابة القانون.. حر من الرغبة.. من الرهبة.. إلا من الله تعالى -هذا إن كان صاحب الاختيار مؤمناً- فمثلاً عندما نجد حاكماً مسلطاً في بلده، شديد زمانه، لا معقب لحكمه ولا خروج عن أمره، وابنه ظلم أحد المساكين فسطا بابنه وأشد به أشد العقاب ينزل بأمثاله من الظلمة.. هذا فعل حر.. هذا إنسان يعرف قدر نفسه، ونعرف ذاته من رد فعله هذا. عندما نجد شابًّا وقعت عيناه على مال سقط من رجل كان أمامه بدون أن ينتبه لذلك، فأمسكه ولحق بالرجل ليعيده له.. هذا اختيار حر.. هذا خليفة الله في الأرض.. هذا المحترم النبيل.. هذا الإنسان!

كما قال أفلاطون “لا يحيى إنسان ما لا يعرف باطنه” وبالتالي من عرف باطنه عرف بواطن الأشياء، وفهم محيطه أكثر وأتقن فنون التعامل مع الآخر بعمقه الإنساني، فمعرفتك بنفسك ستشيد بك إلى معرفة ذوات أخرى وإدراك عمقها ومحاكاتها إنسانيًّا مدركاً صعوبات كثيرة ومشاكل كبيرة يواجهها الناس في التعامل مع الآخر.

قد يحيى الإنسان عمراً كاملاً دون التعرف على ذاته ودون الوصول إلى جواب كامل على ذاك السؤال الذي يستدعي الصمت أحياناً: “من أنت؟”.. سؤال بسيط من كلمتين يجعلك تتيه في بحور التفكر والتأمل باحثاً عن الجواب.

tumblr_l1ql53b4Kp1qaobbko1_500
الجواب على هذا السؤال يتطلب منك امتلاك ثلاثة عناصر ألا وهي:
حب الذات البعيد عن الأنانية التي تشوّه عمق الإنسان وتستحوذ عليه بمساوئها، فحب الذات ينتج عن تحديد الإنسان لذاته كقيمة إنسانية بغض النظر عن الإيجابيات والسلبيات، إذ إن القيمة الإنسانية تكمن في ذاتها وليس بعمل الإنسان.
عدم التقيد بنظرة الآخر السلبية، فيجدر بالشخص ألا يخنق ذاته بنظرة الآخر وعدم السماح لها بتقييد انطلاقته كإنسان، وكذا عدم جعلها هاجساً مستمراً.
الثقة بالذات التي تمكّن الإنسان من رؤية ذاته على حالها، فيعرف نقاط ضعفه ونقاط قوته، فيعزف عن الأولى ويستخدم الثانية في سبيل تحقيق إنسانيته التي يصبو إليها.

الإنسان مخلوق مليء بالخفايا والأسرار توافقاً مع التعبير الرباني (ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) وجعله الله سبحانه وتعالى من أهل الكرامة بنصفية المادي والمعنوي. لذا من الضروري بل الواجب على كل واعٍ أن يعرف ذاته وحقيقته، لأن هذه المعرفة تساعده على تطوره وتقدمه في مجالات الحياة كافة، ومدى إمكانية التهيؤ للارتقاء في مدارج الإنسانية الصالحة.

الزواج مرة أخرى… من نفس الزوجة…

الملل والسآمة والتشوف للجديد وطلب المزيد خِلالٌ للإنسان استقرت في طبعه منذ كان وهي لا تختلف بين إنسان وآخر من حيث الوجود ولكن فقط من حيث شدة تأثيرها على سلوكه ومن حيث تجاوبه معها دفعا وتحجيما أو خضوعا وتسليما… فالإنسان يتطلع دوما للتغيير ويحب كما الأطفال أن يعيش دائما قلبُه لوعة المغامرة ولذة تلك الخفقة ومتعة ذلك الخاطر الأول عند اقتحام الجديد وتجريبه… والمبذول قَدَرُه أن يكون مملولا والظفر تخبو معه نار الطلب والتعلق وتستكين، وأكثر مليح الشعر من الغزل قيل في غير الأزواج إلا فيما ندر كشعر المعتمد بن عباد في زوجته الرُّميْكية…

والناس افترقوا بين أولئك الذين كلما تسلل إلى قلبهم الملل والضجر من شيء إلا تلخص عندهم الحل وتناهى إلى تجريب الجديد وتغيير القديم، وبين آخرين يستطيعون بإبداعهم وعقلهم أن يُخرجوا دوما الجديدَ من صلب القديم وأن يغيروا من أفكارهم وتصوراهم للقديم حتى يبدو جديدا… إنهم يشبهون عمال المناجم الذين يُخرجون الأحجار من جوف الأرض ليستخرجوا منها معدنا معينا ولكنهم لا يرمون مخلفات الأحجار المتبقية بل يحتفظون بها لأن معادن أخرى مازالت في صلبها، يمكن أن تُستخرج متى سنحت الظروف لذلك…

هو ليس يسيرا أبدا أن تقتلع الرتابة من القديم وتصبغ عليه ألق الجديد، إنه تعبير عن سمو في الإبداع والفكر وكذا ترجمةٌ لنضج الإنسان الذي يعرف ما هو التجاوز… فليس كل شيء تلح النفس في طلبه يجب أن يلبى ويستجاب وليس كل تصور عن شيء هو جامد ثابت نهائي يجب أن يظل جاثما على نظرتنا للأمور والشخوص إلى أن تفيض الأرواح، بل لابد أن يتطور ويتغير ويتأقلم ويعاد التفكير فيه حتى تُرى الجوانب الخفية ويسلط الضوء على النقاط الإيجابية المهمة التي جرى تهميشها في تصورنا الأول عن شيء ما أو شخص ما… فبالتطرق لمثال الزواج، هناك كثير من صفات الزوج (ة) وخصاله الحميدة التي لا ننتبه لها ونظن أن وجودها عادي وتحصيل حاصل لأننا لم نجرب غيابها بينما هي مهمة وجوهرية ولو أُعْطِيَت حقها من الانتباه والاعتناء لتمت رؤية الأمور والمشاكل بنظرة أخرى ومن زاوية مختلفة… ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام ” لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر“…

إن كثيرا من الناس قد يعيشون حياة أغنى وأسعد وأكثر إثارة مع زوجة واحدة بخلاف من تحدثهم دائما أنفسهم بأن الإثارة توجد خارج أسوار الموجود والمملوك… فالإنسان كائن مركب ومعقد جدا وغالبا ما تكون استجابته متأثرة بنوع التعامل الذي أثار تلك الاستجابة، فكثير من الأزواج لا يغير قيد أنملة في طريقة تعامله مع الزوجة وطريقة تصوره لذاتها وللزواج ككل ثم ينتظر أن تغير هي ردات فعلها وسلوكها (والعكس أيضا)، فيهرع ليتمثل السعادة خارج نطاق العلاقة مع الشريك الحالي، مع شريك آخر أو ربما بلا شريك…

إن الزواج مرة أخرى من نفس الزوجة لا يحتاج تكلفة مادية ولا إشهارا ولا حضور ولي ولا شهودا، إنما يتطلب روح المبادرة وإرادةً وإبداعا وتغييرا لبعض الأفكار والتصورات ولزاوية النظر… والزوج الناضج هو الذي يحاول أن يكتشف كل مرة جديدا في شريك الحياة كيما تصبح لحظة الاكتشاف تلك وكأنها لحظة من ليلة الدخلة أو من جلسة التعارف الأولى… وقد يتجلى التجديد أحيانا في أحداث كبرى كاستقبال مولود في الأسرة أو تغيير السكن أو عمل المرأة أو توقفها عن العمل مثلا، وأحيانا أخرى يحتاج فقط أن تناقش مع زوجتك مواضيع لم تناقشها معها قط أو تُغيّرا ترتيب بعض الأثاث في غرفة النوم مثلا أو تنظما مجلسا أسبوعيا للحديث والدردشة بعيدا عن هموم الحياة أو تصليا معا ركعتين قياما كل ليلة أو تنظما بعض المسابقات في القراءة أو الحفظ أو الترفيه أو الحمية أو تتكلما لغة أخرى في أحد أيام الأسبوع، واللبيب لاشك يعرف كيف يبدع ما تُشحن به بطارية المودة وتضاء به أنوار البيت… فكلما فعل الزوجان شيئا جديدا مشتركا إلا واكتشف كل منهما أمريكا ورأس الرجاء الصالح في شخصية الآخر..

ولا غرو أن هذا بطبيعة الحال ينطبق على من كان الوفاق والمودة والانسجام الفكري سمةً لزواجهم الأول، أما من لم يتدفق في نهر ارتباطها ماء المودة يوما فمن العبث الحديث عن التجديد وكيف الحديث عن الزواج الثاني والثالث والأول لم ير النور يوما وإنما كان عقدا باردا لم تتوفر له في أي وقت أيٌّ من شروط الحياة والاستمرار…

أخبرني.. هل ضميرك بخير !؟

إن الضمير الآثم لا يحتاج إلى أصبع إتهام

لذا ابدأوا بمحاكمة أنفسكم أمام ضمائركم

وأعلموا أن شجرة الظلم لا تثمر

وإن من بالغ في استسلامه ضاق فكره عن رؤية الحقيقية

ومن صدق كذب الحياة سخر منه ضميره

وأن عواقب الصمت أشد خطورة من أسبابه

ولأن الضمير هو منارة الإنسان إلى الصواب نستعين به لتحقيق الحلم العربي

لذا دعوا ضمائركم تنطق فالضمير الأبكم شيطان أخرس.. 

