بدأنا مما انتهى إليه الآخرون

بدأنا مما انتهى إليه الآخرون، و انتهينا حين بدأ الآخرون. عندما كان “جيمس وات” يضع أول تصاميمه للمحرك البخاري الذي كان شرارة الإنطلاق للثورة الصناعية بإنجلترا، و منها إلى باقي دول القارة العجوز، لم يكن يفكر في نوعية الملكية التي تحكمه، أهي برلمانية أم دستورية، لم يكن كذلك “أديسون”، وهو يصمم مصباحه ليضيئ به العالم، يهتم أي نظام يحكمه أهو جمهوري أم ملكي، هؤلاء و مجتعاتهم كانوا يوقنون أشد اليقين أن نهضتهم لن تكون أولا إلا بنهضته

سيدة الابتسامة

أذكر وأنا في سلكي الدراسي الثاني كنت أصادف كل يوم، وأنا في طريقي إلى المدرسة، سيدة تبدو في أوائل عقدها الثالث. قد يتساءل البعض ما الذي جعلني أنتبه لتلك السيدة بالذات دون غيرها، أو لماذا لازلت أتذكرها بعد مرور كل تلك السنوات.. إنه ببساطة ابتسامتها. أجل، فطوال ثلاث سنوات و في كل مرة كنت أراها أذكر أنه لم تفارقها الابتسامة يوما، سيدة لا أعرف عنها شيئا أكثر من أنها موظفة في إحدى الإدارات العمومية ولم أحاول أن أسأل يوما عن اسمها أو عن نسبها ولا

رحلة الحياة

“كن في الدنيا كأنك غريب، أو عابر سبيل” (رواه البخاري) حديث ربما سمعناه كثيرا ربما أثر في بعضنا وربما لم يؤثر ربما نجحنا في فهم مغزاه وربما لم ننجح… في الأيام الأولى لتعرفنا على الأحاديث وفي محاولة سبر معانيها ندعي أن المعنى وصلنا وأننا وعيناه جيدا وقد نأخذ العهود على أنفسنا “نعم سأعيش في الدنيا كأنني غريب أو عابر سبيل”… لن أتعلق بالحياة كثيرا ولن أزهد فيها كثيرا ولن أدقق في الأمور كثيرا لأني عابر سبيل سرعان ما سأغادر الدن

طفلة دائما

لا أدري لم تراودني فكرة العودة إلى الطفولة هذه الأيام.. فعندما أدرك حقيقة أنني لم أعد ألعب في الحي، عندما أدرك حقيقة أنني لم أعد أملك دراجة هوائية، عندما أدرك حقيقة أنني لم أعد أستطيع الركض في الشارع على مرأى من عيون الناس.. يأخذني الحنين إلى طفولتي. لم تكن طفولة سندريلية مليئة باللون الزهري، بل كانت طفولة غرانديزرية مليئة بالإندفاع والإقدام والحرية. كنت أحب اللعب كثيرا، بل إن كل ما كنت أفعله هو اللعب. (المزيد…)

خواطر في مترو بروكسل

في هذه اللحظات التي لا تأتي فيها أنشطتي اليومية بأي متعة تذكر، حيثُ تسأم فيها روحي من تتالي الأيام وتشابهها، حيثُ أستقل ميترو السابعة وعشرين دقيقة صباحا دون أن أكثرت لقراءة بضع صفحات من مؤلف اقتنيته لا لشيء سوى لكي لا يتسرب لي الملل في هذه المركبة التي أكرهها. الميترو قبيحٌ، ذلك أنه صنع كرهاً، فهو لا ينتظر أحداً. ولكثرة استعمالي للمترو فإن تلك اللازمة المرعبة التي يشكلها تكرار جلبة الانطلاق والفرملة تُحفر في ذاكرتي، يُقاطعها صوت رتيب يُ

مسالكُ الحبّ في مهنة رسّالة النّـبل

على هيئة رجل قادم من زمن آخر قادني ذلكَ الصّوت الغريب إلى هذه الكلمات : ” انطلقي إلى مهنة التعليم وأنت تحملين أجنحة من حب؛ لا شيء غيرها يمكنه أن يحلق بكِ نحـو سدرة العطاء ونكران الذات والانتفاء فيما أنت ذاهبة إليه.. وحدها بإمكانها أن تزودك بطاقة لا قبل للسابقين بها حتّى لا تجعلك من الساخطين ؛ هي فقطْ من يمكنها أن تزرع فيك حبّات قمح تسمو عن أوحال المهنة ” (المزيد…)

