أنا أيضا لدي حلم ..

1٬441

مرت خمسون سنة على اغتيال حامل لواء المقاومة السلمية ومغير ملامح العالم المناضل مارثن لوثر كينغ، الأمريكي من أصل إفريقي الذي استطاع وهو لم يتجاوز أربعين سنة، أن يقف في وجه أعتى قوة عالمية بدون سلاح ولا دبابات ولا صواريخ باليستية، مستلهما مبادئ المصلح غاندي في السلمية والتغير الهادئ. حصل على نوبل لسلام، رغم أنه لم يكن فزيائيا بنظريات خارقة ولا أديبا بملاحم روائية خالدة ولا بطلا عسكريا أسطويا لا مثيل له، بل كان شابا فقيرا درس الفلسفة وأصبح مساعدا في الكنيسة التي كان يشرف عليها والده ومرشدا بسيط، لكنه كان صاحب فكرة. والفكرة أقوى من كل شيء، حتى من قوات الحرس الوطني ومن أسلحة المتعصبين البيض.
مارثن تلقى تربية مميزة من أم كانت توجهه دائما نحو الإعتزاز بما لديه وبما هو عليه، وأن يتقبل نفسه ولونه وشكله بكل فخر، غرست داخله معتقدات إنسانية أهمها أنه لا يمكن لشيء كلونه أو أصوله أو ثراته أن يحط من قيمته. فكان متطلعا للتغيير وكان الكتاب والوعي هما سلاحاه لتكوين هذه الشخصية التي بصمت ليس فقط تاريخ السود في أمريكا وإنما تاريخ حقوق الإنسان والمساواة في العالم كله.
في خطابه التاريخي الذي أصبح شعارا عالميا يقتبسه الفنانون والأدباء والشعراء، سنة 1963 خلال مسيرة واشنطن من أجل الحرية، حين قال جملته الخالدة “لدي حلم بأن أطفالي الأربعة سوف يعيشون يوما ما في دولة لا يحكم عليهم فيها بسبب لون بشرتهم وإنما شخصهم وأفعالهم .. لدي حلم بأنه في يوم من الأيام وعلى تلال جورجيا الحمراء، سيجلس أبناء العبيد سابقا، وأبناء أصحاب العبيد معا على مائدة الأخوة.. لدي حلم”
حينها تغير الوجه الأمريكي .. لما قبل الخطاب وما بعده. 

مقالات مرتبطة


لقد عاش مارثن من أجل أفكاره ومات من أجلها واستطاع أن يمنح أكثر من خمسة مليون أمريكي من أصل إفريقي حقهم في الإنتخاب، وكان العراب الذي أشعل مصباح المساواة ودق أول مسمار في نعش التمييز والعنصرية.
اغتيل، كما اغتيل قبله ملهمه غاندي، سنة 1968 على يد أحد المتعصبين البيض، ليترك ورائه ميراثا كبيرا وتركة فكرية متجذرة. وتحقق حلمه الذي رآه يوما أعدائه مجرد خزعبلات وخطابات لا تصلح لشيء سوى لتهييج الجماهير المتلهفة. لتقف حفيدته اليوم وتصرخ هي أيضا بحلمها الذي تتمناه وهو أمريكا خالية من السلاح.
وأنا أقرأ عن هذا الرجل الذي غرذ خارج السرب فغير العالم بكلمة، كيف قضى على العنصرية بفكرة، وكيف أن الأفكار هي المنتصرة مهما بلغ توحش العدو ومهما طال زمنه واستحكمت قبضته وضيق الخناق سواء بجيشه أو حراسه وأسلحته، تعتريني نشوة فكرية جامحة مفادها أن الفكرة تنجو دائما. مارثن قبل أن يكون عراب السود كما يسمونه هو عراب الفكرة وهو واحد ممن استطاعوا أن يسيروا على دروب اللاعنف وأختاروا السلمية كعقيدة لهم إيمانا منهم أن العنف لا يأتي سوى بمثله، وأن الدماء لن تجلب سوى الخراب والدمار اللامنتهي، وقبله كان غاندي الذي اغتيل على يد متعصب هندوسي، ليصرح العالم الألماني إنشتاين بعد خبر مقتله قائلا “ستجد الأجيال القادمة صعوبة في تصديق حقيقة وجود شخص من لحم ودم يمشي على الأرض مثل غاندي ” ..
وعلى غرار الأحلام التي تتحقق، فأنا أيضا لدي حلم، أحلم أن يجد كل طفل مغربي فرصته في عيش حياة كريمة وأن يتعلم في مدارس محترمة وأن يتلقى العلاج المناسب في مستشفيات تحفظ كرامته وإنسانيته .. أحلم أيضا بأن يجلس أبناء الأغنياء والمسؤولين، مع أبناء الفقراء والمحرومين على مائدة الأخوة التي لا تحكم على أحد من خلال منصب والده أو ميراث عائلته أو نسبه وحسبه.