عبارة صادقة لكاتب مجهول أجبرتني على طرح السؤال كبير: هل ضميري مستيقظ ، أم أنه يغط في قيلولة مثخمة ؟.
نفتقد لأشياء كثيرة في زمن البطون الشرهة هذا، منها الصدق، الحيادية، التعايش، الوعد، الشجاعة.. وعلى رأسها الضمير الحي.
هذا الشيء الخفي الذي يصفه البولونيون بصوت الروح، والألمان بالوسادة اللينة والصينيون بأعظم الدروع والإيطاليون بغرفة العدالة وهو الإسم الآخر للحقيقة عند أبناء العم سام في أمثلتهم المتداولة .. فالضمير النقي شعلة تنير دروب السائرين، فتقيهم شر السقوط في آفات الغش، والنصب والجريمة، وهو مترجم الكمال في الحياة على حد قول كارل بارث.
في الفيلم الأمريكي الجميل جدا “the Words ” للمثل الموهوب “Bradley Cooperr” والذي يحكي قصة كاتب شاب قام بسرقة أدبية أوصلته لقمة الشهرة والمجد، فأصبح اسمه مقترنا بكبار الكتاب الأمريكين، حتى جاء يوم ظهر فيه صاحب القصة وكاتبها وهو رجل عجوز اكتشف فجأة أن ما كان قد كتبه سنوات مرت وضاع منه قد نشر وحاز جائزة أدبية عالمية مرموقة، ليصل إلى الكاتب الكاذب. العجيب في القصة أن العجوز لم يطلب شيئا من سارقه لا تعويضا ماديا أو معنويا، لم يسأله شيئا على الإطلاق.. لكنه سلب منه أغلى ما يملكه بشر، راحة الضمير. تركه صريعا يقاتل هذه النار التي انضرمت داخله، تركه جسدا مسلوب الروح، تنغرز سكاكين الندم داخل أوصاله. ثم مات العجوز.
الشاهد من الفيلم أن الضمير السليم شوكة في حلق كل مذنب آثم، مهما بلغ من سؤدد وعظمة، وأنه ناقوس خطر جَلَبته تصيب الكيان بالتصدع إذا لم يلبي نداءه.

malek-bennabi1_0
لا يمكن لصاحب ضمير نقي أن يظلم غيره، ولا أن يتعرض لسواه، سواء كان صديقا أو خصما، الضمير النقي يمنع صاحبه من الانزلاق في متاهات النفس الشرهة التي لا تشبع والتي تطلب المزيد بشتى الطرق، مشروعة أو غير مشروعة، هنا يقف لها الضمير بكل عتاده فيسلبها راحتها وطمئنيتها ويقينها، لتعدل عن سلب الناس أملاكهم بدون وجه حق، وعن الكذب لتحقيق مكانة رفيعة وعن النصب لتسلم منصب مرموق وعن الحقارة لسب ولمز وتكفير وتخوين وتجهيل وتظليل المساكين.

لا تجادل ضميرك ولا تجعله آخر من يصحو ولا أول من يستبعد، لا تقف في وجهه وإن وقف أمامك كل جنود الأرض، ففطرتك البشرية السليمة مقترنة بضميرك النقي الذي يعلم خطأك من صوابك أنصت لهذا الخفي فيك، أنصت وتمعن بخشوع الحكماء وكأنه صوت الإله داخلك كما وصفه عميد الفكر الفرنسي فيكتور هيجو.
كل شيء يمكن تجاوزه إلا نفس قلقة مضطربة، هي وحدها يمكنها أن تسلبنا حقنا في التمتع بروعة الحياة وجمالية الكون، والنفس كي تطيب وتصفو بحاجة لضمير سليم يكبح جماح الشر الإنساني وينير شمعة الأمان في أركان الحياة.

زاوية معتمة

بعد أن يشتد الليل ويسكن الناس إلى أنفسهم ويغطيهم الظلام بلحافه ليستسلموا للنوم صاغرين مستدفئين، هناك في مكان ما، في زاوية معتمة باردة، بعيدة عن الأعين ربما أو على مرأى منها لكنها تمر دون أن تعيرها اهتماما، في بقع كثيرة من بقع هذا الوطن في أنحاء شتى من هذا العالم، هناك أماكن مظلمة ليس لأن الضوء لا يصلها ولا لأن الشمس لا تصافحها، وهي باردة باردة حقا، ليس لأن السماء تمطر ثلجا ولا لأن الشمس تغشاها السحاب، وهي موحشة موحشة كزنزانة فردية نخرتها الرطوبة واستوطنتها الفئران، وهي ليست موحشة لأنها خالية من الناس، بل تضج بكل أنواع البشر لكن لا أحد منهم مهتم بمن تبقى من أبناء جلدته.

من معاني الولادة

لطالما أبهرنا منظر الولادة وخطواتها، لحظة الخروج إلى هذه الحياة، أول صرخة معلنة دخول الهواء مباركا على كل الأحشاء..
لطالما فرحنا بذلك القدوم السعيد لمخلوق صغير يضفي على حياتنا بهجة من نوع آخر.. لكننا ننسى تامل ماوراء الخفاء، ويجهل أغلبنا تحديات الأمر !!

جولة في شوارع ديلهي

الطريقة التي يجب للزائر أن يتعامل بها مع الحياة في ديلهي وفي كل المدن الهندية الكبرى إن أراد أن يطيب مقامه فيها، هي نفسها الطريقة التي يجب أن يتعامل بها الإنسان مع الحياة بشكل عام … نيو ديلهي، عاصمة أكبر ديمقراطية في العالم، ممتلئة عن آخرها بكل أنواع وسائل النقل، 25 مليون كائن بشري، ناهيك عن مختلف الحيوانات … الضجيج يشكل جزءاً من المنظومة الصوتية والحركة العشوائية للدراجات النارية والهوائية والسيارات والبقر والكلاب والمارة مما يوحي لك بأنها منظمة بإحكام، حيث أنّي لم أشاهد أي حادثة مرور أو سائق يتذمر أو يصرخ في وجه الآخر طوال مقامي هنا.

العشوائية المنظمة وسيمفونية الضجيج هما المهيمنين على عاصمة ثاني أكبر بلد في العالم من ناحية عدد السكان بمليار ومائتي مليون نسمة، أما الزحام الشديد فهو القاعدة وليس الاستثناء، بالإضافة إلى التنوع البشري والحيواني الذي تشهده هذه اللوحة الفنية التي تذكرك بلوحات سالفادور دالي الغريبة … تتمعن في هذه اللوحة التي تمزج السيخي بعمامته الكبيرة ولحيته الطويلة بالهندوسي الذي يضع نقطة حمراء بين عينيه بالبوذي الذي حلق كل رأسه بالمسلم الذي يمشي بقميصه الأبيض بالمسيحي الذي يضع الثالوث على صدره، وقد تبصر بقرة تتبختر وسط الطريق بجنبها كلب نائم، وعلى أمتار تجد خنازير تأكل من قمامة يقف عليها غراب، وقد ينضاف إلى هذا المنظر في مدن أخرى بعض القردة والفيلة.

26975_10253

ديلهي القديمة

شوارع ديلهي القديمة ضيقة يصطف على جنباتها مختلف أشكال الفقراء – الهند تأوي ثلث فقراء الأرض -، وبائعي مختلف أنواع المأكولات والتوابل، ويمشي فيها الغني بجنب الفقير وقد يتجاذبون أطراف الحديث في أحد أركان الأزقة وكأن تلك السنوات الضوئية من الطوابق الاجتماعية لا تفرق بينهم.

ديلهي تذكرك بتقلبات الحياة. تذكرك بأن كل ما تستطيع أن تفعله وسط زخم الحياة وهرجها ومرجها هو ضبط النفس والاستمتاع بها على طبيعتها المتغيرة والضحك على غرابتها والتركيز على كل لحظة من لحظاتها، لكي لا تمر الحياة في التسخط والجري وراء سراب الكمال.
وددت لو دامت رحلتي في الهند لمدة ستة أشهر إلى سنة لكي أتمكن من اكتشاف ولاياتها ال 29 وأفهم كيف ل 40 فالمائة من سكان سابع قوة اقتصادية وأسرع معدل نمو اقتصادي في العالم أن يعيشوا تحت عتبة الفقر الأدنى، وكيف يعيش هذا المجتمع الذي تقل معدل أعماره عن 25 سنة والذي يتكلم 16 لغة رسمية والذي يعتنق ست ديانات أساسية بالإضافة إلى مئات اللهجات والمعتقدات، كيف يتعايش في ظل هذه الاختلافات الدينية و العرقية والثقافية في مختلف هذه الولايات وفي ظل الفقر السائد وقسوة العيش التي تخيم على هذا البلد.
تزامن وصولنا إلى دلهي مع ذكرى المولد النبوي فكانت تلك فرصتنا لكي نحيي هذه المناسبة مع مسلمي الهند، الذين يشكلون 15‎%‎ من المجتمع الهندي، أي 185 مليون مسلم وهو نصف عدد مسلمي الدول العربية وثالث أكبر تكثل للمسلمين بعد إندونسيا وباكستان، بالذهاب إلى أكبر مسجد في العاصمة “المسجد الجامع” الذي يمزج بين رصانة المعمار الإسلامي وإفراط المعابد الهندوسية والذي بناه شاه جهان باني تاج محل في أگرا والكثير من التحف المعمارية الأخرى في الهند.

