قراءة في كتاب آخر بعنوان “الشركة التي غيرت العالم – للكاتب نك روبينز” 

أظن أن القليل منكم من سبق له أن سمع ب”شركة الهند الشرقية البريطانية” التي تشكل إحدى الطَّبعات الأولى للشركات العملاقة العابرة للقارات الجاثمة بسلطانها على الدول والشعوب…إنها شركة بريطانية المنشأ عالمية الفكرة يُجْلي تاريخُها الدورَ الذي لعبته التجارة في استعمار العالم وقلب موازين القوة و الغنى بين الشرق والغرب…

امتد تواجد شركة الهند الشرقية في الهند حوالي ثلاثة قرون منذ سنة 1600 م… ووصل نفوذها السياسي إلى أن طلب أحد مدرائها يوما من البرلمان البريطاني دعما فوريا للشركة عام 1784 وأن التأخر في ذلك سيسبب “انهيارا ماليا في جميع أوربا”… فماذا كانت تفعل شركة بريطانية في الهند حتى تتسبب أزمة في ماليتها في أزمةٍ مالية تشمل أوروبا جمعاء ؟!

بين معاني الطبيعة

تبدو الحياة المدنية مغرية بالتجربة لأولئك الذين لطالما عاشوا على هوامشها دون أن يطالهم شيء من حضارتها، غالبا ما تجدهم متعطشين لتجربتها وخوض غمارها، تظل دوما في أذهانهم ذلك الحلم المؤجل لأسباب أقوى منهم.

الأمر يبدو مماثلا لنا نحن أبناء المدن في رغبتنا في استغوار أماكن جديدة، في الغالب تأخذنا أحلامنا إلى أماكن خارج الحدود، بعيدة جدا ربما أو قريبة لكنها تظل مغرية بالاكتشاف، خاصة إذا ماكان أصحابها ينطقون بلسان غير لساننا أو يملكون بشرة أكثر بياضا.

عن تحية الإسلام

سلام الله و رحمته و بركاته على كل من مر بكلماتي هاته
سلام.. فرحمة.. ثم بركة..

السلام.. كل ما يحلم به كل إنسان سوي في عالم غدا يحاول جاهدا مسح الكلمة و مشتقاتها.. بالدم و الدخان و الدموع.. بل بالحقد الأسود الذي ينتشر انتشار الظلام بعيد لحظة الغروب..
معظمنا يحلم بالسلام.. يطلب السلام.. يتكلم و يكتب عن السلام.. لكن القليل.. القليل فعلا من يعيش السلام.. من يحيى بِ وَ لِلسلام..
و النخبة فقط من تسعى لنشر السلام.. بادئ الأمر بالسماح له بالإنتشار في دواخلنا.. بملامسة أرواحنا.. مداعبة قلوبنا و عقولنا.. ثم بالسماح له بالخروج عبر بريق عيوننا.. ابتسامتنا الصافية.. ب”السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته” نابعة من القلب.. بكلمة “شكرا” و “آسف” و أحبك..

الحفاظ على البيئة أو عندما يبحث السارق عن المسروق…

 

“نحن لا نرث الأرض عن أسلافنا بل نستعيرها من أبنائنا” أنطوان دوسانت إيكسوبيري

 

استعارة من بعض الأمثال، يبدو أن قُطّاع الأشجار في غابات الأمازون قرروا أخيرا أن يفعلوا شيئا من أجل البيئة، من الآن فصاعدا سيضعون وقودا بدون رصاص في مناشيرهم. إنه نفس المنطق التي تتم به مقاربة مشكلة البيئة والاحتباس الحراري اليوم فالقليل من يتحدث عن أصل المشكل وعن أسبابه الحقيقية والأكثرية تبحث في تطوير النجاعة الطاقية للمناشير حتى لا تنبعث كميات كبيرة من ثاني أوكسيد الكربون عند قطع الأشجار.

رقصة مع الطفولة

تكبر الأيام في أعيننا وتتراكم السِنُون فوق بعضها مغيرة بذلك أرقاما تشي بعمرنا. يمر الزمن من أمامنا بخطى مسرعة وتتقدم معه في العمر أجسادنا، لِنعِيَ فجأة بأننا قد كبرنا..

اليوم اكتشفت أنني كبرت وقد حدث ذلك في غفلة مني. كبرت وصارت قصيدة نزار(كبرت يا أمي) تشبهني أكثر، كبرت وما عدت أشبه نفسي. عذرا ألم أعرفكم بنفسي؟

أنا رجل ثلاثيني نال الزمن من ملامحه لتدل هيئته على أنه أكبر من ذلك بكثير. بِطُول فارعٍ وجسم نحيل وضعته على كرسي إحدى المقاهي، التي تعودت الانزواء فيها، ها أنذا أرقبكم من خلف شاشة حاسوبي وأنتم تلتهمون كلماتي. بصحبتي فنجان قهوة تمددت بجانبه جثة سيجارة استهلكتها لتوي وأخرى تبدو لك متكئة على المطفأة وقد توهج رأسها في حُمرة شديدة استعدادا لتزويد دماغي بجرعة نيكوتين أخرى .

عن هوايَ للأندلس أتحدث…

يسألني الكثير من معارفي عن سر هوسي بالأندلس، فلا يمكن أن يمر العام دون أن “أحج” إلى تلك البقعة الفريدة من نوعها في هذه الأرض، وربما تعلقي بها يفوق تعلق ساكنيها ومعرفتي بها تفوق معرفة بعضهم لها، وفي الحقيقة هذا الارتباط بيني وبينها لا أستطيع أن أفسره، لكنني أكاد أجزم أنني ولدت بجينات تصلني بها وتجعلني أبحث عن أصولها، فبمجرد أن أطأ أرضها أشرع في استنشاق هوائها، هواء الماضي والحاضر، والمستقبل أيضا..