جريمة العقوق

‫تجربتي الطبية القصيرة عايشت عددا من القصص والحكايات المقززة.. أرحام تُقطع على عتبة مصلحة الإنعاش ومسنون يُرمون بالأسابيع لا يزورهم أحد من الأبناء والأحفاد، حتى أنك قد لا تجد من تعلمه بوفاتهم لأن الأهل قد يتركون أرقاما وهمية لأنهم أقفلوا قلوبهم قبل هواتفهم.. فتجد من الأولاد من يستعجل موت أبيه وفصله عن الأجهزة لكي ينصرف إلى شؤونه ويرتاح من المصاريف.. (المزيد…)

التعليم أولا.. لكن كيف؟ 

كثيرا ما نسمع و نقرأ عن أناس يتكلمون عن نظامنا التعليمي و ينتقدونه، و عن مدارسنا و سوء أحوالها، و عن الأساتذة و المناهج و المواد و الكتب و المحفظة الثقيلة و بعد مسافة المدرسة في العالم القروي و قلة التجهيزات و الموارد المالية النادرة و النتائج الغير مرضية و الغش في الامتحانات و و و و.. و اللائحة طويلة.. (المزيد…)

الحق والباطل… ذاك الصراع الأبدي

في البدء كان الحق، وكان الحق وحده… ثم ظهر الباطل لابسا جُبة الصالحين، فبطُل صاحبه بعد تكبره، وأقسم بعد ذلك على محاربة من كلفه الحق بحماية الحق والذود عليه وهو أبونا آدم، والدعوةِ إلى الباطل في عقبه، فكان إيذانا ببدء صراع أبدي، صراع أطلق شرارته الأولى على الأرض قابيل وهابيل، ولن ينتهي أبدا إلا بفناء هذا العالم: تلك هي القصة التي نعيشها منذ نشأة البشرية، ومدارها أن يكون كل واحد منا في أحد الطرفين، الحق أو الباطل… (المزيد…)

ذاكرة الزمان

ترعرعت في أسرة تنحدر من قرية صغيرة بجوار مدينة الرشيدية تدعى تينجداد، قدمت أسرتي بعد مسار طويل من التجوال و الترحال إلى مدينة البيضاء مسقط رأسي، تأرجحنا بين مدن كثيرة في رحلة البحث عن قوت العيش، كنا لا نكاد ننصب خيمة الاستقرار في أرض حتى تنقلنا الأقدار إلى أخرى، حتى أننا احترفنا هواية التنقيب عن “الهوندا” (سيارة نقل البضائع). (المزيد…)

نحن والصداقة…

“إن الصداقة نادرة في العالم، وخصوصاً بين الأنداد والمتساوين” (فرنسيس بيكون) من طبيعةِ الإنسان وسَجِيَّته التي فُطِر عليها، أن تنزِع به نفسه تِلْقَاءَ ما لا يعلم، وأن يستشرف بعقله ونظَرِهِ نحوَ كل ما يتجلَّى ظاهرهُ ويَخْفى وراءَه شيءٌ؛ ومن ثمَّ كانتْ مُقدِّمة الإعجاب، وبادرةُ الاختلاب بشخصٍ ما ناتجةً عن هذا الفضول الجِبلِّيِّ، أو حُبِّ استكشاف “الخصوصيات” والتعمُّق في أغوار الأمور إلى أبعدِ مدىً ممكن. (المزيد…)

طفولة قلب

يقول الرافعي “أ فتدري ما السعادة، طفولة قلب”، كل شيء محله القلب، فهو الذي يجعلنا نبصر الأشياء بمنظور مختلف عما يراه الآخرون. يعتقد أغلبنا أن الطفولة مرحلة عمرية مصحوبة بعدم المسؤولية وكثير من الجنون، تتوقف عند سن معينة، تتميز في نظر الأغلبية بكونها مرحلة تنعدم فيها المسؤولية وتكون قدرة الطفل على التمييز بين الصالح والطالح محدودة، لذا فهو بحاجة مستمرة للتوجيه وأحيانا للعقاب والتحذير… (المزيد…)

مخاض تحاصره الجبال

كانت تحمل حزمة حطب فوق رأسها وتصعد بعناء نحو بيتها المبني من حجارة مضى عليها على الأقل قرن من الزمان رُتبت هناك على الأرجح عندما هربت القبيلة من المستعمر واستوطنت الجبل لتحتمي بفجه الوعر ومسالكه المبهمة. كانت تضع يدا على الحزمة لتمنعها من السقوط فتظهر من بعيد وكأنها شجرة أطلسية ضاق بها الفضاء فاجتثت نفسها من التربة وشدت الرحال إلى المجهول، كانت ترد على تحيات النساء اللواتي يظهرن على حين غفلة، يبرزن من أجمة تارة ومن فج عميق عميق تارة أخر