20161212_155026-01

صورة للمسجد الجامع بعدسة مهدي بنصري الذي رافقني خلال هذه الرحلة

كنت أحاول أن أكتب عما يدور في مخيلتي وما أحس به في دواخلي في أولى ساعات هذه الزيارة وفي كل مرة كنت أشعر بالعجز … ولكي لا أحمل الكلمات ما لا طاقة لها به أبدأ بالتصوير، لأن الصور أبلغ من الكلمات وأسهل في إيصال الأحاسيس والمشاعر والمعاني والرسائل من نظم الكلام والسرد والحكي … فأترك فترات العجز ونفور الكلمات وآخذ مصورتي كي أخلد بها هذه اللحظات حفظا لها من الضياع. الممتع أن الهنود لا يمانعون من أن تلتقط لهم من الصور ما تشاء وكيفما تشاء ومتى تشاء بل هم من يأتون نحوك يطلبون منك ذلك ويأخذون معك الصور ويمشون وهم فرحين … هذا البلد حلم المصورين والكتاب والباحثين عن جمال الروح والطبيعة … هذا البلد لا مثيل له على الإطلاق.
بعد الإنتهاء من زيارة هذه المعلمة المعمارية الإسلامية، أخذنا الريكشة المعروف بالتوك-توك الذي يزركش الهند بخاصية أخرى تميزها وتسرع التجول في شوارعها المكتظة، لنتجه إلى سوق التوابل في أرض التوابل كما كانت تسمى الهند سابقا، ثم إلى مسجد نظام الدين أولياء لنكمل الاحتفالات بذكرى المولد النبوي في جو صوفي يحضره غير المسلمين كذلك، وهذا شيء عادي في هذا البلد الذي يحتفل فيه الكل بأعياد الكل.

هذا التعايش الذي لمسناه منذ أول وهلة والذي استشعرناه في كل مناحي الحياة في هذه الأرض متعددة الثقافات والديانات والتوجهات هو السر الذي حيرنا وحرك فينا الرغبة في اكتشاف فلسفة عيش الهنود في مدن وولايات أخرى بعيدة عن ضوضاء وفوضى ديلهي … فإن كان “البديل الوحيد للتعايش هو التناحر” كما قال أول رئيس وزراء هندي بعد الاستقلال جواهر لال نهرو فإن البديل الوحيد للتناحر الذي يميز مجتمعاتنا هو تعلم فن التعايش ولنا في مدرسة التعايش، الهند، دروسا طويلة وحكما بليغة استقيناها من ديلهي وجايبور وأكرا وفاراناسي وريشيكيش وماكلاود گانج وأمريتسار

من اغتنى بفضائل الناس استغنى عن فضلهم

صدفة التقيت به وفي خضم حديث سريع اقترح علي الصديق العزيز مهدي أن أسافر معه للمدينة الزرقاء. وبعد يوم وجدت نفسي بدون سبق إصرار في القمة العالمية للصالح الإجتماعي التي نُظمت من طرف مندوبية الأمم المتحدة و “ماشابل” في مدينة شفشاون، في إطار اللامركزية، بالموازاة مع مدن عالمية أخرى مثل نيويورك  وأماكن أخرى أقل أضواء وإشعاعا.

كان التنظيم على مستوى عال و النقاش كذلك، بداية. لكنه سرعان ما ابتعد عن الموضوع الأساسي و تحول إلى استعراض لإنجازات شخصية مع تحفظ كبير في ادلاء الآراء الجريئة و الصريحة. عوض المناظرة في ما ينتظر العالم من تحديات و تحولات، و طرح مقترحات و أفكار مشاريع ذات المدى المتوسط و البعيد في أفق ()، الشيء الذي يصب في صلب انعقاد القمة،  يعني أن نلقي نظرة نقدية على الحاضر متطلعة للمستقبل ونحضر لها، عوض تمجيدات الماضي و سرد انجازات بعيدة عن الصالح العام.

انتهت القمة و أخذ الحاضرون صور مع المحاضرين الخفيفي الطلة و الطالع و أنا واسيت نفسي و خيبتي التي زادت من حدة العياء. لأنني لم أصعد لقمة الإلهام التي كنت أتطلع إليها! و لم أروي عطشي لجرعة أمل من أجل الصالح العام.

بعد بضع ساعات ذهبنا لتناول وجبة العشاء مع الفريق المنظِم و المنظَم. انعزل المحاضرون في جانب آخر. كأنه جانب مخصص للفي آي بي فقط وكنا نحن من العامة الغير المحظوظين برفقتهم! أكلت وجبة البطيئة جالسا، لذيذة كانت بطعم جلسة أخوية في جو مرح رفقة طاولة البسطاء “البؤساء”، ووجدت الصمت رنانا في الركن الآخر، وكأن المحاضرة لم تكتمل بعد، وكأن الجد مال إلى “البؤس” و حل على صاحب ربطة العنق الأنيقة، أهاكذا يرتاح أكثر؟ استمتعنا بموسيقى الكمنجات السريعة وودعت يومي حافي القدمين في بيجامة قديمة.نسيت كل أشياء الغياب. وختمت ليلتي على صوت درويش.

لن تحتاج إلى جهاز إنذار في مدينة شفشاون لكي تستيقظ في الصباح. نصيح على صياح الدياك وبرودة الهواء العذبة. توقظنا الطبيعة ونوقظها بقيامنا! في هذه المدينة المزرقة أزقتها و المبيضة وجوه سكانها ينقطع الإتصال نوعا ما بالعالم الرأسمالي و التسيّس و التلفاز والزحام، و يتم الإتصال بالناس الرقيقة الراقية “اللي بتضحك على طول” و كذا العفوية و البساطة في المظهر و المخبر. و تحس بنفسك داخل مجتمع “حي” فنيا و ثقافيا و إنسانيا و يتمسك بعضه ببعض، كالبنيان المرصوص. هذه المظاهر للأسف غير ملموسة عند الجميع و لا تعطى قيمتها. وهذا الغنى يرى بعين بائسة.

هنا موروث ثقافي و فني ـ على سبيل الذكر لا الحصرـ مهم جدا، الذي قد يترجم لقوة ضاربة قد تقضي على البطالة وتنمي الموارد الشبابية في مشاريع و ورشات واقعية و دائمة من أجل الصالح الإجتماعي،  لو كانت أعين المحاضرين شاهدة لهذة الثورة!

صعدنا بعد جولة في الأزقة لل”في آي بي” الذي يعجبني، إلى قمة الجبل المقابل للمدينة لكي نشهد لحظة الشروق التي تلون المدينة بصفرة طبيعية محتشمة. نظرنا الى الشاون بمنظار الفلاح الجبلي البسيط المتفائل بالتساقطات القادمة.. و تفاعلنا و تفاءلنا! و كان لي في الجبل تأمل أكثر و إستلهام أعمق. ورأيت فيها مدينة أضواء ونور!

10648967_10203618741603747_8574825109706118618_o

و في طريق العودة، في خلوة بين الجبال التقينا بفلاح تبدو عليه البساطة والبشاشة، استقبلنا بابتسامة عميقة، في حين كنا نستعد لتصوير الطبيعة، واقترب منا بفضول و حب الإستطلاع لما نصنع. ودار بيننا الحوار التالي:

السلام عليكم.. الله يعاون!

ـ و عليكم السلام الله يبارك فيك..

(ذهب إلى ركنه ثم عاد إلينا)

ـ هاك ها واحد الرمانات (يده ممدودة بفاكة الرمان ناصعة اللون)

ـ لا لا أشريف شكرا.

ـ شنو؟ صحابك بالفلوس.. اخود الله يهديك باسم الله!

حشمت و خديت داكشي و أنا أتطلع إلى وجهه البشوش معجبا بشخصه..

ـ أجي دوق الكرموس..

ـ يا سلام.. هادشي عسل

ـ هادشي راه طبيعي من عند الله.. كانزرعو بلا برودوي (بيو)

ـو شنو كاتزرعوا هنايا؟

ـ اوا هنا الجبل و الجو صعيب ماشي بحال الغرب كاندرو غير الكرموص و الهندية و الرمان و مطيشة و القرعة و فلفلة.. كانكلوا منو و الا بقا لينا كانبيعوا شوية باش نعاونوا بيه في الصيف..

خدينا من عندو بزاف حيت داكشي بنين و حيت هو رجل رائع بسخاوته و قناعته..