معان في الرحمة

أتأمل دوما في العلاقة الجدلية القائمة بين العبد وربه، تلك العلاقة التي قوامها الرحمة واللين والمغفرة والثواب، وأحيانا العقاب كرد فعل ردعي قلما يكون خيارا أوليا، فالله يقول عن نفسه “سبقت رحمتي غضبي”، الأمر بالنسبة لغير المؤمنين شيء ميتافيزيقي غير ملموس ولا يترجم بشكل مرئي أو مادي، لكنه بالنسبة للمؤمنين يمثل جوهر إيمانهم وأساس توبتهم وأوبتهم رغم كثرة عثراتهم وتوهانهم في الطريق إليه.

ذلك اليقين بأن رحمته تسعنا على علاتنا وأدراننا، تلك الثقة التي لا ندري أمصدرها وعينا أم شيء غيبي لا ندركه لكننا نحس به ويغمرنا في لحظات ضعفنا وإدراكنا لانحرافنا عن الصراط كثيرا.

يتربص بنا اليأس مرارا ونحن ندرك في لحظات كثيرة، أننا صرنا أشخاصا آخرين غير أولئك الذين عرفناهم بدءً، نتوه عن أنفسنا، عن براءة الطفولة الأولى، عن فطرة القلب الذي لم يعرف الخبث ولم يجرب الخطأ ولم يقر في قلبه شيء من حلكة، ننظر لأنفسنا ونحن نبتعد ونتغرب عن ذواتنا، تدهشنا الحياة وهي تنقل لنا أخبار فلان الذي تحول بين ليلة وضحاها، رغم أن تحوله حقيقةً صار رويدا رويدا، بخطى حثيثة… عززته الأنانية مرة، كلام الناس مرات، استيئاسه من رحمة الله أحيانا، قنوطه من نفسه ومن احتمال عودته عن الطريق الذي اختاره طوعا.

استعادة جيل التواضع

منذ القدم، سطرت الرسالات السماوية فكرة حياتية مهمة وسنة كونية ماضية وطبيعة من طبائع البشر، وهي فكرة محدودية الإنسان: محدوديته في فهمه، في إدراكه، في قدراته، في التحكم في أهوائه، في تحقيق متعه، في حياته ووجوده على الأرض. وذلك حتى يستشعر هذا الإنسان ضعفه وافتقاره إلى الله تعالى، ويطلب منه على الدوام الهداية والمعونة والتوفيق فيما يقول ويفعل، وحتى يكون واقعيا في نظرته للأمور والأحداث التي تواجهه خلال مسيرته على هذه الأرض، فالضعيف والمحدود لا يستطيع أن يأتي إلا بأشياء وآراء وأفكار محدودة، ولا يستطيع أن يكون دوما على صواب ولا يمكنه أن يمتلك علما مطلقا ويحيط بكل شيء، ولا يستطيع أن يستقل بنفسه عن الآخرين، كما لا يستطيع أن يجعل نفسه في منأى عن كل مكروه ومصاب.

بائع المناديل

‫كم مرة حدث وأن قابلت طفلا صغيرا يبيع المناديل ويتجول في الطرقات وممرات السيارات، ثم ماذا كان رد فعلك وهو يمد إليك بيده الصغيرة علبة مناديل، ربما أغلقت نافذة سيارتك أو أسرعت إذا كنت راجلا أو ربما رق قلبك يوما ما واعتبرتها صدقة، أو ربما بكـل أدب أجبته لا شكرا لا أحتاج! بدون حتى النظر في وجه ذلك البائع المجهول.

بالنسبة لي، كلما كنت أصادف طفلا من هـؤلاء ويعرض علي سلعته كانت أول ردة فعل مني أن أشير بيدي و أقول له: لا أريد شكرا ! حتى إنني لا أنظر إليه، فالبنسبة لي هو مجرد حدث يتكرر وفي كل مرة تكون تلك إجابتي، هذا المساء ترددت قليلا، قلت في نفسي لما لا آخذ علبة فهو على الأقل يبيع ولا يتسول فناديته فاذا بي أرى طفلا جميلا جذاب العينين، طلبنا منه علبتين أنا و صديقتي فإذا به يقول ٱنتظرا سأعطيكما علبتين جديدتين أما هاتان التي أحملهما فأصبحتا قديمتين شيئا ما فأنا أحملهما منذ الصباح، استغربت كثيرا لهذا الموقف النبيل وهذا الكرم الذي يعجز عنه الكبار، و أصحاب الأموال، فقد فضّل هذا الطفل أن يعطينا أفضل ما عنده بدل أن يتخلص من العلب القديمة.

معاني.. من أندونيسيا

كتبت عن بعض ما قمت به عندما زرت أندونيسيا، لكني لم أكتب عن الدروس التي يجب استخلاصها من تلك الزيارة. فبعد أن زرت مجموعة من المراكز و المدارس العتيقة Pesantren التي تشكل أكثر من 60% من المدارس في أندونيسيا، بالإضافة إلى دور الأيتام بكل ما وجدت فيها من حب و عطف و حسن تنظيم، شغلني شيء واحد!

فكل المدارس التي زرتها سواء في مدينة شيربون أو بانجيوانجي هي عبارة عن أوقاف. أعطيكم مثالا: الشخص الذي تشاهدونه (في هذا الفيديو) في المسجد مع الطلبة و هم يحيونه بعد الصلاة في الدقيقة 1:09 هو من يسمى في الثقافة الأندونيسية بKyay أو المعلم الأكبر.