عدو فكرتي.. ليس بعدوي 

قبل عدة أيام حضرت لأحدى الندوات، كانت لكاتبة مغربية قدمت خلاله كتابا قيما صدر مؤخرا لها، كان لقاءا ثريا وغنيا معرفة وثقافة وتجديدا وفكرا.. حتى جاء وقت المداخلات لتنشب حرب نوعا ما غبية بين شخصين من الحضور، الذي قد يعتبر ملما نوعا ما بالثقافة وما يقرب إليها من قول وعمل، حول من صاحب الفكرة الأعمق والرأي الأصح ومن له الأحقية في الكلام، لتعم الفوضى ويترك أغلب الحضور المكان بسبب مراهقين فكريا يحاولون فرض أفكارهم بصوت عال. يا للخجل. (المزيد&hellip

الزواج… الميثاق الغليظ

فطر الله النفس البشرية على الأمان والاستقرار، وجعلها في سفر دائم وبحث مستمر على الشريك الذي تطمئن له وتسكن إليه، وما إن تجده حتى يعود لها التوازن الذي يضمن لها الراحة والسعادة. عرف الله تعالى هذا الرابط المقدس بالميثاق الغليظ، وجعل له قواعد وأسسا تضمن لطرفيه الكرامة، وتحملهما مسؤولية تطبيق شرع الله على هذه الأرض وتقنين استمرارية الجنس البشري على وجهها. (المزيد…)

فن مصارعة الحياة

نعيش فعلا حالة من القلق المزمن. أصبحت الحياة تفرض على أكثرنا نمطا قاسيا، و أصبحت وثيرة العيش عالية إلى درجة أن الأيام و الأسابيع و الأشهر تنقضي في غفلة منا، لا نكاد نستشعر مرورها. تداهمنا السنوات الجديدة و نحن على نفس حالة الدهشة : انقضت السنة ؟ بهذه السرعة ؟؟ ساعات العمل المضبوطة، و آلة تسجيل الدخول و الخروج التي ترقب المتأخرين في قسوة جافة … مواعيد المواصلات، ساعة دخول الأطفال للمدرسة، ساعة الذروة، زحام الطرقات … تقذفنا الحياة قذف

ولطلابنا علينا حقا

الأحاديث في بلادنا عن التعليم تكاد لا تنتهي، التصنيفات الدولية تحيلنا على مؤخرة الترتيب، النتائج داخليا مخيبة، رجال التعليم يشتكون من تدني المستوى و من عدم اكتراث التلاميذ، المتمدرسون بدورهم لا يتوقفون عن الشكوى؛ يشتكون من أساتذة لا مبالين أحيانا، غير أكفاء أحيانا أخرى، من إداريين لا يستمعون لهم ينهرونهم فقط عند كل لقاء…باختصار الأحوال تنبئ عن انفصال بين الأطراف المتدخلة، كل يعيش بعالم مغلق لا نوافذ له على عوالم الآخر. (المزيد&hellip

موضوعية الصغار!

إننا معاشر المربين نريد ونطلب من أطفالنا بل ونصر عليهم أن يكونوا موضوعيين ومنطقين وصريحين ودقيقين حين يتحدثون أو حين نطلب منهم تفسيرا لأمر أو سلوك بدر منهم، نريد منهم توضيحا للأسباب والمسببات، والنتائج والمقدمات، بلا مراوغة ولا مبالغة ولا كذب ولا توهم، وقد ننزعج من مبالغاتهم وتحيزهم وسرعة تغير مواقفهم وغلبة الظنون على كلامهم وغلبة عواطفهم على أحكامهم وميلهم مع أهوائهم وربما كذبهم دون شعور بالإثم أو الحرج، ونتلمس بشكل واضح إلى أي حد ت

تاريخنا الذي نجهله

ككل يوم جمعة، قصدت مسجد الشيخ سيف بحي الرياض، حيث تشدني خطب د. عشاق حفظه الله إليها لغة وتذكيرا وأفكارا… في ذلك اليوم حدثنا عن قصة سبأ متدبرا مقطع ما ذُكر من قصتهم في السورة التي تحمل نفس الاسم، وكيف تحولوا من أناس كانوا في نعمة من الله إلى أناس يعيشون في ضنك وجنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ومُزقوا كل ممزق… (المزيد…)

