صكوك الغفران.. عن الآنسة د. وأخواتها!

199
احترام الناس لأهل العلم وتكريمهم، علامة من علامات الإيمان، فتقدير العلماء وطلبة العلم؛ بتقديمهم وعدم رفع الصوت في حضرتهم، والإنصات لهم إذا تكلموا، والقيام لهم، وتقبيل رؤوسهم أو أياديهم -ما شئت قل-، كل ذلك هو أمر طيب، وهو من تعظيم شعائر الله الذي هو علامة من علامات تقوى القلوب. لكن أمثال هذه التصرفات تنطوي على خطر عظيم، فهي وإن كانت علامة تقوى ممن يفعلها، قد تكون حتفا وهلاكا لمن تُفعل به إذ استمرأها وأحس أنه أهل له.

يُحكى أنّ تاجرا قصد أبا وهب بن عمرو الصيرفي الكوفي الملقّب ببهلول يستشيره في أمر يتعلق بتجارته وسأله باحترام أن يرشده إلى سلعة يشتريها ليحتكرها ويبيعها بثمن باهظ، فأشار عليه بهلول بأن يبتاع حديدا وفحما. أخذ التاجر بنصيحة بهلول وبالفعل عادت عليه بالربح الوفير حتى اشتهر واغترّ ونسي فضله عليه بل حدا حذو قارون في قوله: {إنّما أوتيته على علم عندي}، ورجع ذات مرة إلى بهلول مستهزئا ومسيئا بلسانه، ومع ذلك يطلب منه أن يشير عليه بسلعة أخرى تعود عليه بالرزق المضاعف، فأشار إليه بهلول ضاحكا متغابيا بأن تكون في هذه المرّة بصلا وثوما، وما كان على التاجر الغبي إلّا أن خزّن الثوم والبصل طمعا في بيعها يوم حاجة السوق إليها بثمن مضاعف، لكنها تعفنت وخسر على إثرها كل ما ملك، ورحم الله الإمام الشافعي إذ قال: “ما طار طير وارتفع إلّا كما طار وقع”. هذا التاجر موجود في كل مكان في عصرنا، فمثلما تجده في السوق تجده مثلا في حاملي الشهادات الجامعية.
إنها الكرامة الكبرى، وهي ذلك الصك من صكوك الغفران؛ أعني تلك ال(د) العظيمة، أو واحدة من أخواتها.
وما إن ينالها ذلك الطالب، حتى تصير عنده أهم من اسم أبيه وجده، تجده عندما يموت ينادون عليه في المآذن الأستاذ والدكتور ولربما يكتفون باسمه دون اسم أبيه. هو من جعلها صارت عنده حرفا من حروف اسمه، فلا يذكر اسمه إلا ويذكر تلك الدال قبله، ويجعلها في خطاباته ومراسلاته وتوقيعاته، وأيضا على باب داره، وكم أعرف من أولئك من يمتعض أشد الامتعاض؛ إذ لم يخاطب أو يُقدَّم للناس بها، ولا سيما في المحافل العامة.
كنت ذات مرة في أولى محاضرات الفصل الدراسي الجديد، وكانت الشروح بخصوص مادة تتعلق بالمجالات المغناطيسية، وإذ بالدكتور (المختص) وأعتذر عن لفظ مختص؛ لأنه في الحقيقة كان يدرس لنا قرابة الثلاثة مقررات من أصل سبعة تقريبا لا أعتقد نبله، فلكم مرَّ عليَّ من أمثاله على مدار عام مضى، المهم أنه دخل وأخذ يكتب في بعض روابط الموسوعات ومواقع البحث على الأنترنت، ثم قال فينا جملته: “ابحثوا عن الدكتور فلان الفلاني في موقع الويكيبيديا” يعني شخصه هو. تجاهلت جملته للتو، ولكني أردت لاحقا أن أبحث عنه، فلما وجدته ما وجدت إلا هو الدكتور فلان الفلاني، الذي تنافسَ وعظمَ، وبئس ما عظم، الذي بذل الغالي والرخيص، وتفاخر من حيث الألقاب لا من حيث الدلالة، قد اشترى بالدولارات، ونال بالمجاملات، وأخرى حصّلها بأبحاث هزيلة مخجلة كانت تُرسل إلى بلاد (الواق واق) لينال منها تلك الكرامات. أي امتعاض!
وهكذا ذلك المسكين أيضا الذي يذهب للجامعة وكل همه أن يصير دكتورا أو أستاذا، فقط ليقال عنه الدكتور والأستاذ، كما يقال عن صديقه الأول إمام المسجد أو الثاني الذي يقدم برنامج العاشرة التليفزيوني، أو الآخر المعروف بالمرجع الأول في الفقه والتشريع ذلك الذي يراه الناس المعصوم الذي فتحت له أبواب الجنة الإثنى عشر، هذا الذي لا يرى نفسه ولا يراه أصدقاؤه في هذا المكان أن يصلح لأن يكون كفيلا بتفهمهم أو تفهم من يجلسون للأخذ على يده، هو نفسه لديه عقدة من أن يمارس تلك الواجبات التي تكون على الأستاذ أو الدكتور. فكيف وعلام تربى، وكيف يهذب نفسه ويتأدب مع العلم وأمانته؟!