بعاهتهم تألقوا

“إن ما نستطيع أو ما لا نستطيع فعله، وما نظنه مستحيلا أو غير مستحيل، نادرا ما يكون مهمة قدرتنا الحقيقية، إنها على الأرجح مهمة إيماننا بأنفسنا”. تأملت هذه المقولة لصاحبها ألبرت كامو في محاولة لفهم مغزاها لأجدني أستحضر قصصا لأشخاص لطالما تساءلت عن سر تلك القوة التي جعلتهم يبدعون ويتألقون و يسهمون في بناء الحضارة الإنسانية رغم إعاقتهم الجسدية، بل و يتفوقون على غيرهم من الأصحاء.

الامتثال و السعادة

قبل أيام شاهدت مقطعا من برنامج تلفزيوني جاء فيه تجربة حول ظاهرة الامتثال الاجتماعي “conformisme social“، التجربة كالتالي: تدخل فتاة إلى قاعة انتظار في عيادة ما و تجلس إلى جانب أشخاص آخرين تم الاتفاق معهم على أن يقفوا عند سماعهم صوت رنين منبعث من مكان ما في العيادة ثم أن يعاودوا الجلوس على مقاعدهم. تم إصدار الرنين مرتين بينما الفتاة تنظر إلى الناس تقوم و تقعد، و مع إصدار الرنين الثالث بدأت في تطبيق نفس الأمر، و استمرت في ذلك حتى بعد خلو القاعة من الناس.

متى العودة من الكوكب الأزرق؟

مثلت الكتابة دائما بالنسبة لي فعلا مِزاجِيا وعفويا محضا. لَم أعتد أن أتقيد بموضوع عند شروعي فيها، وإنما أُسَلِّم القلم لأِناملي وأتركها تُراقصه رقصتها الصوفية على أنغام خواطري. فأدخل حينها في حالة من الخروج عن الواقع وأغوص فيما يجول بداخلي.

لكن اﻷمر مختلف اليوم. فقد جئت أطرح على مائدتكم موضوعا شغل الخاطر ومس صغيرنا قبل كبيرنا. منذ فترة زمنية لابأس بها أصبح يطغى على شاشات حواسيبنا لون متمرد الزرقة، فاتن للناظرين و فاتك بهم. إنه عالم جديد دخل حياتنا دون استئذان، اجتاحها بذريعة أنه سوف يمكننا من تقصي أخبار بعضنا البعض وأيضا من طرح جديدنا بتلك العفوية الفاحشة.

تحب العفو

كثيرا ما نردد هذا الدعاء : ” اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني” وخصوصا في العشر الأواخر من رمضان تطبيقا لما وصانا به الرسول عليه أفضل الصلاة والسلام، إنما قليلا ما نتدبر معانيه الجمة ورسائله البليغة : نعلم جيدا أن العفو هو اسم من أسماء الله الحسنى، وأن العفو أبلغ و أعظم من المغفرة، فيه محو الذنب حتى من الكتاب ولا يسال الله عنه يوم القيامة، إنما هل نتوقف عند كلمتي : “تحب العفو؟” ألسنا نطلب من الله دوما أن يحبنا ويجعلنا من أحبائه، ألسنا نجاهد أنفسنا لنكون له كما يحبنا ويرضيه ويرضى لنا، ألسنا نحارب أنفسنا للتقرب منه بالأعمال الصالحات وبما يحب من الأعمال؟ فلماذا إذن نتناسى أن الله الكريم العفو الغفور يحب العفو؟ وأنه علينا أن نتحلى بالعفو في حياتنا الدنيا، بين إخواننا، أصحابنا، أقربائنا، جيراننا وسائر الناس.. جرت العادة أن نسمع كلمات عن المسامحة والعفو، لكن لسنا نطبقها كما يجب، لسنا نتحلى بخلق عظيم، وديننا يدعو إلى مكارم الأخلاق وزينتها، وجمال الأرواح في آدابها.

مطبّات على طريق التكوين المعرفي

كلُّ من سرج جواد العزم من أجل المضي في تشييد صرح فكري خاص أو بناءٍ  معرفي متين لابد معترضةً له تحديات ومطبات تدفعه للمساءلة المستمرة ولمراجعة منطلقاته وسقفِ  أهدافه ولتمحيص شعاراته وغاياته، فكل مطب يشرف على منزلق أو منزلقات إن هوى فيها الباحث وطالب العلم حادت به عما رجاه في بداية المسير… وتلافي التعثر بتلك المطبات يستلزم دوام اليقظة وأحيانا الوقوفَ أمام اختيارات صعبة تجعل الرضا بالحسن دون الأحسن ضرورة حتمية، فتلكم بعض مطبات أعالج وأكابد شيئا منها شخصيا، أقتسمها معكم، فربما ما نظنه شخصيا جدا يكون في كثير من الأحيان مشتركا ومشاعا فوق ما نتخيل.

عودة الفارس الأسود

      عودة الفارس الأسود : هو الفيلم الهوليودي الذي أعاد الرجل الخفاش “باطمان”، الذي بدأ مشواره بطلا في قصة مصورة للأطفال، ثم نجما في أفلام كارتونية، إلى الواجهة و الشهرة … بحيث صنف بعد أسابيع من صدوره من الخمسين شريطا الأكثر مشاهدة في تاريخ السينما و الذي سجل في الثلاث أيام الأولى من العرض في أكثر من 4400 قاعة سينما أرباحا تقدر ب 161 مليون دولار.

إدارة الإنسان

عندما يعي الإنسان أن لحياته معنى، ويبدأ في النبش عن مغزى وجوده على وجه هذه البسيطة، فإن النتيجة الحتمية لذلك أن تصبح حياته متجهة نحو أهداف كبرى يسعى لتحقيقها في ذاته ومحيطه، وحينئذ يصبح هو نفسه مشروع استثمار يبحث له عن أسباب الربح والتطوير والسمو. هكذا، يمكننا الحديث، مقتبسين من أبجديات التسيير الحديث، عن مصطلح “إدارة الإنسان” الذي يمكن تعريفه كما يلي: «إدارتُك نفسَك بشكل علمي وموضوعي وفعال في إطار منظومة متكاملة بغية تحقيق أهداف روحية ومادية أو تطويرها”.