التصوف المعرفي… 

كان التصوُّفُ ولا يزالُ في النسق الديني المحض بمفهومه النفسي، ومعناه الروحي، وبُعده الوجداني، سلوكاً راقياً ومنهجاً لطيفاً يسْبُر المرء من ثَناياهُ ما وراء المحسوس، ويمسح عن مرآة روحه الصقيلةِ ضبابيةَ الحياة المُعتِمَة؛ لتصفوَ منهُ الحواسُّ وتنجلي له معالمُ ودقائقُ من الأمور. فحين يكون الماءُ صافياً وساكناً لا يُعوِزُ العينَ الباصرةَ أن ترى من خلاله صورتَها، أو تستشِفَّ بمزيدٍ تركيزٍ ما في أعماقه، بخلاف ما لو كان متحركاً غيرَ ساكنٍ

لا يحيى إنسان لا يعرف باطنه 

يواجه الكثير منا صعوبة في التعرف على ذاته، فإن سألت شخصاً قريباً منك عن أهم ثلاث خصال تميزه وثلاثة عيوب تشينه، ستجده بكل عفوية يسرح بنظره في السقف ويطوف بعينيه في أرجاء الغرفة، ولربما فرك يديه المتعرقتين وضحك تلك الضحكة التي إن دلت على شيء فهي تدل على حيرته في البحث عن صفاته، وجل الأشخاص -لكي لا أقول كلهم- سيحاولون ذكر صفات مكررة تتسابق إلى أذهانهم ما إن يسمعوا كلمتي “خصال وعيوب”.. صفات من قبيل: متفائل، صادق، وفيّ، عصبي.. إلخ من الصفات الت

الزواج مرة أخرى… من نفس الزوجة…

الملل والسآمة والتشوف للجديد وطلب المزيد خِلالٌ للإنسان استقرت في طبعه منذ كان وهي لا تختلف بين إنسان وآخر من حيث الوجود ولكن فقط من حيث شدة تأثيرها على سلوكه ومن حيث تجاوبه معها دفعا وتحجيما أو خضوعا وتسليما… فالإنسان يتطلع دوما للتغيير ويحب كما الأطفال أن يعيش دائما قلبُه لوعة المغامرة ولذة تلك الخفقة ومتعة ذلك الخاطر الأول عند اقتحام الجديد وتجريبه… والمبذول قَدَرُه أن يكون مملولا والظفر تخبو معه نار الطلب والتعلق وتستكين، وأ

أخبرني.. هل ضميرك بخير !؟

إن الضمير الآثم لا يحتاج إلى أصبع إتهام لذا ابدأوا بمحاكمة أنفسكم أمام ضمائركم وأعلموا أن شجرة الظلم لا تثمر وإن من بالغ في استسلامه ضاق فكره عن رؤية الحقيقية ومن صدق كذب الحياة سخر منه ضميره وأن عواقب الصمت أشد خطورة من أسبابه ولأن الضمير هو منارة الإنسان إلى الصواب نستعين به لتحقيق الحلم العربي لذا دعوا ضمائركم تنطق فالضمير الأبكم شيطان أخرس..  (المزيد…)

زاوية معتمة

بعد أن يشتد الليل ويسكن الناس إلى أنفسهم ويغطيهم الظلام بلحافه ليستسلموا للنوم صاغرين مستدفئين، هناك في مكان ما، في زاوية معتمة باردة، بعيدة عن الأعين ربما أو على مرأى منها لكنها تمر دون أن تعيرها اهتماما، في بقع كثيرة من بقع هذا الوطن في أنحاء شتى من هذا العالم، هناك أماكن مظلمة ليس لأن الضوء لا يصلها ولا لأن الشمس لا تصافحها، وهي باردة باردة حقا، ليس لأن السماء تمطر ثلجا ولا لأن الشمس تغشاها السحاب، وهي موحشة موحشة كزنزانة فردية نخرتها

من معاني الولادة

لطالما أبهرنا منظر الولادة وخطواتها، لحظة الخروج إلى هذه الحياة، أول صرخة معلنة دخول الهواء مباركا على كل الأحشاء.. لطالما فرحنا بذلك القدوم السعيد لمخلوق صغير يضفي على حياتنا بهجة من نوع آخر.. لكننا ننسى تامل ماوراء الخفاء، ويجهل أغلبنا تحديات الأمر !! في دراسة لطريقة الولاد العادية، تبهرنا حقا آيات الله في طريقتها وتفاجئنا رحامته المنزلة كالغيث على الجنين قبل خروجه: يتجاوز الصغير ثلاثا تضيقات عظمية عجيبة بالمقارنة مع حجمه، يدور ويلتو