شفتو عمر بزاف قلت ليه: باراكا عليا خلي ليك شوية.

ـ الخير موجود حتا نتا! الحمد الله.

بعد أخد و رد أخويّين قال له صديقي مهدي مازحا: اوا مرحبا بينا عندكوم و صافي؟

فأمسك بيده هذا الرجل وبرنة صوت جادة قال له: يالاه دابا النيت. كلشي موجود!

كنا على مقربة من العيد. فداعانا هذا الرجل، الغريب إذا نظرنا إلى مهلة اللقاء، إلى بيته لمشاركة مجلسه وطعامه. أخدنا رقمه و على وجهنا كل علامات التعجب و الإندهاش بهذا الرجل.

بعد التعرف على هذا الرجل أكثر وجدنا أنه يقوم بالزراعة المستدامة أو ما يسمى “بيرماكولتور” دون علمه بذلك. بياض وجهه انعكس في بياض الرمان و طيبه، وكأنه يستشهد لصاحبه. لم يستطع أن أنزع من قرارة نفسي أنه لا يعرف من أين أتينا وذهبنا، لا أسماءنا ولا سيرتنا الذاتية. لم يسأل عن عملنا و أبناء من نكون و لم ينقب عن مستوانا الدراسي أو الفكري. فيه من الطيبة و العفوية و البساطة و الكرم  ما لم نره قط في عواصم الإستهلاك و ال”في آي بي” والتظاهر بالصالح و الحضارة و المحاضرة. وقد أثر في هذا الإنسان أكثر بكثير من أصحاب العنق الموثوق! قضيت يوما و بعض يوم في شفشاون و كأنني أمضيت أسابيع. لقد صعدت إلى قمة لم أكن أتوقها. اغتنيت و زادت عملتي و من اغتنى بفضائل الناس استغنى عن فضلهم. وفي ذلك معان للتدبر والتبين.

قلم ساخط، و نفس تشتاق

أكره نفسي حين أحمله بين أناملي و لا يذخر علي عقلي بشيء أدونه، رغم أن القلب يعج بالكثير. و كأنني حديثة العهد به! كأنه نسي ملمس أناملي! أهكذا أيها اليراع العزيز تتنكر لأيامنا السالفة؟ أهكذا تنسى بيسر أيامنا الخوالي و ليالينا الطويلة التي قضيناها سويا؟ كيف لك أن تنسى مخلصتك.. و أنا من ذرفت الدموع بين يديك.. و شاركتك فرحها و ضحكاتها.. كنت الوحيد الذي أثق به، الوحيد الذي أصارحه بأسراري كلها، دون خوف من أن تحاسبني أو تنتقص من شأني.. جلست ساعات و ساعات رفقتك أحادثك، و لأجلك استغنيت عن أشخاص ما كنت أرى نفسي دونهم.. علمتني كيف أعشق الخلوة لأكتفي بك..

زكاة الدم

سلمت نفسي للممرضة، وضعت راسي، ومددت يدي ونويت ما نويت في مرافئ مقصدي..
عيني على عرقي الذي حررته شوكة الأطباء، فانساب رحيق دمي عبر الأنبوب الذي غرس في ذراعي..
خرير دمي الأحمر الحار، شخصت لمنظره مقلتي وخشعت لصوته بصيرة مسمعي..
تتبعت مسار القطيرات التي تملأ الكيس رغبا ورهفا وفرحا، فوجدتها تنبع من غيابات جباب قلب ارتفعت حرارته واشتدت حرقته وعظمت لوعته…


منظر الدم المهيب هيج مخامد وجدي، فسرحت بنات أفكاري في حقول خاطري، تستقرئ معاني الجلال والجمال في فصائل من الدماء ، لم توجد لتكون فقط ذلك السائل الحيوي الأحمر الذي تعتمد عليه وظائف الجسد، ولكنه وجدت أيضا لتؤدي وظائف أسمى و أعظم لا يكون بدونها معنى لطينية الوظائف التي يقوم بها الجسد.. وجدت ليبنى فوق نهرها صرح الشرف والحق، وجدت ليمحو سيلها مقبوحات الذل والظلم..

فعرجت بذاكرتي بين مدارك شرفاء الدماء، فوجدت دم النبوة يتربع على عرشها، وخيَلت لي حنائني وأشواقي إليه أني أرى تلكما القدمين الشريفتين ترميان بحجارة أهل الطائف فيسيل منهما أطهر و أشرف وأجل دم على وجه الأرض، ثم يرفع يديه الكريمتن إلى أبواب السماء داعيا:(اللهم اهدي قومي إنهم لا يعلمون) ارتعش جسدي وتلوع قلبي… ياإلهي أي جلال وأي جمال يسري سريان هذه الدماء الشريفة؟ ياإلهي كيف نخفف لوعة القلب عليه؟ وكيف نسكن الشوق إليه؟

ثم تذكرت المجاهدين والشهداء والمظلومين في كل البقاع، الذين روت دماءهم الحرة تاريخ الكرامة، وماتفتئ صابرة مرابطة صادقة ماعاهدت الله عليه وما بدلت تبديلا، ولمحت ذاكرتي ذلك الشيخ الجليل المقعد، المشَاء في الظلم ذا النور التام يوم القيامة، نحو بيت الله ليقيم صلاة الليل، فإذا بصاروخ الظلم ينزل على كرسيه فيجعله أشلاء تتطاير في كل الآفاق ليلقى بعضها على وجهي.. ليدينني.. ويحرجني ويفضحني.. فيحز في نفسي بخاسة دمي، وتتوق نفسي أن تروى من كأس الأحرار الشرفاء لتصيبني منهم عدوى طهارتهم فيتعالج دمي المزجى وأتسامى في داء النبل والشرف والكرامة…

عينى ماتزال واقعة على ذراعي، وجميع عروقي قد تجندت لتضخ عصارة دمي الحر في الأنبوب، باعثة فيه بأسمى آيات التوبة والاعتذار لعلي أأدي زكاة دمي الذي لطالما كنزته في عروقي الآثمة .

كن ولا تكن..

ترتفع نبْرَةُ الصوت تِلقائيًا بمقدار ما يشتدُّ الوقْرُ والصَّمم على أذُنَيْ المريض؛ إذ يُخيَّل إليه أن لا أحدَ يسمعهُ إلا إذا أسمعَ نفْسَهُ؛ فمقدار الإحساس بالمشكلة هو ما يَحْكُم ردَّة الفعل لِدفْعِها.
إن القراءة الهادفةَ حتميةٌ لازمةٌ وخُطوةً أولى لإرساءِ أو إصلاحِ دعائمِ أيٍّ صرح حضاري مُتداعٍ، وصياغةِ نموذجٍ فكري جديدٍ، وقد غُمَّ اليومَ على كثير ممن ينشُدون العلم والمعرفةَ في عصر التراكُمِ الاهتداءُ إلى الطريقة المُثلى وسواءِ السبيل في شق مسارٍ غير ذي عِوجٍ نحو الغايةِ.

إلى مُحمد

ماذا لو، في هذه البقعة من العشب الأخضر التي أجلس عليها أحيانا لتناول ساندويتش الظهيرة، ماذا لو.. فرشتَ رداءكَ.. وأشرتَ إليّ مبتسما بأن أشارككَ جلسةً كما فعلتَ يوما مع صويحبة خديجة؟ ماذا لو حدث ذلك حقيقة وليس كما يحدث كثيرا في خيالي عندما يحتد الشوق إليك؟
هل سأطلقُ العنان لصرخة مجنونة كما تفعل الفتيات عندما يلتقين بنجمهنّ المفضل؟ أم أنّي سأستغلّ انهماكك في فرش الرداء كي أبحث عن هاتفي الذكي لكي أوثق اللحظة بصورةٍ على الانستغرام؟ أم أنّ جلال الموقف سوف يكون أقوى من أن أسمح لنفسي بشيء من ذلك وسأكتفي ربما بكتابة منشور سريع عبر الفيسبوك من نوعية “لن تصدقوا بمن التقيت الآن!!” مع تحديث “للحالة الشعورية”.. حسنا، سيغذي هذا فضول الكثيرين وسيكون ذلك مناسبا للتّمهيد لكتابة منشور طويل في المساء يروي تفاصيل هذا اللقاء الخيالي! أتمنى فقط أن يمرّ أحد من هنا صدفةً و يلتقط لنا صورة و نحن “مش واخدين بالنا” بما أن المهابة و الوقار يمنعانني من التقاط ذلك السيلفي التاريخي الذي سيكون مرجعا مهماًّ للذّاكرة التي.. التي أصبحت.. تحتاج لكل هذا في أيّامنا.. لا تسألني لماذا.. لا أعرف حقيقة.. احمم.. سيدي محمد.. عفواً ..أهلاً.. أنا فتاةٌ من أمتك.. أعيش في القرن الواحد والعشرين.