لوحة الحياة

حين نقدم إلى هذه الدنيا تكون حياتنا أشبه ما تكون بلوحة كبيرة، لوحة بخلفية تحمل المعالم الكبرى لوجودنا، وهي مجموعة السنن والقوانين والطبائع التي تحكم طبيعتنا البشرية؛ كما أن هذه الخلفية تتشكل من معطيات مسبقة أكثر تفصيلا وخصوصية عنا، تختلف من شخص لآخر، وهي المعطيات الحياتية التي وجدنا أنفسنا فيها ولا خيار لنا أمامها، من قبيل الجنس والشكل والنسب؛ لكن هذه اللوحة ليست مكتملة ولا نهائية، وهذه المعطيات كلها لا تحسم مستقبلنا ولا أبعاد نمونا ولا الآفاق التي يمكن أن تبلغها ذواتنا من نضج ونجاح ورقي، بل هي مفتوحة على كل الإمكانيات والتطلعات والطموحات، وقابلة للتغيير والتطوير إلى أبعد الحدود، وما يحكم كل هذا أكثر هي عوامل أخرى لنا كامل الاختيار والحرية والإمكانية لتحديد وتشكيل معطياتها، ولنا القرار في اغتنام فرصها وتسخير إمكاناتها وإطلاق طاقاتها. لوحة حياتنا هذه نحن الذين نقرر شكلها النهائي، فبيدنا كل الألون لنضع عليها ما نشاء منها وما نختار، ونخط عليها ما نقرر وما نريد أن نكون.

“أثقل من رضوى، أخف من هيفاء.. “

في خريف سنة 2013، كُتب لي أن أبدأ قراءة “ثلاثية غرناطة” لرضوى عاشور. كنت حينها أعيش في الصين. لم تكن بين أحداث الرواية و مكان قراءة الرواية أي نقط مشتركة جلية.. فقد كانت الرواية تؤرخ بحزنٍ لسقوط الأندلس وانهيار الأرواح المكلومة من الحزن والقهر واندثار الهوية بينما كانت الصين تحكي باعتزاز عن مجد ضارب في أعماق التاريخ، مجد يتعدى عمره أربعة آلاف سنة. كانت شرفة غرفتي تطل حينها على أرض فيحاء فارغة ابتدأت فيها أشغال توسيع الجامعة والسكن الجامعي من أجل استقبال طلاب أكثر في الموسم الدراسي القادم، كنت عند كل صباح أذهلُ لرؤية شطر مهم جدا قد تم إكماله من أجل الانتقال إلى شطر آخر، كان رجال البناء و آلات الحفر و معدات التشييد يسابقون الزمن في صمت و إصرار وعزيمة. فهم يبنون شيئا أكثر من مقدس ، يبنون جامعة ومنارة للعلم.

أمل التحليق وألم المحاولة

أن تدرك تماما بأن الوقت ظلام حـالك فتمسك بشمعة لا تملك سواها في يد وباليـد الأخرى تتلمـس الطريـق محاولا أن تحقق الإبصـار ، فيحدث أحيانـا أن يلاحقك الخـوف من أن تذوب شمعتـك فتحرق يدك الأولى فتعجـز الثانية، وأحيانا أخرى تفقد بوصلتك ووجهتـك وتظل واقفا لا تبرح مكانك فتلعـن زمانك الذي أنت فيه ومكانك الذي قيّدك فيزيد ليلـك حلكـة وتغرق أنت وحدك في عالمـك البئيس!

جون جاك روسو … السائق

     أثار انتباهي هذا الصباح منظر شاهدته في إحدى حافلات العاصمة الفرنسية باريس، فبينما كنا نسير في اتجاه أحد الأقطاب الصناعية للمدينة المتواجد ب”فيرساي”، إذا بالثلوج تحاصرنا من كل جانب، وإذا بالجليد يغطي معظم الطرق الرئيسية، فاضطر سائق الحافلة للتوقف والتنحي إلى جانب الطريق، حتى لا يفقد التحكم فتحيد الحافلة عن المسار. كان مشهداً عجيباً وجميلاً في نفس الوقت، كل شيء حولنا إكتسى حلة بيضاء بهية، درجة الحرارة في الخارج تقترب من 7 تحت الصفر، أما داخل الحافلة فدفء جميل.

دروس في الذكاء المالي والاستثمار والابتكار والإبداع

أعاين منذ مدة، وبشكل لا إرادي، أصدقائي الذين اتخذوا القرار الشجاع الذي يحلم به الكثيرون: الاستقالة من عمل فرض عليهم لكي يعيشوا أحلامهم، ويستثمروا في الميدان الذي يحبونه. ثم أقارن حالتهم النفسية والمادية بأولئك الذين اختاروا لأنفسهم  العمل تحت ظل شركة أو إدارة أو أي عمل مقابل راتب شهري، ولم تكن لديهم الشجاعة اللازمة للتحرر من قيد الوظيفة التي توهم بالاستقرار. ولاحظت أن للفريقين أحلاما مشتركة.

ألا يبعث انفتاح حواسنا الكلي على الآخر على الأحزان مثلما يبعث على المسرات؟

هي لحظة، من بين لحظات أخرى، استوقفني ثقلها و ترسخت في ذهني ووجداني معانيها. كان ذلك خلال رحلة قادتني إلى صحراء مرزوكة وجدبتني إلى عوالم داخلية بعد مطبات حياتية حملتني إلى ارتفاع مخيف وهوت بي إلى القعر. غريب و جميل أمر الإنسان، إذا جفت أنهاره و شرايينه ذهبت به نفسه إلى أراض جافة ليرويها وإلى كثبان رملية ليروضها على الصعود و النزول..