جولة في شوارع ديلهي

الطريقة التي يجب للزائر أن يتعامل بها مع الحياة في ديلهي وفي كل المدن الهندية الكبرى إن أراد أن يطيب مقامه فيها، هي نفسها الطريقة التي يجب أن يتعامل بها الإنسان مع الحياة بشكل عام … نيو ديلهي، عاصمة أكبر ديمقراطية في العالم، ممتلئة عن آخرها بكل أنواع وسائل النقل، 25 مليون كائن بشري، ناهيك عن مختلف الحيوانات … الضجيج يشكل جزءاً من المنظومة الصوتية والحركة العشوائية للدراجات النارية والهوائية والسيارات والبقر والكلاب والمارة مما يو

من اغتنى بفضائل الناس استغنى عن فضلهم

صدفة التقيت به وفي خضم حديث سريع اقترح علي الصديق العزيز مهدي أن أسافر معه للمدينة الزرقاء. وبعد يوم وجدت نفسي بدون سبق إصرار في القمة العالمية للصالح الإجتماعي التي نُظمت من طرف مندوبية الأمم المتحدة و “ماشابل” في مدينة شفشاون، في إطار اللامركزية، بالموازاة مع مدن عالمية أخرى مثل نيويورك  وأماكن أخرى أقل أضواء وإشعاعا. (المزيد…)

قلم ساخط، و نفس تشتاق

أكره نفسي حين أحمله بين أناملي و لا يذخر علي عقلي بشيء أدونه، رغم أن القلب يعج بالكثير. و كأنني حديثة العهد به! كأنه نسي ملمس أناملي! أهكذا أيها اليراع العزيز تتنكر لأيامنا السالفة؟ أهكذا تنسى بيسر أيامنا الخوالي و ليالينا الطويلة التي قضيناها سويا؟ كيف لك أن تنسى مخلصتك.. و أنا من ذرفت الدموع بين يديك.. و شاركتك فرحها و ضحكاتها.. كنت الوحيد الذي أثق به، الوحيد الذي أصارحه بأسراري كلها، دون خوف من أن تحاسبني أو تنتقص من شأني.. جلست ساعات و ساع

زكاة الدم

سلمت نفسي للممرضة، وضعت راسي، ومددت يدي ونويت ما نويت في مرافئ مقصدي.. عيني على عرقي الذي حررته شوكة الأطباء، فانساب رحيق دمي عبر الأنبوب الذي غرس في ذراعي.. خرير دمي الأحمر الحار، شخصت لمنظره مقلتي وخشعت لصوته بصيرة مسمعي.. تتبعت مسار القطيرات التي تملأ الكيس رغبا ورهفا وفرحا، فوجدتها تنبع من غيابات جباب قلب ارتفعت حرارته واشتدت حرقته وعظمت لوعته… (المزيد…)

كن ولا تكن..

ترتفع نبْرَةُ الصوت تِلقائيًا بمقدار ما يشتدُّ الوقْرُ والصَّمم على أذُنَيْ المريض؛ إذ يُخيَّل إليه أن لا أحدَ يسمعهُ إلا إذا أسمعَ نفْسَهُ؛ فمقدار الإحساس بالمشكلة هو ما يَحْكُم ردَّة الفعل لِدفْعِها. إن القراءة الهادفةَ حتميةٌ لازمةٌ وخُطوةً أولى لإرساءِ أو إصلاحِ دعائمِ أيٍّ صرح حضاري مُتداعٍ، وصياغةِ نموذجٍ فكري جديدٍ، وقد غُمَّ اليومَ على كثير ممن ينشُدون العلم والمعرفةَ في عصر التراكُمِ الاهتداءُ إلى الطريقة المُثلى وسواءِ ا

إلى مُحمد

ماذا لو، في هذه البقعة من العشب الأخضر التي أجلس عليها أحيانا لتناول ساندويتش الظهيرة، ماذا لو.. فرشتَ رداءكَ.. وأشرتَ إليّ مبتسما بأن أشارككَ جلسةً كما فعلتَ يوما مع صويحبة خديجة؟ ماذا لو حدث ذلك حقيقة وليس كما يحدث كثيرا في خيالي عندما يحتد الشوق إليك؟ هل سأطلقُ العنان لصرخة مجنونة كما تفعل الفتيات عندما يلتقين بنجمهنّ المفضل؟ أم أنّي سأستغلّ انهماكك في فرش الرداء كي أبحث عن هاتفي الذكي لكي أوثق اللحظة بصورةٍ على الانستغرام؟ أم أنّ جلا