ستتطلع إليّ في ارتباكي بتلك الابتسامة المفعمة بحلم نبي. ستنظر إليّ بتلك النظرة العطوفة الرحيمة التي لوحدها ستكون كافية كي أعترف لك بكل حماقاتي التي لم أروِها يومًا لأقرب الصّديقات. سأستغرق في الحديث عن تفاهاتي الصغيرة لأنك ستجعلني أعتقد في حيز من الزّمن أنّي مركز الكون. سوف أشطر سندويشي إلى قسمين و سنأكل معا.. و سأخبرك أن تلك الكلمات التي كنتَ تتمتمها عندما تركب دابتك، أتمتمها بدوري عندما أركب السيارة والحافلة و التراموي و الميترو و الطائرة.. وسوف تضحك حتى تبدو نواجدك.

5dd797358a22fb148a69f0437ff3202f

وسوف أبكي. لأن الجمال يبكيني. ولأن ثغرك الباسم يتجاوز الجمال إلى الكمال. ولأن كمالك يكمن في أنك الرسول الانسان. البشر الذي يوحى إليه. القائد الذي يأكل الطعام ويمشي في الأسواق. العابد الخاشع الذي يُخرج طرف لسانه عندما يلاعب الصغار، الفارس المغوار الذي يموت فوق صدر حبيبته.

وسوف أحبك. لأني لا أعرف كيف لا أحبك. وأنت القريب في مهابتك. الرقيق في صلابتك. المتواضع في رفعتك. 

وسوف أظل جالسة هنا، في هذه الكنيسة التي بحثتُ عنها طويلا هذا المساء، والتي بدت لي كالموت الهامد من الخارج، والتي تلقفتني بدفئها وامتلائها ما إن ولجتُها احتفالا بذكرى مولد الأنبياء. وسوف أظلّ أجول ببصري هاهنا، أتذوق جمال الجدران وأبتسم مصغيةً لحديثهم عنك. وسوف أظلُّ معانقةً لهذه العجوز المسيحية التي تروي لي ببراءتها شيئا من نقاء الإنسان.. وسوف أحبها من أجلك.

وسوف ألحّ عليك –آن جلستنا-أن تحدثني عن مريم.. حين هزّت إليها بجذع النخل، وسوف يغمرني فرح كذلك الذي غمر فتيات بني النجّار. وسوف أطلب منك أن توصيني، وكلّي غيرة من معاذ حين أخبرتَه أنكَ تحبه.

سيدي،

أود فقط أن تعلم، أنّي لن أجد على اليوتيوب مقطعا واحدا لك وأنت تفتح مكة بزهوّ الانتصار وكرم العفو ورفعة التواضع. ولكن صورتك وأنت تلجها خفيض الرأس تقبع في صدري كنبتة تُزهر كلّما مشيتُ على الأرض هونا..

وأنّي لن أقرأ في أي من الصّباحات تغريدة واحدةً لك توصي بها متابعيك بالابتسام مرفوقة بقوسٍ ونقطتان. ولكنّي لن أحتاج لذلك من أجل أن يتدفق قلبي بمحبتك في كل مرّة أقرر فيها أن أمارس وصيتك الخالدة تلك..

1992_muhammad-960x533

وأنّي لن أشاهد يوما في السينما مشهدا لك وأنت تتلقى عِقد خديجة في فداء الأسرى فتنتفض متسائلا فداء من؟! ولكن يا سيدي لن أحتاج لذلك كي انتفض بدوري لحبك لخديجة ووفائك لهاث كلما مرّ هذا المشهد في ذاكرة القلب..

أود فقط أن تعلم، أني أعلم أن لهذه الأسباب بالذات بكيتَ يوما شوقا لإخوانك، ألائك الذين يؤمنون بك ولا يرونك، فاستحقوا بذلك لقب إخوانك..

نحن يا سيدي لا نحتاج لأن نرى لكي نرى و لا لأن نسمع لكي نسمع.. نحتاج فقط أن نعي بعمق الإيمان و يقين الاعتقاد قولكَ حينما وصفت نفسك بأنك ما بعثت إلاّ متمما لمكارم الأخلاق، لكي نتمم حضوركَ في ذواتنا بسيرتك.. لعلنا نكون بذلك أهلاً للقب أمتك..

شوقي ومحبتي وحيائي.

قراءة في كتاب آخر بعنوان “الشركة التي غيرت العالم – للكاتب نك روبينز” 

أظن أن القليل منكم من سبق له أن سمع ب”شركة الهند الشرقية البريطانية” التي تشكل إحدى الطَّبعات الأولى للشركات العملاقة العابرة للقارات الجاثمة بسلطانها على الدول والشعوب…إنها شركة بريطانية المنشأ عالمية الفكرة يُجْلي تاريخُها الدورَ الذي لعبته التجارة في استعمار العالم وقلب موازين القوة و الغنى بين الشرق والغرب…

امتد تواجد شركة الهند الشرقية في الهند حوالي ثلاثة قرون منذ سنة 1600 م… ووصل نفوذها السياسي إلى أن طلب أحد مدرائها يوما من البرلمان البريطاني دعما فوريا للشركة عام 1784 وأن التأخر في ذلك سيسبب “انهيارا ماليا في جميع أوربا”… فماذا كانت تفعل شركة بريطانية في الهند حتى تتسبب أزمة في ماليتها في أزمةٍ مالية تشمل أوروبا جمعاء ؟!

بين معاني الطبيعة

تبدو الحياة المدنية مغرية بالتجربة لأولئك الذين لطالما عاشوا على هوامشها دون أن يطالهم شيء من حضارتها، غالبا ما تجدهم متعطشين لتجربتها وخوض غمارها، تظل دوما في أذهانهم ذلك الحلم المؤجل لأسباب أقوى منهم.

الأمر يبدو مماثلا لنا نحن أبناء المدن في رغبتنا في استغوار أماكن جديدة، في الغالب تأخذنا أحلامنا إلى أماكن خارج الحدود، بعيدة جدا ربما أو قريبة لكنها تظل مغرية بالاكتشاف، خاصة إذا ماكان أصحابها ينطقون بلسان غير لساننا أو يملكون بشرة أكثر بياضا.

عن تحية الإسلام

سلام الله و رحمته و بركاته على كل من مر بكلماتي هاته
سلام.. فرحمة.. ثم بركة..

السلام.. كل ما يحلم به كل إنسان سوي في عالم غدا يحاول جاهدا مسح الكلمة و مشتقاتها.. بالدم و الدخان و الدموع.. بل بالحقد الأسود الذي ينتشر انتشار الظلام بعيد لحظة الغروب..
معظمنا يحلم بالسلام.. يطلب السلام.. يتكلم و يكتب عن السلام.. لكن القليل.. القليل فعلا من يعيش السلام.. من يحيى بِ وَ لِلسلام..
و النخبة فقط من تسعى لنشر السلام.. بادئ الأمر بالسماح له بالإنتشار في دواخلنا.. بملامسة أرواحنا.. مداعبة قلوبنا و عقولنا.. ثم بالسماح له بالخروج عبر بريق عيوننا.. ابتسامتنا الصافية.. ب”السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته” نابعة من القلب.. بكلمة “شكرا” و “آسف” و أحبك..

الحفاظ على البيئة أو عندما يبحث السارق عن المسروق…

 

“نحن لا نرث الأرض عن أسلافنا بل نستعيرها من أبنائنا” أنطوان دوسانت إيكسوبيري

 

استعارة من بعض الأمثال، يبدو أن قُطّاع الأشجار في غابات الأمازون قرروا أخيرا أن يفعلوا شيئا من أجل البيئة، من الآن فصاعدا سيضعون وقودا بدون رصاص في مناشيرهم. إنه نفس المنطق التي تتم به مقاربة مشكلة البيئة والاحتباس الحراري اليوم فالقليل من يتحدث عن أصل المشكل وعن أسبابه الحقيقية والأكثرية تبحث في تطوير النجاعة الطاقية للمناشير حتى لا تنبعث كميات كبيرة من ثاني أوكسيد الكربون عند قطع الأشجار.

رقصة مع الطفولة

تكبر الأيام في أعيننا وتتراكم السِنُون فوق بعضها مغيرة بذلك أرقاما تشي بعمرنا. يمر الزمن من أمامنا بخطى مسرعة وتتقدم معه في العمر أجسادنا، لِنعِيَ فجأة بأننا قد كبرنا..

اليوم اكتشفت أنني كبرت وقد حدث ذلك في غفلة مني. كبرت وصارت قصيدة نزار(كبرت يا أمي) تشبهني أكثر، كبرت وما عدت أشبه نفسي. عذرا ألم أعرفكم بنفسي؟

أنا رجل ثلاثيني نال الزمن من ملامحه لتدل هيئته على أنه أكبر من ذلك بكثير. بِطُول فارعٍ وجسم نحيل وضعته على كرسي إحدى المقاهي، التي تعودت الانزواء فيها، ها أنذا أرقبكم من خلف شاشة حاسوبي وأنتم تلتهمون كلماتي. بصحبتي فنجان قهوة تمددت بجانبه جثة سيجارة استهلكتها لتوي وأخرى تبدو لك متكئة على المطفأة وقد توهج رأسها في حُمرة شديدة استعدادا لتزويد دماغي بجرعة نيكوتين أخرى .