برومو “معاني من مكة”

برومو أول برنامج وثائقي لموقع #معاني “معاني من مكة” الذي سيكشف عن أسرار وكنوز هذه المدينة المقدسة وعن المعاني التي يستشعرها كل من زارها من حجاج و معتمرين والتي تجعل مكة المكرمة تأسر القلوب وتستولي على العقول … إنتظرونا 

 

هم واحد وأحلام متشابهة

كنت في القاهرة لحضور مؤتمر حول وضعية المرأة العربية، وكـان ذلك أول ملتقى يجمعني بشباب ينتمون للدول العربية فقـط أي عرب في عرب… قبل ذهابي راودتني أسئلة كثيـرة عن مستوى النقاش وآلياته وضجت ذاكرتي بحلقات برنامج فيصل القاسم وتخوفت أن ندخل في متاهات لغوية أو نستند على تمثـلات وصور نمطية أوليـة فتضيـع الفكرة ويبزغ الخـلاف!

بعد اللقـاء التعارفي الأول غمرني ارتيـاح غريب فكـأن أرواحنا امتزجت بقدرة قادر وتلاحمت أصواتنا لتعزف سمفونية الأخوة الخـالدة، كانت الألفة تكبر بيننا كل دقيـقة، تحدثنا كثيـرا عن الحدود وتأشيـرات الدخـول التي تفرضها بعض الدول على أخـرى، تحدثنا عن الثورات العربية وعن افتقادنا للتمثيلية السـورية ودعونا معهم بقـلب عربي واحد…

الطريق إلى صنعاء

من الناس الذين أحبهم إثنان، يوسف وعدنان، مختلفين ومتكاملين، مغربيين جالوا العالم والتقيت بهم في عاصمة العالم : اسطنبول … هناك أخبروني بمنتدى الشرق الشبابي، الذي يجمع نشطاء الجمعيات و المدونين الشباب في رحلات ثقافية، استكشافية، دورية … كانت الرحلة الأولى في عضو الأمة المريض الذي يقاوم السرطان : فلسطين … ثم كانت الرحلة الثانية في البلد المسلم الجائع الذي انهارت قواه وبدأ يغمى عليه : الصومال … ثم انتهى.

سقوط مختلف

السقوط هو فقدان التوازن الناتج عن حركة غير طبيعية تُحدِث خللا في السيرورة الرتيبة لمنظومة التوازن والاستثباب عند الإنسان، أو هو عملية الانتقال من مكان إلى مكان أخفض منه بفعل قانون الجاذبية وبفعل أن الأجسام بصفة عامة تبحث عن مراكز الاستقرار المستمر.
لكن هناك أنواع أخرى من السقوط قلما ينتبه إليها الإنسان وقلما يعيرها تدبرا وتحليلا، مع أنها تحمل نفس مدلول السقوط المعروف من حيث الشكل وتختلف عنه مضمونا..وهي تَعْظُمه بلا شك أهميةً وقدرا..

أسرار النفس، بين العزلة والوحدة

عزيزتي ..
تعلمين جيدا حبي لأن أكون وحيدا .. حبي لأن أنعزل بين فينة وأخرى .. العزلة ملاذي، دوائي .. وارتياحي.
عزيزتي ..
إننا نقضي من وجودنا معظمه رفقة ذواتنا الخاصة، التي من المفروض أن تكون مرتعا رائقا وطيبا للعيش .. الإنعزال يمنحني دائما القدرة على مواجهة وباء السخافة، وطاعون التشاؤم، ومرض السلبية، يحصنني ضد الكسل، ضد الاجتياح المدمر للأفكار السوداوية القادرة على التحول لقناعة تامة، واعتقاد راسخ ذلك إذا ما سمحت لفكرة سلبية واحدة أن تعشش في دواخلي وتسكنني لأيام وليال. هذا الإعتقاد السوداوي يمكنه أن يلوث فكري، و يغتال طبعي و يُهلك مصيري ..

الحياة الزوجية .. معاني غائبة

إن مما لا تخطئه العين اليوم بين أوساط كثير من الشباب، عزابا ومتزوجين، هو حالة من الإحباط واليأس من إمكانية أن يحظى المرء بحياة زوجية هنية وسعيدة!

لا شك أن الزواج أضحى من أصعب القرارات التي قد يتخذها المرء في حياته، وقد بات يشكل واحدا من أكبر هموم الشباب المقبلين عليه؛ وفي حين كان الزواج أمرا يسيرا فيما مضى، فقد صار اليوم عبئا يثقل كاهل الكثيرين لما طاله من تعقيدات، وبسبب ما صاحبه من تغييرات اقتصادية ونفسية واجتماعية فرضتها ثقافة هذا العصر الموغلة في المادية، وقد أفرز ذلك ارتفاع سقف التوقعات والمتطلبات بين الجنسين، وتغيرت الرؤية بشكل عام للمعاني والمفاهيم المرتبطة بالزواج وبناء الأسرة عند الكثيرين.