قراءة في كتاب آخر بعنوان “الشركة التي غيرت العالم – للكاتب نك روبينز” 

أظن أن القليل منكم من سبق له أن سمع ب”شركة الهند الشرقية البريطانية” التي تشكل إحدى الطَّبعات الأولى للشركات العملاقة العابرة للقارات الجاثمة بسلطانها على الدول والشعوب…إنها شركة بريطانية المنشأ عالمية الفكرة يُجْلي تاريخُها الدورَ الذي لعبته التجارة في استعمار العالم وقلب موازين القوة و الغنى بين الشرق والغرب… امتد تواجد شركة الهند الشرقية في الهند حوالي ثلاثة قرون منذ سنة 1600 م… ووصل نفوذها السياسي إلى أن طلب أحد مدرا

بين معاني الطبيعة

تبدو الحياة المدنية مغرية بالتجربة لأولئك الذين لطالما عاشوا على هوامشها دون أن يطالهم شيء من حضارتها، غالبا ما تجدهم متعطشين لتجربتها وخوض غمارها، تظل دوما في أذهانهم ذلك الحلم المؤجل لأسباب أقوى منهم. الأمر يبدو مماثلا لنا نحن أبناء المدن في رغبتنا في استغوار أماكن جديدة، في الغالب تأخذنا أحلامنا إلى أماكن خارج الحدود، بعيدة جدا ربما أو قريبة لكنها تظل مغرية بالاكتشاف، خاصة إذا ماكان أصحابها ينطقون بلسان غير لساننا أو يملكون بشرة أك

عن تحية الإسلام

سلام الله و رحمته و بركاته على كل من مر بكلماتي هاته سلام.. فرحمة.. ثم بركة.. السلام.. كل ما يحلم به كل إنسان سوي في عالم غدا يحاول جاهدا مسح الكلمة و مشتقاتها.. بالدم و الدخان و الدموع.. بل بالحقد الأسود الذي ينتشر انتشار الظلام بعيد لحظة الغروب.. معظمنا يحلم بالسلام.. يطلب السلام.. يتكلم و يكتب عن السلام.. لكن القليل.. القليل فعلا من يعيش السلام.. من يحيى بِ وَ لِلسلام.. (المزيد…)

الحفاظ على البيئة أو عندما يبحث السارق عن المسروق…

“نحن لا نرث الأرض عن أسلافنا بل نستعيرها من أبنائنا” أنطوان دوسانت إيكسوبيري استعارة من بعض الأمثال، يبدو أن قُطّاع الأشجار في غابات الأمازون قرروا أخيرا أن يفعلوا شيئا من أجل البيئة، من الآن فصاعدا سيضعون وقودا بدون رصاص في مناشيرهم. إنه نفس المنطق التي تتم به مقاربة مشكلة البيئة والاحتباس الحراري اليوم فالقليل من يتحدث عن أصل المشكل وعن أسبابه الحقيقية والأكثرية تبحث في تطوير النجاعة الطاقية للمناشير حتى لا تنبعث كميات كبيرة م

رقصة مع الطفولة

تكبر الأيام في أعيننا وتتراكم السِنُون فوق بعضها مغيرة بذلك أرقاما تشي بعمرنا. يمر الزمن من أمامنا بخطى مسرعة وتتقدم معه في العمر أجسادنا، لِنعِيَ فجأة بأننا قد كبرنا.. اليوم اكتشفت أنني كبرت وقد حدث ذلك في غفلة مني. كبرت وصارت قصيدة نزار(كبرت يا أمي) تشبهني أكثر، كبرت وما عدت أشبه نفسي. عذرا ألم أعرفكم بنفسي؟ (المزيد…)

عن هوايَ للأندلس أتحدث…

يسألني الكثير من معارفي عن سر هوسي بالأندلس، فلا يمكن أن يمر العام دون أن “أحج” إلى تلك البقعة الفريدة من نوعها في هذه الأرض، وربما تعلقي بها يفوق تعلق ساكنيها ومعرفتي بها تفوق معرفة بعضهم لها، وفي الحقيقة هذا الارتباط بيني وبينها لا أستطيع أن أفسره، لكنني أكاد أجزم أنني ولدت بجينات تصلني بها وتجعلني أبحث عن أصولها، فبمجرد أن أطأ أرضها أشرع في استنشاق هوائها، هواء الماضي والحاضر، والمستقبل أيضا.. (المزيد…)

