أنت بخير طالما تحاول!

خُطى الوقت وئيدة ثقيلة تجسم على الفؤاد، تصطلي فيه نار الحُرقةِ والبعاد، نسيرُ إلى ما قُدِر لنا مُطأطين رؤوسنا في استسلام، نتشبثُ بالمستحيل وننفضُ عن الممكن نُراوح محلنا وننحني متألمين أن آذينا -يومًا- قومًا بجهالة، الصادقون هنا يعانون كأشد ما يكون “أنت هنا في الزمان الخاطئ” هكذا يقول أحدهم، بينما الزمان الخاطئ مستمر مطرد على طول الدهر، مُنخلع في كل وقت وفي كل مكان على ما يناسبه من مظهر، جوهر واحد ولعنةٌ واحدة لا تتورع آثارها أبدًا أن تُزاورك في المرة مرات ومرات، الخطأ أصل التدافع والاختبار به نمتحن معدننا وننظر في حقيقتنا مُتربة مُتعبة لا تستطيع، ثم بتأمل بسيط لمسارات الوجود الكبرى نمضي مجددًا إلى حيث الاستطاعة والمحاولة.





مُحَاصر أنت أن كنت يومًا ذا صدق، ذنبنا ها هنا أننا مررنا إلى العالم بكل إيمان ممكن، أعطيناه كُليتنا وباشرنا إيماننا أفعالًا واستلقاءً على غيمات الحلم، لم نعطي ريبتنا أي فرصة كي تكون، ظننا أنها عدو معكر صفو الحياة واستقامة القدر، لم نعطها فرصتها كي تشير علينا أن غيماتنا السامقات المستلقين عليها ليست إلا أبخرة خادعة، ريثما نَهِبُها إيماننا وصدقنا ستنحل بنا إلى حيث نصادم الأرض، إلى حيث نلامس الحمأ المسنون اللزج كمصير نهائي يشتبك بنا إلى الأبد.

ريثما تمر إلى الجانب الآخر لا تنس عهدنا، الفراشات مزهوة بألوانها الطيور غنية بعلوها وأنا فقير بأرضي وبواقعي المضطرب، شبه تائه وطأت أراضين سحيقة من البعد، عمدت إلى ذاتي مفككًا وأخبرتها أنها اليوم أخف، أنها اليوم أكثر فرصة أن تذروها الرياح، أخبرتها أن تشبثي بفرصتك وانثري ذاتك بعيدة عن الألم الأكبر، قالت: أتشتيت الألم يفي؟! أستلهام رماد الموتى يعمد بنا إلى الخلاص؟! لا شيء ها هنا بمقدوره أن يفي، كل ما في الأمر أن ساعات العمر يمكنها أن تمضي بشكل أسرع، لكن الألم دفين منغلق؛ لا يزول!





لماذا نحن خَيّرون إلى ذلك الحد؟! لماذا نحن هكذا صادقون؟! أرى الخير الذي نُزجِيه للحياة؛ ويلات مستقبلية في الانتظار، ويلات تأتينا كخذلان كانقضاء حُلم كصدمات ومطاردات، قالت ووجهها يكسوه السؤال والتعجب: نعم؛ لماذا نحن خَيِّرون إلى ذلك الحد؟! ، قلت لها بإمكاننا أن نكون سيئين مثلهم، بإمكاننا أن نكون سعداء، قالت نعم بإمكاننا أن نكون سيئين، لكن أبدًا لن نكون سعداء، فسعادتنا ها هنا حيث نُزجِي الخير دون انتظار، ونقاوم الكرب دون انقطاع، شقاؤنا ليس شيئًا منزوع السعادة، بل ربما هو كل السعادة؛ فقط لو أننا نرضى ونقاوم لننتصر.

مقالات مرتبطة

إن المشكلة تكمن في تلك النظرة التي تقترب، تلك النظرة التي تحتضن اللحظة وتسير بها كأنها جل الحياة، تخيل ذاتك على بعد سنتيمترات من لوحة كُبرى بحجم السماء، ماذا ترى؟ يا للعجب ترى مظهرًا ثابتًا لنيرانٍ تشب وتملأ الأجواء، ابتعد يا صديقي قليلًا ابتعد أكثر وأخبرني ماذا ترى الآن: أرى حُمرة الصباح يولد من جنباتها إشراق، ستوقن أن لحظات الشقاء التي جاهدت فيها بنبل وقاومت فيها بحب كانت لحظات سعادة بالغة؛ فقط حين تبتعد قليلًا لتنظر مشهدك من ظلال مشهد آخر وواقع جديد.





طالما لم تضن يوما على حلمك بالجهد طالما لم تؤذي طالما لم تخذل فحتمًا حتمًا ستصل، ماذا عليك لو أطلقت عنانك واستبقت الوقت ببعد مُختلس، بُعد ترى من خلاله محنتك مبعثًا لقوتك، وجُرحك مصدرًا لمعافاتك، ابعث في ذاتك ما تستحقه من أمل وكن قيمًا على كل شأنك، لا تصنع من أحزانك أصنامًا تدور حولها، بل اصنع من حطامك مركبا يحملك، انثر فكرتك ولملم حلمك، شيده واقتفي أثره، وكن على قمته لدى الموعد المحدد.

لو أننا نضع النهاية قرب البداية ما تبدلت أحوالنا سوءاً بتلك الضراوة، إن السوء الذي يكتنفنا في أحياننا الكثيرة مرده الرئيس؛ تلك النظرة الآنية للأمور، تلك النظرة الضيقة التي لا تراعي امتداد الزمان ولا تراعي مجموع الوقائع والأحداث، إن محاولة قصيرة للاحتساب والفهم لكفيلة بفك طلاسم الألم لكفيلة بجعلنا أفضل، الفهم في هذا العالم الصاخب صار لزاما للنجاة والاستمرارية المفضية إلى إضافة حقيقية، دونه لا شيء سوى تكرار وانزلاق أكثر في هاوية سحيقة لم تعد تحتمل مزيدًا من المنتمين.




1xbet casino siteleri bahis siteleri