إيماننا الهش هو ما يجعلنا على قيد الحياة

إن ما يجعل المرء يطفو على بساط هاته الأرض ملوحا بيديه، ومتيقنا بقدوم سفينة النجاة هو إيمانه الضعيف، الذي ومع هشاشته، وشتاته وبعثرة مفاهيمه إلا أنه راسخ ثابث في قلبه، يفر منه فرار الابن من أمه ثم يعود إليه، لا ملجأ ولا مهرب منه إلا إليه كما يهرب الطفل إلى حضن أمه كلما أحس أنه ليس بخير، تعود إلى قلبك فتجد فيه بعضا من الإيمان، ينبثق فيه من الأمل، والتفاؤل، والراحة والسكينة ما يسد حاجتك ويكفيك لتلملم ما بك من شتات، هذا القليل من الإيمان يغنيك عن نصائح البعض وشماتة الآخر.

إن اعتقادك الصارخ بأن هناك قوة خارقة ستنقذك من كل أمر يشوش عليك هو إيمانك، أمنك وأمانك موضعه قلبك يصب فيك من الإقرار والطمأنينة الكثير، ويمنحك القوة على الصبر والتحمل فتصبح المحن منحا، فيها من الثواب والأجر ما يذهب سيئات عملك.

يقول ابن القيم: “إن في القلب شعث، لا يلمّه إلا الإقبال على الله”، هذا الاقبال، ومع قلة مراته، ومع أنك غالبا ما تجعله موطنك الأخير، باختياراتك الخاطئة لكثير من الطرق بحثا عن بصيص من الأمل، إلا أنه يظل بطاقتك الرابحة وأثمن الممتلكات، تجني ثمار العودة إليه كلما جئت منهارا منكسرا، فتغدو منتصرا على كل ما أملى عليك به الشيطان ليوقع بك في بحر من الهموم، والتفكير والظلمات.

إن الإيمان بالله، بوحدانيته، وقوته، وجبروته، ولطفه ورحمته، وملائكته، وكتبه وكل رسله هو مركب النجاة، وموكب الهدوء والسكينة، هو الصوت الهامس فيك بأن كل شيء سيكون بخير، هو الشيء الذي لا تجد له تبديلا، ولا تعديلا، إنه ملكك، ثابث فيك لن يغادرك ولن يستطيع أحد انتزاعه منك كباقي أشيائك التي لست عليها مسيطرا.

يعتريك أحيانا إحساس عظيم يشعرك تارة أنك حي، وأن الكون حولك حي، وأن هناك ما يستحق أن تعيش من أجل تحقيقه، وتارة بدونية الحياة ومدى سذاجة سعيك لتصل لأعلى المراتب الاجتماعية، وبين هذا وذاك يحدثك إيمانك وتستشعر لذة هاته الآية: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ }، فتعمل ةجاهدا لتحقيق كل عمل يرفعك في ممرك ويرتفع بك في مقرك، فتحقق بذلك الغاية والوسيلة وتعيش مرتاح البال موقنا، بأن الحياة فرص وجب الظفر بها والسعي وراءها بقوة، وعزيمة وتوكل أولا.

تذكر معي أصعب موقف تعرضت له، من المؤكد أنك شعرت أنها النهاية، بلغت حينئذ أقسى مراحل الحزن، أو ربما تعرضت لخيبات أمل ومواقف تمنيت فيها أن تتوقف الحياة حتى تعيد ترتيب كل شيء، أو حتى تتيقن أولا أنك لست في كابوس، وأن ما تمر به يحتاج الكثير من الصبر، لم تستطع حينها ترجمة إحساسك لمن حولك، فحجم ما بأعماقك من عتمة يفوق الكلمات والتعابير، تبحث عن حل هنا وهناك، وترفع عينيك علو السماء، فينبض قلبك ويهوّن عليك إيمانك محدثا إياك بأن الله لن ينساك، وأنه سيجبر خاطرك ويحقق أمنياتك، سيضيء ظلام جوارحك ويطفئ نار الخيبة والحسرة، فيرزقك النسيان ومرة التناسي وأحيانا التجاهل أو اللامبالاة، فتستصغر ما أصابك من ضر، وتزهد في باقي النعم وتغزل خيوط الأمل في الله.

إن معنى الإيمان الهش هنا بدون أدنى ريب، لا يرتبط بقضية التوحيد والربوبية لله وحده، بل بمعنى التصديق، أي التصديق الفطري الحق بأنك لله، وبأن الله قادر على تغيير كل شيء بحرفين في أقل من لمح البصر، وأن كل شيء عليه هين يسِير، وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأن ما تعتقد أنه النهاية ممكن أن يكون بداية لكل خير، حين تتنفس بهذا الإيمان صدقني، معظم ما يسبب لك الألم سينجلي، ومعظم ينابيع السعادة ستهيمن على فكرك، فلا ترجو شيئا سوى المزيد من القرب من الله.