الأمل الذي لا يخيب

هناك مقولة تعجبني كثيرا للمفكر و الزعيم التشيكي “فاتسلاف هافل” يقول فيها :

الأمل ليس هو أن تعلم أن كل شيء سيكون بخير و لكن الأمل أن تعلم أن كل شيء سيكون له معنى

أكاد أجزم أن فهم الأمل على هذا النحو من شأنه أن يحدث ثورة حقيقية في حياة الإنسان. أليس الأمل في النهاية هو صيغة من صيغ البحث عن السعادة ؟ الأمل في النجاح، الأمل في الشفاء، الأمل في الربح ، الأمل في الخروج من المأزق، الأمل في العثور على شريك الحياة المناسب، الأمل في حياة هانئة وخالية من المنغصات

أبي الذي أوقد عقلي بالسؤال

أبي لم يقدم لي الاجابات، لكنه علمني فن السؤال
كان أبي، رحمه الله، من أذكى الأشخاص الذين عرفتهم في حياتي، فمع أنه فقد بصره منذ أن كان طفلا صغيرا، إلا أنه حقق أشياء لبلده، من أهمها أنه أول من أدخل تقنية البرايل للمغرب كما أنه كان من الأوائل الذين اجتمعوا حول إعداد البرامج التعليمية للأطفال المكفوفين. كان أغلبها يتمركز حول ترجمة المناهج و كذا كتابة و تحقيق القرآن الكريم بلغة البرايل. لكن أهم ما كان يميزه هو كيفية معاملته لي و أنا طفل صغير. لم أعلم أنه أبي قبل أن أدرك معنى الأبوة، كنت دائما أحسبه صديقي و كنت كثيرا ما أغضب منه، فكان يكتفي بطرح أسئلة قصيرة حول سبب غضبي و يتركني أعبر و أتفلسف، فأجد نفسي أجيب بأسئلة أخرى على أسئلته..

هناك أشياء …

هناك أشياء في هذه الحياة لا تقبل التفسير. يسيء إليها التفسير بقدر ما تسيء إليه.

مثل كأس الشاي الذي ندرك بعناية مقاديره التي تضبط مزاجنا. مثل اللحن الذي تنساق جوارحنا معه راقصة رغما عنا. مثل الحركات البلهاء التي نلاعب بها الأطفال. مثل اللون الذي نحب أن نرتديه والآخر الذي نقحمه دائما في تفاصيلنا الصغيرة. مثل الورد عندما يذبل و قد كان جميلا، ومثل الفراشة عندما تموت و لم تعش طويلا. مثل السعادة عندما لا تكتمل، و الفرح عندما لا يكون كافيا. مثل اثنين أحبا بعضهما تحت القصف. مثل عازف يجثم مدججا بآلته الموسيقية أمام دبابة. و مثل طفلة تشتهي دمية في غياب الرغيف.

خواطر من مكة

يقال بأن الله يطل على مكة بجلاله وعلى المدينة بجماله.. بالفعل، إحساس ما يلازمك طوال تواجدك في مكة، هذا الإحساس هو الرهبة !
التجمع الرهيب لملايين البشر من كل الأجناس والبلدان والثقافات، برجالهم ونسائهم وشيوخهم وأطفالهم في مكان واحد بالشكل الغير منظم خارج أوقات الصلاة يذكرك بالبعث والمحشر والجمع الأكبر.
أفكر بأمور كثيرة وأنا أجول محيط المسجد الحرام؛ وأنا أنظر إلى هذه الوجوه التي أتت إلى هنا لتدعوا المجيب ولتقترب أكثر من القريب؛ وكيف أن الله يعرف كل شخص من هؤلاء، أسراره وأمانيه..

عن روح المرح عند العلماء والأدباء

كل من يفتقر إلى حس المَرَح والفكاهة في أخلاقياته وسلوكهِ فمن المستحيل إلى أبعد الحدود أن يُصَنَّف مِن وِجْهَة النظر الأدبية في خَانة أهل الأدب البارزين.

فمهما تعددت المشاربُ، واختلفت الرُّؤى والتوجُّهات، وَتَنَوَّعت الموارِدُ والمَصَادِرُ، فإن الدُّعابة تظَل قاسِماً مشتركًا يتخلَل كُلَّ أصناف الأدباء على اختلاف أشكالهم وألوانهم، وَمَهْما حاول المرءُ أن يجْعل من نفسهِ أديباً عاقِلًا أو شاعرا تتفجر الحكمة من عباراته وألفاظه أكْثر ممَّا ينْبَغِي، إلَّا ويخْرُجُ عَلى القرَّاء بِكَلَامٍ مُتقَعِّرٍ باردٍ عليه غَبَرَةٌ من التَّكلُّفِ فِي مِسْلَاخِ الْحِكْمَةِ وما هُو منها في شَيْءٍ.

معاني الحج

يقولون إن الحج رحلة عمر فريدة من نوعها وقد صدقوا…ويقولون إن بها أسرارا وأنوارا وقد صدقوا… ويقولون إن بينها وبين رحلة العمرة بونا وقد صدقوا… هي قصة صبر وأخلاق، وقصة اختبار واستسلام وقصة مبانٍ ومعانٍ… هي قصة تشوق وتشوك !!

تبدأ القصة حين يضعون في جوازك تأشيرة الحج الخضراء الجميلة، فهي حتما أجمل تأشيرة زينته، لا تُقارن بتأشيرات شينغن البئيسة التي حزتها طوال حياتك…حين تتأملها تبدأ في استرجاع شريط يوم قررت تلبية نداء سيدنا إبراهيم عليه السلام قبل آلاف السنين “وأذن”، حينها بدأت مسلسل القرعة أو مسلسل “الرغيب” والبحث عن تأشيرة مجاملة…لا يهم، في كلتي الحالتين، إن نلت التأشيرة، فاعلم أن الله الكريم بكرمه وفضله من عليك أنت شخصيا، وأذن لك ومتعك بشرف وأي شرف، شرف الاصطفاء والاجتباء من بين أكثر من مليار نفس في بقعة صغيرة من غرب العالم، كي تفد عليه ملبيا في رحلة استسلام له، وهذه لوحدها تكفي !

بيجوفيتش.. ينتصر للإنسان!

لأنه هو القائل: “لو لم يكن الليل لكنا بقينا عاجزين عن رؤية السماء ذات النجوم، وهكذا يجردنا الضوء بعض الرؤية في حين أن العتمة والظلام يساعداننا على أن نرى شيئا”.. كان لابد للعتمة الشيوعية شديدة الظلمة أن تكون سببا في بزوغ نجمه.. وسطوع نوره المتلألئ, الذي أضاء العالم بقطبيه الغربي والشرقي، في ثنائية عجيبة  تشبه فلسفته التي يُعرِّف من خلالها الإسلام ويُدهِش بها الأفهام!