معان في الرحمة

أتأمل دوما في العلاقة الجدلية القائمة بين العبد وربه، تلك العلاقة التي قوامها الرحمة واللين والمغفرة والثواب، وأحيانا العقاب كرد فعل ردعي قلما يكون خيارا أوليا، فالله يقول عن نفسه “سبقت رحمتي غضبي”، الأمر بالنسبة لغير المؤمنين شيء ميتافيزيقي غير ملموس ولا يترجم بشكل مرئي أو مادي، لكنه بالنسبة للمؤمنين يمثل جوهر إيمانهم وأساس توبتهم وأوبتهم رغم كثرة عثراتهم وتوهانهم في الطريق إليه. (المزيد…)

استعادة جيل التواضع

منذ القدم، سطرت الرسالات السماوية فكرة حياتية مهمة وسنة كونية ماضية وطبيعة من طبائع البشر، وهي فكرة محدودية الإنسان: محدوديته في فهمه، في إدراكه، في قدراته، في التحكم في أهوائه، في تحقيق متعه، في حياته ووجوده على الأرض. وذلك حتى يستشعر هذا الإنسان ضعفه وافتقاره إلى الله تعالى، ويطلب منه على الدوام الهداية والمعونة والتوفيق فيما يقول ويفعل، وحتى يكون واقعيا في نظرته للأمور والأحداث التي تواجهه خلال مسيرته على هذه الأرض، فالضعيف والمحد

بائع المناديل

‫كم مرة حدث وأن قابلت طفلا صغيرا يبيع المناديل ويتجول في الطرقات وممرات السيارات، ثم ماذا كان رد فعلك وهو يمد إليك بيده الصغيرة علبة مناديل، ربما أغلقت نافذة سيارتك أو أسرعت إذا كنت راجلا أو ربما رق قلبك يوما ما واعتبرتها صدقة، أو ربما بكـل أدب أجبته لا شكرا لا أحتاج! بدون حتى النظر في وجه ذلك البائع المجهول. (المزيد…)

معاني.. من أندونيسيا

كتبت عن بعض ما قمت به عندما زرت أندونيسيا، لكني لم أكتب عن الدروس التي يجب استخلاصها من تلك الزيارة. فبعد أن زرت مجموعة من المراكز و المدارس العتيقة Pesantren التي تشكل أكثر من 60% من المدارس في أندونيسيا، بالإضافة إلى دور الأيتام بكل ما وجدت فيها من حب و عطف و حسن تنظيم، شغلني شيء واحد! (المزيد…)

بعاهتهم تألقوا

“إن ما نستطيع أو ما لا نستطيع فعله، وما نظنه مستحيلا أو غير مستحيل، نادرا ما يكون مهمة قدرتنا الحقيقية، إنها على الأرجح مهمة إيماننا بأنفسنا”. تأملت هذه المقولة لصاحبها ألبرت كامو في محاولة لفهم مغزاها لأجدني أستحضر قصصا لأشخاص لطالما تساءلت عن سر تلك القوة التي جعلتهم يبدعون ويتألقون و يسهمون في بناء الحضارة الإنسانية رغم إعاقتهم الجسدية، بل و يتفوقون على غيرهم من الأصحاء. (المزيد…)

الامتثال و السعادة

قبل أيام شاهدت مقطعا من برنامج تلفزيوني جاء فيه تجربة حول ظاهرة الامتثال الاجتماعي “conformisme social“، التجربة كالتالي: تدخل فتاة إلى قاعة انتظار في عيادة ما و تجلس إلى جانب أشخاص آخرين تم الاتفاق معهم على أن يقفوا عند سماعهم صوت رنين منبعث من مكان ما في العيادة ثم أن يعاودوا الجلوس على مقاعدهم. تم إصدار الرنين مرتين بينما الفتاة تنظر إلى الناس تقوم و تقعد، و مع إصدار الرنين الثالث بدأت في تطبيق نفس الأمر، و استمرت في ذلك حتى بعد خلو القاع

متى العودة من الكوكب الأزرق؟

مثلت الكتابة دائما بالنسبة لي فعلا مِزاجِيا وعفويا محضا. لَم أعتد أن أتقيد بموضوع عند شروعي فيها، وإنما أُسَلِّم القلم لأِناملي وأتركها تُراقصه رقصتها الصوفية على أنغام خواطري. فأدخل حينها في حالة من الخروج عن الواقع وأغوص فيما يجول بداخلي. لكن اﻷمر مختلف اليوم. فقد جئت أطرح على مائدتكم موضوعا شغل الخاطر ومس صغيرنا قبل كبيرنا. منذ فترة زمنية لابأس بها أصبح يطغى على شاشات حواسيبنا لون متمرد الزرقة، فاتن للناظرين و فاتك بهم. إنه عالم جديد