آخر قد عانى كثيرا، وشعر بالامتعاض، ورجا وتمنى أن لا ينادى بالمهندس أو الدكتور، وفي النهاية أدرك أن عليه أن لا يأخذ الأمر على محمل الكرامة، ولكن معنى أن ينادى بالمهندس فما هو إلا ذوق من الناس، تربى في نفسه أنه ليس من واجبات الناس عليه أن يعظم ويوقر ليزيده هذا ارتياحا، وٱخر يشعر بالأسف إن لم توجد المساحة فيلوم أباه ويعاتبه إن يقدمه بالمهندس، يقول له: “يا أبي أنا لا زلت أدرس، لازلت طالبا!” في النهاية قد يحثونه على أن يكون خادما لعامة الناس، أو أن لا ينسى فضل فلان وفلان، ويغلظونه من أن يقع في تلك الغرة. كيف وقد أصبح اعتقاده أن تجرده من أبويه نفسهما، ومن كل ما قدماه له هو ما يعطيه الهوية والشخصية، وأن يمحي مجهوداتهما وإيمانهما الذي كان به هو من يعطيه النضج! ولا أملك عزيزي القارئ إلا أن أقول لك: نعم، كل هذا بفضل تلك الندوب والأشواك الذي يزرعها الآباء في نفوس أبنائهم الطلبة وهم في ذات الوقت لا يشعرون بعواقبها.
ومن جديد وهو المشهور؛ فالحُجة التي يقنع بها ذلك الإنسان نفسه أو يقنعه بها الممجدين فيه، أن تلك الصكوك أو الألقاب ليست تمجيدا في شخصه، بل تمجيدا في مكانته العلمية، وإنما يُراد بها تعريف الناس بمقامه ومنزلته وهو أن يحملهم ذلك على تعظيم العلم، لا سيما الإقبال عليه إن كان صاحب علم شرعي، الإقبال على الهداية التي سيجريها الله على يديه للبشرية، نعم، فإن من شأن الناس أنهم يحبون صاحب الأوصاف الفخمة، وينصتون له ولا يتطاولون. وتلك وغيرها الكثير هي مدخل من مداخل الشيطان، فيقول رسولنا الكريم: ((إن من الشرك ما هو أخفى من دبيب النمل على الصفا))
ويقول الشيخ الشعراني: “سمعت سيدي عليًّا الخواص رحمه الله يقول في معنى حديث ((إن الله تعالى ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)). رواه البخاري، رقم (٣٠٦٢)، هل يعقل المادحون -ولا أدري بعد الآن إن كانوا مادحين أم ذابحين- معنى هذا الحديث! فهذا الرجل يتعلم العلم رياءً وسمعة، فيعلم الناس أمر دينهم ويفقههم ويحرسهم وينصر الدين إذا ضعُفَ جانبه، ثم يدخله الله تعالى بعد ذلك النار لريائه ولعدم إخلاصه.
أنا يا صديقي لا يعنيني المُمجد الآن أو حَكم من يقوم بالتكريم -لأنه مأجور على نيته ولا شك- بقدر ما يعنيني أكثر حالَ من يكون له التكريم، وماذا يفعل فيه بعد ذلك؛ لأن هذا كله ما لم يرتبط بتربية للقلب تكون بنفس مستوى تربية السعي والرحلة، سيجعل المبالغة في المدح والتكريم سببا للهلاك، وهذا أبو هريرة رضي الله عنه -وكان أميرا لمروان بن الحكم- يسير في السوق يحمل حزمة حطب على كتفه وهو يقول: افسحوا للأمير.
احذر أعزك الله أن تنشر علمك ليصدقك الناس، وانشر علمك ليصدقك الله تعالى، اعملوا حتى يصدقكم الله لا ليصدقكم الناس. وهل يصدقنا ربنا إن كان أحدنا حائزا على أعظم الشهادات العلمية، وأعظم الألقاب الأرضية؟ أو تراه يبالي بذلك كله إن اطلع! ماذا أصلا لو كان الواحد منا ينادى في الأرض بالدكتور الخطير، أو العلامة النِّحرير، أو الداعية الشهير، ولكنه مع هذا كله ينادى في الملأ الأعلى بالجاهل المغرور، والمرائي المبثور!
بهذا يقنع المسكين نفسه.. ويقنع من حوله، على أن حال أكثر هؤلاء -أصلح الله حالنا وحالهم-، هو كما قال القائل لما وصف تجربته الجامعية، فقال: “دخلت فيها جاهلا متعلما… وخرجت منها جاهلا دكتورا”.