علي عزت بيجوفيتش، ثمانية وسبعين عاماً أُسدِل ستارها في 19 أكتوبر 2003، تبدو سنوات زهيدة جدا بالمقارنة مع عظيم إنجازات شخص جمع بين الجهاد والسياسة، والفكر والإبداع والفلسفة!

أن تكون إنسانا بلا وطن …

“كل انسان يولد في وطنه إلا الفلسطيني وطنه يولد فيه”  كنت في الثالثة عشر من عمري لما سمعتها من فلسطيني زار عائلتي في المغرب. جملة واحدة كانت كافية لتستعمر و الى الابد جزءا من روحي و تجعله مستعمرة دائمة فخرية لوطن تتعايش فيه الأسطورة و الحقيقة لتكونا شيئا لا يمكنك إلا ان تصدقه و تؤمن به حتى النخاع.

لم أكن حينها أعرف محمود درويش و لا ناجي العلي و لا تميم البرغوثي و لا سميح القاسم. كنت أعرف أغنية انتشي كلما انبعثت أنغامها من المذياع او التلفاز كنت أفرح كلما شاهدت مارسيل خليفة يؤديها و يعزف على عوده و كأنهما صارا شيئا واحد لا يتجزأ و لا ينفصم مطلقا لتتداخل الانغام الموزونة مع الكلمات العميقة فتصدر شيئا كالسحر الآسر و تظل كلماتها يرتد صداها في كياني …

لهذا إخترت الكتابة

الكتابة من الأشياء الجوهرية بالنسبة للإنسان ، هي تحرر من القيود و كسر للحدود الزمانية و المكانية انطلاقا من الإرتقاء بذاتك و نشر ما يجود به خاطرك من كلمات منبعها القلب و وجهتها أسماع و أنظار المتلقين الذين هم لها أنصار أوفياء يشهدون لخربشاتك بالخلود حتى بعد موتك.

قراءة في كتاب “ميلاد مجتمع” لمالك بن نبي

مجموعات النمل، قبائل الأقزام في أدغال إفريقيا أو أستراليا مثالٌ على تجمعاتٍ من الأفراد لم تتغير صورة حياتها خلال آلاف السنين وهي تُصوِّر حتى الآن مرحلةً من مراحل الإنسانية في عصور ما قبل التاريخ، فبالنسبة لهذه التجمعات تُعتبر الغريزةُ الوسيلةَ والسببَ الذي أدى إلى تكتل أفراده بداعي البقاء والحفاظ على النوع.
فمن ناحية التعريف الأدبي، يمكن أن نطلق على هذه الأنواع من التجمعات لفظ مجتمع، أما من الناحية الوظيفية فالمجتمع هو فقط الجماعة التي تغير دوما من خصائصها الاجتماعية بإنتاج وسائل التغيير مع علمها بالهدف الذي تسعى إليه من وراء هذا التغيير.

المصير المحتوم

عندما عثرت على لباس الإحرام وهممت بوضعه في حقيبتي أحسست بشيء غريب للغاية … هذه القطعة من القماش الأبيض الناصع رفعت فجأة من على بصيرتي السواد الذي يحول بيني وبين التفكير في ذلك اليوم … اليوم الذي سألبس فيه مثل هذا الثوب الخالي من الألوان والأشكال والجيوب لأوارى تحت التراب، مع سواد ما فعلت وبياض ما قدمت

المفقود في تربيتنا

لو وُضعت اليوم قائمة بأكثر الأمور مدعاة للشكوى بل وسببا للشعور بالإحباط في الحياة الاجتماعية والأسرية لكثير من الناس لتصدر الشعور بالإخفاق في تربية الأبناء المراتب الأولى من اللائحة ! يعني الإخفاق في تنشئة أبناء لديهم قدر جيد من الانضباط الذاتي وتقدير للمسؤوليات ،والميل إلى تمثل القيم والمفاهيم الصحيحة المتعلقة بالاستقامة والصلاح والسعي للتفوق والنجاح في حياتهم.

رجل نيويورك

نزلت من شقتي ووجدته أسفل باب الإقامة ينتظر بسيارته الفاخرة. صعدت، وسألني متفاجئا: “أين حقيبتك؟”، استغربت وانا أجيبه : “حقيبتي؟”، فرد : “ألم نتفق أننا سنذهب إلى نيويورك؟”.

تذكرت أنه أخبرني بالأمر لكني نسيت، فخبر مقتل والد وأخ زميل سوري جعلني أتذكر فقط واجب العزاء الذي علي التهيؤ له في اليوم التالي، لكن صديقي وكان أمريكيا من أصل مغربي كان مصرا أن نفي بالإتفاق ونذهب إلى نيويورك، وقدم كل الوعود لإرجاعي إلى ولاية فيرجينيا قبل الموعد المفترض لتقديم العزاء لزميلي، وحين وجد مني اصرارا على الرفض قال لي بوجه حزين:

ملامح أُنسٍ من جفاء البادية

قبل عقدين من الزّمن وأنا ابنة ثلاث سَنوات، وفي أَحد مواسم جَني ثمار الأرگان التي تحفل بها القرى الجنوبية المغربية، قَضيت في قرية “إداوسملال” ثلاثة شُهور، ذُقت فيها طَعم حياة قدّت من صخور البساطة . تَعلمت فيها الحساب على يدِ النّجوم، وأتقنت اللغة الأمازيغية حتى اختفت العربية من لِسَاني، وَحتى ذلك الحِين الذي فَتح الله لي فيه مغاليق تلك اللغة العَجيبة، صاحَبتُ قطة ابتَلاها الله بي فكنت لَها ظلا في المَساء !