تحب العفو

كثيرا ما نردد هذا الدعاء : ” اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني” وخصوصا في العشر الأواخر من رمضان تطبيقا لما وصانا به الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، إنما قليلا ما نتدبر معانيه الجمة ورسائله البليغة : نعلم جيدا أن العفو هو اسم من أسماء الله الحسنى، وأن العفو أبلغ و أعظم من المغفرة، فيه محو الذنب حتى من الكتاب ولا يسال الله عنه يوم القيامة، إنما هل نتوقف عند كلمتي : “تحب العفو؟” ألسنا نطلب من الله دوما أن يحبنا ويجعلنا من أحبا

مطبّات على طريق التكوين المعرفي

كلُّ من سرج جواد العزم من أجل المضي في تشييد صرح فكري خاص أو بناءٍ  معرفي متين لابد معترضةً له تحديات ومطبات تدفعه للمساءلة المستمرة ولمراجعة منطلقاته وسقفِ  أهدافه ولتمحيص شعاراته وغاياته، فكل مطب يشرف على منزلق أو منزلقات إن هوى فيها الباحث وطالب العلم حادت به عما رجاه في بداية المسير… وتلافي التعثر بتلك المطبات يستلزم دوام اليقظة وأحيانا الوقوفَ أمام اختيارات صعبة تجعل الرضا بالحسن دون الأحسن ضرورة حتمية، فتلكم بعض مطبات أعالج و

عودة الفارس الأسود

      عودة الفارس الأسود : هو الفيلم الهوليودي الذي أعاد الرجل الخفاش “باطمان”، الذي بدأ مشواره بطلا في قصة مصورة للأطفال، ثم نجما في أفلام كارتونية، إلى الواجهة و الشهرة … بحيث صنف بعد أسابيع من صدوره من الخمسين شريطا الأكثر مشاهدة في تاريخ السينما و الذي سجل في الثلاث أيام الأولى من العرض في أكثر من 4400 قاعة سينما أرباحا تقدر ب 161 مليون دولار. (المزيد…)

إدارة الإنسان

عندما يعي الإنسان أن لحياته معنى، ويبدأ في النبش عن مغزى وجوده على وجه هذه البسيطة، فإن النتيجة الحتمية لذلك أن تصبح حياته متجهة نحو أهداف كبرى يسعى لتحقيقها في ذاته ومحيطه، وحينئذ يصبح هو نفسه مشروع استثمار يبحث له عن أسباب الربح والتطوير والسمو. هكذا، يمكننا الحديث، مقتبسين من أبجديات التسيير الحديث، عن مصطلح “إدارة الإنسان” الذي يمكن تعريفه كما يلي: «إدارتُك نفسَك بشكل علمي وموضوعي وفعال في إطار منظومة متكاملة بغية تحقيق أهداف

لوحة الحياة

حين نقدم إلى هذه الدنيا تكون حياتنا أشبه ما تكون بلوحة كبيرة، لوحة بخلفية تحمل المعالم الكبرى لوجودنا، وهي مجموعة السنن والقوانين والطبائع التي تحكم طبيعتنا البشرية؛ كما أن هذه الخلفية تتشكل من معطيات مسبقة أكثر تفصيلا وخصوصية عنا، تختلف من شخص لآخر، وهي المعطيات الحياتية التي وجدنا أنفسنا فيها ولا خيار لنا أمامها، من قبيل الجنس والشكل والنسب؛ لكن هذه اللوحة ليست مكتملة ولا نهائية، وهذه المعطيات كلها لا تحسم مستقبلنا ولا أبعاد نمونا

“أثقل من رضوى، أخف من هيفاء.. “

في خريف سنة 2013، كُتب لي أن أبدأ قراءة “ثلاثية غرناطة” لرضوى عاشور. كنت حينها أعيش في الصين. لم تكن بين أحداث الرواية و مكان قراءة الرواية أي نقط مشتركة جلية.. فقد كانت الرواية تؤرخ بحزنٍ لسقوط الأندلس وانهيار الأرواح المكلومة من الحزن والقهر واندثار الهوية بينما كانت الصين تحكي باعتزاز عن مجد ضارب في أعماق التاريخ، مجد يتعدى عمره أربعة آلاف سنة. كانت شرفة غرفتي تطل حينها على أرض فيحاء فارغة ابتدأت فيها أشغال توسيع الجامعة والسكن الج