عن هوايَ للأندلس أتحدث…

يسألني الكثير من معارفي عن سر هوسي بالأندلس، فلا يمكن أن يمر العام دون أن “أحج” إلى تلك البقعة الفريدة من نوعها في هذه الأرض، وربما تعلقي بها يفوق تعلق ساكنيها ومعرفتي بها تفوق معرفة بعضهم لها، وفي الحقيقة هذا الارتباط بيني وبينها لا أستطيع أن أفسره، لكنني أكاد أجزم أنني ولدت بجينات تصلني بها وتجعلني أبحث عن أصولها، فبمجرد أن أطأ أرضها أشرع في استنشاق هوائها، هواء الماضي والحاضر، والمستقبل أيضا..

معان في الرحمة

أتأمل دوما في العلاقة الجدلية القائمة بين العبد وربه، تلك العلاقة التي قوامها الرحمة واللين والمغفرة والثواب، وأحيانا العقاب كرد فعل ردعي قلما يكون خيارا أوليا، فالله يقول عن نفسه “سبقت رحمتي غضبي”، الأمر بالنسبة لغير المؤمنين شيء ميتافيزيقي غير ملموس ولا يترجم بشكل مرئي أو مادي، لكنه بالنسبة للمؤمنين يمثل جوهر إيمانهم وأساس توبتهم وأوبتهم رغم كثرة عثراتهم وتوهانهم في الطريق إليه.

ذلك اليقين بأن رحمته تسعنا على علاتنا وأدراننا، تلك الثقة التي لا ندري أمصدرها وعينا أم شيء غيبي لا ندركه لكننا نحس به ويغمرنا في لحظات ضعفنا وإدراكنا لانحرافنا عن الصراط كثيرا.

يتربص بنا اليأس مرارا ونحن ندرك في لحظات كثيرة، أننا صرنا أشخاصا آخرين غير أولئك الذين عرفناهم بدءً، نتوه عن أنفسنا، عن براءة الطفولة الأولى، عن فطرة القلب الذي لم يعرف الخبث ولم يجرب الخطأ ولم يقر في قلبه شيء من حلكة، ننظر لأنفسنا ونحن نبتعد ونتغرب عن ذواتنا، تدهشنا الحياة وهي تنقل لنا أخبار فلان الذي تحول بين ليلة وضحاها، رغم أن تحوله حقيقةً صار رويدا رويدا، بخطى حثيثة… عززته الأنانية مرة، كلام الناس مرات، استيئاسه من رحمة الله أحيانا، قنوطه من نفسه ومن احتمال عودته عن الطريق الذي اختاره طوعا.

استعادة جيل التواضع

منذ القدم، سطرت الرسالات السماوية فكرة حياتية مهمة وسنة كونية ماضية وطبيعة من طبائع البشر، وهي فكرة محدودية الإنسان: محدوديته في فهمه، في إدراكه، في قدراته، في التحكم في أهوائه، في تحقيق متعه، في حياته ووجوده على الأرض. وذلك حتى يستشعر هذا الإنسان ضعفه وافتقاره إلى الله تعالى، ويطلب منه على الدوام الهداية والمعونة والتوفيق فيما يقول ويفعل، وحتى يكون واقعيا في نظرته للأمور والأحداث التي تواجهه خلال مسيرته على هذه الأرض، فالضعيف والمحدود لا يستطيع أن يأتي إلا بأشياء وآراء وأفكار محدودة، ولا يستطيع أن يكون دوما على صواب ولا يمكنه أن يمتلك علما مطلقا ويحيط بكل شيء، ولا يستطيع أن يستقل بنفسه عن الآخرين، كما لا يستطيع أن يجعل نفسه في منأى عن كل مكروه ومصاب.

بائع المناديل

‫كم مرة حدث وأن قابلت طفلا صغيرا يبيع المناديل ويتجول في الطرقات وممرات السيارات، ثم ماذا كان رد فعلك وهو يمد إليك بيده الصغيرة علبة مناديل، ربما أغلقت نافذة سيارتك أو أسرعت إذا كنت راجلا أو ربما رق قلبك يوما ما واعتبرتها صدقة، أو ربما بكـل أدب أجبته لا شكرا لا أحتاج! بدون حتى النظر في وجه ذلك البائع المجهول.

بالنسبة لي، كلما كنت أصادف طفلا من هـؤلاء ويعرض علي سلعته كانت أول ردة فعل مني أن أشير بيدي و أقول له: لا أريد شكرا ! حتى إنني لا أنظر إليه، فالبنسبة لي هو مجرد حدث يتكرر وفي كل مرة تكون تلك إجابتي، هذا المساء ترددت قليلا، قلت في نفسي لما لا آخذ علبة فهو على الأقل يبيع ولا يتسول فناديته فاذا بي أرى طفلا جميلا جذاب العينين، طلبنا منه علبتين أنا و صديقتي فإذا به يقول ٱنتظرا سأعطيكما علبتين جديدتين أما هاتان التي أحملهما فأصبحتا قديمتين شيئا ما فأنا أحملهما منذ الصباح، استغربت كثيرا لهذا الموقف النبيل وهذا الكرم الذي يعجز عنه الكبار، و أصحاب الأموال، فقد فضّل هذا الطفل أن يعطينا أفضل ما عنده بدل أن يتخلص من العلب القديمة.

معاني.. من أندونيسيا

كتبت عن بعض ما قمت به عندما زرت أندونيسيا، لكني لم أكتب عن الدروس التي يجب استخلاصها من تلك الزيارة. فبعد أن زرت مجموعة من المراكز و المدارس العتيقة Pesantren التي تشكل أكثر من 60% من المدارس في أندونيسيا، بالإضافة إلى دور الأيتام بكل ما وجدت فيها من حب و عطف و حسن تنظيم، شغلني شيء واحد!

فكل المدارس التي زرتها سواء في مدينة شيربون أو بانجيوانجي هي عبارة عن أوقاف. أعطيكم مثالا: الشخص الذي تشاهدونه (في هذا الفيديو) في المسجد مع الطلبة و هم يحيونه بعد الصلاة في الدقيقة 1:09 هو من يسمى في الثقافة الأندونيسية بKyay أو المعلم الأكبر.

بعاهتهم تألقوا

“إن ما نستطيع أو ما لا نستطيع فعله، وما نظنه مستحيلا أو غير مستحيل، نادرا ما يكون مهمة قدرتنا الحقيقية، إنها على الأرجح مهمة إيماننا بأنفسنا”. تأملت هذه المقولة لصاحبها ألبرت كامو في محاولة لفهم مغزاها لأجدني أستحضر قصصا لأشخاص لطالما تساءلت عن سر تلك القوة التي جعلتهم يبدعون ويتألقون و يسهمون في بناء الحضارة الإنسانية رغم إعاقتهم الجسدية، بل و يتفوقون على غيرهم من الأصحاء.

الامتثال و السعادة

قبل أيام شاهدت مقطعا من برنامج تلفزيوني جاء فيه تجربة حول ظاهرة الامتثال الاجتماعي “conformisme social“، التجربة كالتالي: تدخل فتاة إلى قاعة انتظار في عيادة ما و تجلس إلى جانب أشخاص آخرين تم الاتفاق معهم على أن يقفوا عند سماعهم صوت رنين منبعث من مكان ما في العيادة ثم أن يعاودوا الجلوس على مقاعدهم. تم إصدار الرنين مرتين بينما الفتاة تنظر إلى الناس تقوم و تقعد، و مع إصدار الرنين الثالث بدأت في تطبيق نفس الأمر، و استمرت في ذلك حتى بعد خلو القاعة من الناس.

متى العودة من الكوكب الأزرق؟

مثلت الكتابة دائما بالنسبة لي فعلا مِزاجِيا وعفويا محضا. لَم أعتد أن أتقيد بموضوع عند شروعي فيها، وإنما أُسَلِّم القلم لأِناملي وأتركها تُراقصه رقصتها الصوفية على أنغام خواطري. فأدخل حينها في حالة من الخروج عن الواقع وأغوص فيما يجول بداخلي.

لكن اﻷمر مختلف اليوم. فقد جئت أطرح على مائدتكم موضوعا شغل الخاطر ومس صغيرنا قبل كبيرنا. منذ فترة زمنية لابأس بها أصبح يطغى على شاشات حواسيبنا لون متمرد الزرقة، فاتن للناظرين و فاتك بهم. إنه عالم جديد دخل حياتنا دون استئذان، اجتاحها بذريعة أنه سوف يمكننا من تقصي أخبار بعضنا البعض وأيضا من طرح جديدنا بتلك العفوية الفاحشة.

تحب العفو

كثيرا ما نردد هذا الدعاء : ” اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني” وخصوصا في العشر الأواخر من رمضان تطبيقا لما وصانا به الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، إنما قليلا ما نتدبر معانيه الجمة ورسائله البليغة : نعلم جيدا أن العفو هو اسم من أسماء الله الحسنى، وأن العفو أبلغ و أعظم من المغفرة، فيه محو الذنب حتى من الكتاب ولا يسال الله عنه يوم القيامة، إنما هل نتوقف عند كلمتي : “تحب العفو؟” ألسنا نطلب من الله دوما أن يحبنا ويجعلنا من أحبائه، ألسنا نجاهد أنفسنا لنكون له كما يحبنا ويرضيه ويرضى لنا، ألسنا نحارب أنفسنا للتقرب منه بالأعمال الصالحات وبما يحب من الأعمال؟ فلماذا إذن نتناسى أن الله الكريم العفو الغفور يحب العفو؟ وأنه علينا أن نتحلى بالعفو في حياتنا الدنيا، بين إخواننا، أصحابنا، أقربائنا، جيراننا وسائر الناس.. جرت العادة أن نسمع كلمات عن المسامحة والعفو، لكن لسنا نطبقها كما يجب، لسنا نتحلى بخلق عظيم، وديننا يدعو إلى مكارم الأخلاق وزينتها، وجمال الأرواح في آدابها.