صرخات الحياة

نبدأ الحياة بصرخة… تلك الصرخة التي كلما صدحنا بها في مسيرة حياتنا إلا وتكون مصحوبة بالألم. ومن هنا نعطي تفسيرا لتلك الصرخة الأولى باعتبارها معبرة عن بدء حياة مملوءة بالألم كذلك، بالحزن والشقاء، بالتعب والصبر… تلك الصرخة التي كلما سمعناها في باقي محطات حياتنا اللاحقة إلا ونتذكر الصرخة الأولى التي قد يندم عليها الكثير منا في حالات الضيق ونتساءل عن سبب وجودنا هنا !

أمي الغضفة

في حافلة ركاب تربط الدار البيضاء بمسقط رأسي خريبكة، جلست بجانبي سيدة في أرذل العمر تُدعى (الغضفة)، لربما في الثمانينات من عمرها، دار بيني و بينها حديث مطول قبل أن تنزل في الخلاء و القفار بين بن أحمد و ثلاثاء الأولاد (فيني)

– ما الإسم الذي إختار لك الوالدين ؟

قراءة في كتاب “شروط النهضة” لمالك بن نبي

بدأ بن نبي كتابه برثاء مرحلة من تاريخ الجزائر امتدت بين 1925 إلى سنة 1936، كادت أن تُحدث فيها حركة الإصلاح التي قادها علماء الجزائر حالةً من إعادة المجتمع للسير مرة أخرى في موكب التاريخ. فبعد أن خلعت الحركة الإصلاحية عن نفسها رداء الدروشة التي قامت في الزوايا عبر التماس البركات و اقتناء الحروز، وسارت في طريق القيام بالواجبات و الاستمساك بالكرامة والتناسب والجمال في المظهر العام هادفةً إلى تغيير الإنسان و إقامة عرى نفسه المتهالكة، بعد ذلك كله يممت الحركة وجهها شطرَ السراب السياسي وعادت لترقد في فصول دروشة جديدة على موسيقى الشعارات المطربة من قبيل : إن الحقوق تؤخذ و لا تعطى.. فتحولت الحروز والتمائم إلى أوراق انتخابية و إلى حقوقٍ وأماني يتنغم بها الخيال..

مذكرات معلمة في قرية جبلية

قضت سناء بنعتو قرابة الخمس سنوات في قرية جبلية منسية تبعد ب 50 كيلومتر عن مدينة شفشاون كمعلمة في مدرسة ابتدائية. كانت تدرس كل المستويات وكل المواد طوال مدة خدمتها. في هذا المقال تحكي لنا هذه المعلمة العبر التي استخلصتها من هاته التجربة

” الحياة تأخذك إلى حيث لا تنتظر و الأقدار تسير بك إلى عوالم جديدة غريبة عنك، لم تكن تتوقع أن تصير يوما جزءً منها.

في البدء كانت الكلمات

لا أتذكر بالضبط اليوم الذي عثرت فيه على مذكرات عمي امحمد الذي توفي وهو دون الأربعين من العمر. مات بسرطان الغدد اللمفاوية في فرنسا وهو في ريعان شبابه، لكني أتذكر جيدا الحالة النفسية التي كنت عليها وأنا أقرأ خواطر رجل يحاول أن يترك أثرا وهو على فراش الموت. كنت حينها في أوائل سنوات المراهقة التي تحمل معها كل تلك الأسئلة الميتافيزيقية التي تدور في ذهن كل مراهق يبحث عن هوية مختلفة يتمرد بها عن القوانين الأسرية السائدة.

الكلمة التي هزت قطارا في لندن

بعد يوم متعب جداً في لندن، ركبت القطار لكي أرجع إلى مدينة كامبردج حيث أدرس. و بينما كنت أهوي على مقعدي لأجلس بعد طول وقوف، تنهدت بعمق قائلا  “الله، الحمد لله”! فإذا بالمقصورة كلها تلتفت في وقت واحد لتحدق بي و كأني على وشك تفجير قنبلة. تجرأ أحد الإنجليز الذي كانت تبدو عليه علامات المثقف و قال لي بنبرة مشبعة بالتعالي: “إنه لمؤسف أن تستعمل هاته الكلمة، فأنت في بلاد مسيحية، لا إرهاب هنا”، فأجبته على الفور (بالحرف): “بل المؤسف أنك لم تقرأ الإنجيل بلغته الأصل “الآرامية”، لتعلم أن God بالآرامية هي “Allaha اللَّاها”، و هي الآتية من الكلمة العبرية “Elohim ألوهيم”. فأنا على الأقل قلت “الله”، أما عيسى فكان يقول “آللاها” بالألف في الآخر (With an A at the end)، حتى يتسنى لأمثالك أن يسمعوا صدى الكلمة! يظهر لي أنني أكثر مسيحية و أقل إرهابا منك في هذه اللحظة، أليس كذلك؟

عندما تتدلى على جدار الفايسوك مشنقةُ المقارنة

تتدفق على سطحِ جدار الاستقبال في الموقع الأزرق كمياتٌ مَهُولة من المعلومات و الأحداث والمنشورات تسابق عقارب الساعة وإلحاح الشمس في طلب الليل…مع الوقت و الإدمان يصبح هذا الجدار حاجزا بينك و بين معرفة حقيقة نفسك لأن موجات الضجيج و الصخب و الفعل و رد الفعل تختطف منك الهدوء وتَسْلُبك التركيز وتجعل عودتك إلى كهفك لشيء من التأمل يُجلي لك معدن نفسك ضرباً من المُحال…وحَجْبُ حقيقة نفسك عنك يُعَبِّد الطريق لعملية “المقارنة” لتحل بجوارك و تقتحم عليك تفكيرك.