مطبّات على طريق التكوين المعرفي

كلُّ من سرج جواد العزم من أجل المضي في تشييد صرح فكري خاص أو بناءٍ  معرفي متين لابد معترضةً له تحديات ومطبات تدفعه للمساءلة المستمرة ولمراجعة منطلقاته وسقفِ  أهدافه ولتمحيص شعاراته وغاياته، فكل مطب يشرف على منزلق أو منزلقات إن هوى فيها الباحث وطالب العلم حادت به عما رجاه في بداية المسير… وتلافي التعثر بتلك المطبات يستلزم دوام اليقظة وأحيانا الوقوفَ أمام اختيارات صعبة تجعل الرضا بالحسن دون الأحسن ضرورة حتمية، فتلكم بعض مطبات أعالج وأكابد شيئا منها شخصيا، أقتسمها معكم، فربما ما نظنه شخصيا جدا يكون في كثير من الأحيان مشتركا ومشاعا فوق ما نتخيل.

عودة الفارس الأسود

      عودة الفارس الأسود : هو الفيلم الهوليودي الذي أعاد الرجل الخفاش “باطمان”، الذي بدأ مشواره بطلا في قصة مصورة للأطفال، ثم نجما في أفلام كارتونية، إلى الواجهة و الشهرة … بحيث صنف بعد أسابيع من صدوره من الخمسين شريطا الأكثر مشاهدة في تاريخ السينما و الذي سجل في الثلاث أيام الأولى من العرض في أكثر من 4400 قاعة سينما أرباحا تقدر ب 161 مليون دولار.

إدارة الإنسان

عندما يعي الإنسان أن لحياته معنى، ويبدأ في النبش عن مغزى وجوده على وجه هذه البسيطة، فإن النتيجة الحتمية لذلك أن تصبح حياته متجهة نحو أهداف كبرى يسعى لتحقيقها في ذاته ومحيطه، وحينئذ يصبح هو نفسه مشروع استثمار يبحث له عن أسباب الربح والتطوير والسمو. هكذا، يمكننا الحديث، مقتبسين من أبجديات التسيير الحديث، عن مصطلح “إدارة الإنسان” الذي يمكن تعريفه كما يلي: «إدارتُك نفسَك بشكل علمي وموضوعي وفعال في إطار منظومة متكاملة بغية تحقيق أهداف روحية ومادية أو تطويرها”.

لوحة الحياة

حين نقدم إلى هذه الدنيا تكون حياتنا أشبه ما تكون بلوحة كبيرة، لوحة بخلفية تحمل المعالم الكبرى لوجودنا، وهي مجموعة السنن والقوانين والطبائع التي تحكم طبيعتنا البشرية؛ كما أن هذه الخلفية تتشكل من معطيات مسبقة أكثر تفصيلا وخصوصية عنا، تختلف من شخص لآخر، وهي المعطيات الحياتية التي وجدنا أنفسنا فيها ولا خيار لنا أمامها، من قبيل الجنس والشكل والنسب؛ لكن هذه اللوحة ليست مكتملة ولا نهائية، وهذه المعطيات كلها لا تحسم مستقبلنا ولا أبعاد نمونا ولا الآفاق التي يمكن أن تبلغها ذواتنا من نضج ونجاح ورقي، بل هي مفتوحة على كل الإمكانيات والتطلعات والطموحات، وقابلة للتغيير والتطوير إلى أبعد الحدود، وما يحكم كل هذا أكثر هي عوامل أخرى لنا كامل الاختيار والحرية والإمكانية لتحديد وتشكيل معطياتها، ولنا القرار في اغتنام فرصها وتسخير إمكاناتها وإطلاق طاقاتها. لوحة حياتنا هذه نحن الذين نقرر شكلها النهائي، فبيدنا كل الألون لنضع عليها ما نشاء منها وما نختار، ونخط عليها ما نقرر وما نريد أن نكون.

“أثقل من رضوى، أخف من هيفاء.. “

في خريف سنة 2013، كُتب لي أن أبدأ قراءة “ثلاثية غرناطة” لرضوى عاشور. كنت حينها أعيش في الصين. لم تكن بين أحداث الرواية و مكان قراءة الرواية أي نقط مشتركة جلية.. فقد كانت الرواية تؤرخ بحزنٍ لسقوط الأندلس وانهيار الأرواح المكلومة من الحزن والقهر واندثار الهوية بينما كانت الصين تحكي باعتزاز عن مجد ضارب في أعماق التاريخ، مجد يتعدى عمره أربعة آلاف سنة. كانت شرفة غرفتي تطل حينها على أرض فيحاء فارغة ابتدأت فيها أشغال توسيع الجامعة والسكن الجامعي من أجل استقبال طلاب أكثر في الموسم الدراسي القادم، كنت عند كل صباح أذهلُ لرؤية شطر مهم جدا قد تم إكماله من أجل الانتقال إلى شطر آخر، كان رجال البناء و آلات الحفر و معدات التشييد يسابقون الزمن في صمت و إصرار وعزيمة. فهم يبنون شيئا أكثر من مقدس ، يبنون جامعة ومنارة للعلم.

أمل التحليق وألم المحاولة

أن تدرك تماما بأن الوقت ظلام حـالك فتمسك بشمعة لا تملك سواها في يد وباليـد الأخرى تتلمـس الطريـق محاولا أن تحقق الإبصـار ، فيحدث أحيانـا أن يلاحقك الخـوف من أن تذوب شمعتـك فتحرق يدك الأولى فتعجـز الثانية، وأحيانا أخرى تفقد بوصلتك ووجهتـك وتظل واقفا لا تبرح مكانك فتلعـن زمانك الذي أنت فيه ومكانك الذي قيّدك فيزيد ليلـك حلكـة وتغرق أنت وحدك في عالمـك البئيس!

جون جاك روسو … السائق

     أثار انتباهي هذا الصباح منظر شاهدته في إحدى حافلات العاصمة الفرنسية باريس، فبينما كنا نسير في اتجاه أحد الأقطاب الصناعية للمدينة المتواجد ب”فيرساي”، إذا بالثلوج تحاصرنا من كل جانب، وإذا بالجليد يغطي معظم الطرق الرئيسية، فاضطر سائق الحافلة للتوقف والتنحي إلى جانب الطريق، حتى لا يفقد التحكم فتحيد الحافلة عن المسار. كان مشهداً عجيباً وجميلاً في نفس الوقت، كل شيء حولنا إكتسى حلة بيضاء بهية، درجة الحرارة في الخارج تقترب من 7 تحت الصفر، أما داخل الحافلة فدفء جميل.

دروس في الذكاء المالي والاستثمار والابتكار والإبداع

أعاين منذ مدة، وبشكل لا إرادي، أصدقائي الذين اتخذوا القرار الشجاع الذي يحلم به الكثيرون: الاستقالة من عمل فرض عليهم لكي يعيشوا أحلامهم، ويستثمروا في الميدان الذي يحبونه. ثم أقارن حالتهم النفسية والمادية بأولئك الذين اختاروا لأنفسهم  العمل تحت ظل شركة أو إدارة أو أي عمل مقابل راتب شهري، ولم تكن لديهم الشجاعة اللازمة للتحرر من قيد الوظيفة التي توهم بالاستقرار. ولاحظت أن للفريقين أحلاما مشتركة.

ألا يبعث انفتاح حواسنا الكلي على الآخر على الأحزان مثلما يبعث على المسرات؟

هي لحظة، من بين لحظات أخرى، استوقفني ثقلها و ترسخت في ذهني ووجداني معانيها. كان ذلك خلال رحلة قادتني إلى صحراء مرزوكة وجدبتني إلى عوالم داخلية بعد مطبات حياتية حملتني إلى ارتفاع مخيف وهوت بي إلى القعر. غريب و جميل أمر الإنسان، إذا جفت أنهاره و شرايينه ذهبت به نفسه إلى أراض جافة ليرويها وإلى كثبان رملية ليروضها على الصعود و النزول..

برومو “معاني من مكة”

برومو أول برنامج وثائقي لموقع #معاني “معاني من مكة” الذي سيكشف عن أسرار وكنوز هذه المدينة المقدسة وعن المعاني التي يستشعرها كل من زارها من حجاج و معتمرين والتي تجعل مكة المكرمة تأسر القلوب وتستولي على العقول … إنتظرونا 

 

هم واحد وأحلام متشابهة

كنت في القاهرة لحضور مؤتمر حول وضعية المرأة العربية، وكـان ذلك أول ملتقى يجمعني بشباب ينتمون للدول العربية فقـط أي عرب في عرب… قبل ذهابي راودتني أسئلة كثيـرة عن مستوى النقاش وآلياته وضجت ذاكرتي بحلقات برنامج فيصل القاسم وتخوفت أن ندخل في متاهات لغوية أو نستند على تمثـلات وصور نمطية أوليـة فتضيـع الفكرة ويبزغ الخـلاف!

بعد اللقـاء التعارفي الأول غمرني ارتيـاح غريب فكـأن أرواحنا امتزجت بقدرة قادر وتلاحمت أصواتنا لتعزف سمفونية الأخوة الخـالدة، كانت الألفة تكبر بيننا كل دقيـقة، تحدثنا كثيـرا عن الحدود وتأشيـرات الدخـول التي تفرضها بعض الدول على أخـرى، تحدثنا عن الثورات العربية وعن افتقادنا للتمثيلية السـورية ودعونا معهم بقـلب عربي واحد…

الطريق إلى صنعاء

من الناس الذين أحبهم إثنان، يوسف وعدنان، مختلفين ومتكاملين، مغربيين جالوا العالم والتقيت بهم في عاصمة العالم : اسطنبول … هناك أخبروني بمنتدى الشرق الشبابي، الذي يجمع نشطاء الجمعيات و المدونين الشباب في رحلات ثقافية، استكشافية، دورية … كانت الرحلة الأولى في عضو الأمة المريض الذي يقاوم السرطان : فلسطين … ثم كانت الرحلة الثانية في البلد المسلم الجائع الذي انهارت قواه وبدأ يغمى عليه : الصومال … ثم انتهى.

سقوط مختلف

السقوط هو فقدان التوازن الناتج عن حركة غير طبيعية تُحدِث خللا في السيرورة الرتيبة لمنظومة التوازن والاستثباب عند الإنسان، أو هو عملية الانتقال من مكان إلى مكان أخفض منه بفعل قانون الجاذبية وبفعل أن الأجسام بصفة عامة تبحث عن مراكز الاستقرار المستمر.
لكن هناك أنواع أخرى من السقوط قلما ينتبه إليها الإنسان وقلما يعيرها تدبرا وتحليلا، مع أنها تحمل نفس مدلول السقوط المعروف من حيث الشكل وتختلف عنه مضمونا..وهي تَعْظُمه بلا شك أهميةً وقدرا..

أسرار النفس، بين العزلة والوحدة

عزيزتي ..
تعلمين جيدا حبي لأن أكون وحيدا .. حبي لأن أنعزل بين فينة وأخرى .. العزلة ملاذي، دوائي .. وارتياحي.
عزيزتي ..
إننا نقضي من وجودنا معظمه رفقة ذواتنا الخاصة، التي من المفروض أن تكون مرتعا رائقا وطيبا للعيش .. الإنعزال يمنحني دائما القدرة على مواجهة وباء السخافة، وطاعون التشاؤم، ومرض السلبية، يحصنني ضد الكسل، ضد الاجتياح المدمر للأفكار السوداوية القادرة على التحول لقناعة تامة، واعتقاد راسخ ذلك إذا ما سمحت لفكرة سلبية واحدة أن تعشش في دواخلي وتسكنني لأيام وليال. هذا الإعتقاد السوداوي يمكنه أن يلوث فكري، و يغتال طبعي و يُهلك مصيري ..

الحياة الزوجية .. معاني غائبة

إن مما لا تخطئه العين اليوم بين أوساط كثير من الشباب، عزابا ومتزوجين، هو حالة من الإحباط واليأس من إمكانية أن يحظى المرء بحياة زوجية هنية وسعيدة!

لا شك أن الزواج أضحى من أصعب القرارات التي قد يتخذها المرء في حياته، وقد بات يشكل واحدا من أكبر هموم الشباب المقبلين عليه؛ وفي حين كان الزواج أمرا يسيرا فيما مضى، فقد صار اليوم عبئا يثقل كاهل الكثيرين لما طاله من تعقيدات، وبسبب ما صاحبه من تغييرات اقتصادية ونفسية واجتماعية فرضتها ثقافة هذا العصر الموغلة في المادية، وقد أفرز ذلك ارتفاع سقف التوقعات والمتطلبات بين الجنسين، وتغيرت الرؤية بشكل عام للمعاني والمفاهيم المرتبطة بالزواج وبناء الأسرة عند الكثيرين.

الأمل الذي لا يخيب

هناك مقولة تعجبني كثيرا للمفكر و الزعيم التشيكي “فاتسلاف هافل” يقول فيها :

الأمل ليس هو أن تعلم أن كل شيء سيكون بخير و لكن الأمل أن تعلم أن كل شيء سيكون له معنى

أكاد أجزم أن فهم الأمل على هذا النحو من شأنه أن يحدث ثورة حقيقية في حياة الإنسان. أليس الأمل في النهاية هو صيغة من صيغ البحث عن السعادة ؟ الأمل في النجاح، الأمل في الشفاء، الأمل في الربح ، الأمل في الخروج من المأزق، الأمل في العثور على شريك الحياة المناسب، الأمل في حياة هانئة وخالية من المنغصات

أبي الذي أوقد عقلي بالسؤال

أبي لم يقدم لي الاجابات، لكنه علمني فن السؤال
كان أبي، رحمه الله، من أذكى الأشخاص الذين عرفتهم في حياتي، فمع أنه فقد بصره منذ أن كان طفلا صغيرا، إلا أنه حقق أشياء لبلده، من أهمها أنه أول من أدخل تقنية البرايل للمغرب كما أنه كان من الأوائل الذين اجتمعوا حول إعداد البرامج التعليمية للأطفال المكفوفين. كان أغلبها يتمركز حول ترجمة المناهج و كذا كتابة و تحقيق القرآن الكريم بلغة البرايل. لكن أهم ما كان يميزه هو كيفية معاملته لي و أنا طفل صغير. لم أعلم أنه أبي قبل أن أدرك معنى الأبوة، كنت دائما أحسبه صديقي و كنت كثيرا ما أغضب منه، فكان يكتفي بطرح أسئلة قصيرة حول سبب غضبي و يتركني أعبر و أتفلسف، فأجد نفسي أجيب بأسئلة أخرى على أسئلته..

هناك أشياء …

هناك أشياء في هذه الحياة لا تقبل التفسير. يسيء إليها التفسير بقدر ما تسيء إليه.

مثل كأس الشاي الذي ندرك بعناية مقاديره التي تضبط مزاجنا. مثل اللحن الذي تنساق جوارحنا معه راقصة رغما عنا. مثل الحركات البلهاء التي نلاعب بها الأطفال. مثل اللون الذي نحب أن نرتديه والآخر الذي نقحمه دائما في تفاصيلنا الصغيرة. مثل الورد عندما يذبل و قد كان جميلا، ومثل الفراشة عندما تموت و لم تعش طويلا. مثل السعادة عندما لا تكتمل، و الفرح عندما لا يكون كافيا. مثل اثنين أحبا بعضهما تحت القصف. مثل عازف يجثم مدججا بآلته الموسيقية أمام دبابة. و مثل طفلة تشتهي دمية في غياب الرغيف.

خواطر من مكة

يقال بأن الله يطل على مكة بجلاله وعلى المدينة بجماله.. بالفعل، إحساس ما يلازمك طوال تواجدك في مكة، هذا الإحساس هو الرهبة !
التجمع الرهيب لملايين البشر من كل الأجناس والبلدان والثقافات، برجالهم ونسائهم وشيوخهم وأطفالهم في مكان واحد بالشكل الغير منظم خارج أوقات الصلاة يذكرك بالبعث والمحشر والجمع الأكبر.
أفكر بأمور كثيرة وأنا أجول محيط المسجد الحرام؛ وأنا أنظر إلى هذه الوجوه التي أتت إلى هنا لتدعوا المجيب ولتقترب أكثر من القريب؛ وكيف أن الله يعرف كل شخص من هؤلاء، أسراره وأمانيه..

عن روح المرح عند العلماء والأدباء

كل من يفتقر إلى حس المَرَح والفكاهة في أخلاقياته وسلوكهِ فمن المستحيل إلى أبعد الحدود أن يُصَنَّف مِن وِجْهَة النظر الأدبية في خَانة أهل الأدب البارزين.

فمهما تعددت المشاربُ، واختلفت الرُّؤى والتوجُّهات، وَتَنَوَّعت الموارِدُ والمَصَادِرُ، فإن الدُّعابة تظَل قاسِماً مشتركًا يتخلَل كُلَّ أصناف الأدباء على اختلاف أشكالهم وألوانهم، وَمَهْما حاول المرءُ أن يجْعل من نفسهِ أديباً عاقِلًا أو شاعرا تتفجر الحكمة من عباراته وألفاظه أكْثر ممَّا ينْبَغِي، إلَّا ويخْرُجُ عَلى القرَّاء بِكَلَامٍ مُتقَعِّرٍ باردٍ عليه غَبَرَةٌ من التَّكلُّفِ فِي مِسْلَاخِ الْحِكْمَةِ وما هُو منها في شَيْءٍ.