اقتل الحب تحيا بسلام

تتجاذب أطراف مفهوم الحب الزئبقية عدة فاعلين، في محاولات تعمد إلى منطق البحث الحثيث لأجل غرض واحد هو الوصول إلى نقطة اتفاق مشتركة، لكلمة واحدة تتكون من حرفين “حب”. إلا أن قلة الأحرف لا تعني بساطة الاتفاق حول المعنى الواحد، فالمشترك ها هنا ضرب من ضروب الخيال لأنه يتعلق من الناحيتين بالبشر، ناحية البحث وناحية العينة المدروسة. فالباحث عن معنى واحد ثابت لما هو متحرك غني بالتفاعلات الإنسانية كمن يحاول فرز ذرة سكر وسط بحر ملح، يبدو الأمر مبالغا فيه لكن أعرني انتباهك لوهلة، ولنتحدث عن حياة فرد واحد قبل ولادته إلى ما بعد وفاته:
أعجب من كمية البهجة التي يلقيها خبر وجود جنين جديد داخل رحم الأم وسط المحيط الأسري، بغض النظر عن جنسه المجهول، وهول الألم الذي يؤرق خاطر الأم طوال فترة الحمل وصولا إلى الوضع. وببالغ الحب وأسمى تجلياته يستقبل المولود الجديد بحفل اتفقت حوله جميع الأعراق والمذاهب، يرحب به ويقول له بشكل ضمني أهلا بك بحضننا الدافئ بفعل الحب الذي نحمله لك. لتمضي الأيام نحو المجهول لكن بحضن حب الأبوين كلاهما أو أحدهما، في محاولة لتدريس قيم الحياة بحلوها ومرها دونما تقصير في كمية الحب المقدم منهما، لأنها إن لم تتطور فيستحيل أن تنقص. ليصل الفرد إلى درجة الوعي اللازمة لفهم ما كان يقدم إليه وتقديره، إلا أن ما قدم له منذ ولادته على الوجه الأكمل لا يكفي، لذا سيبحث عن باب آخر تدخل منه ريح الحب ويبادلها بأخرى، أي جدلية الأخذ والعطاء. لنقف عند باب الأصحاب والأحباب والوعي الجمعي في علاقته بالدائرة الصغرى “الأهل، والأحباء والأصدقاء” والدائرة المتوسطة “المجتمع” والدائرة الكبرى “التسامح البشري”. جميع هذه الدوائر تعمد لصناعة الفرد المحب الذي ينشر الحب أينما حل وارتحل، مع ذلك لا يحقق الاكتفاء إلا بما تنتظر قراءته بعد كل ما سبق نعم الطرف الآخر الأنثى للذكر والذكر للأنثى، وهذا أمر يطول الحديث حوله سنحاول تأجيله قليلا. فالفكرة الأساس هي أن كل من يولد على وجه البسيطة يملك بين يديه كمية حب لا توصف، وله كامل الحرية بالتصرف فيها واستثمارها بالشكل الأنسب من فرد أدخل البهجة والسرور يوم ولادته لآخر يؤسس لعش حب دافئ ينتج أعشاشا أخرى ويذهب في حال سبيله تاركا وراءه ذكرى جميلة.

بالرجوع إلى العنوان، من واضح أنه يقودنا مباشرة نحو العدائية، بل وإلى كره كاتبه صاحب فكرة الحديث عنه خصوصا بعد أسطره الأولى السرابية. لكن عذرا، أيمكن لك أن تصبر قليلا قبل إصدار حكمك بقتل خيط الحب الذي أحاول ربطه معك عبر هذه الأسطر. لأن قاعدة الظاهر لا يعكس باطن الأمور هي ما تحكم غالبا آراء أصحابها، وما أرغب مناقشته وإياك قديم قدم البشرية إن لم نقل سبقها وجودا. فالحب صفة التصقت بأصل كل كائن حي بل وبمن خلق ووضع هذا الكون على هذا الشكل البديع، بتناسقه الذي لا يستوعبه عقل قاصر.

قتل قابيل هابيلا، بعدما نسي معنى الحب الأخوي. وامتلأ جوفه بالغيرة والحسد، بالرغم من أن هابيل قابله بسلم فاتحا أذرعه للموت دونما مقاومة. يقول تعالى: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}. فكانت هذه أول جريمة قتل للحب، بسبب الغيرة من الحب، فهابيل قدم قربانه بحب وتغييب للذات، وقابيل لم يكفه حب امتلاك زوجة أخيه لنفسه، بل غش في قربانه. المقصود هنا أن للحب ارتباط بعديد الأمور الإيجابية والسلبية. فالأولى تعكس ما يجب أن يكون عليه، وتربطه بالسلام الداخلي مع الذات، والسلام الخارجي مع المحيط. والثانية تجعل منه سلاح حرب لا يأبه للنتائج.

كانت هذه نقطة انطلاق سلاسل قتل الحب في التاريخ البشري، جميعنا له دراية كبرى ببعض القصص التاريخية التي تتردد على أذهاننا بشكل مستمر متغير. من أحاديث الرسل والأنبياء وما يحملونه من خير بحب وسلام لأقوامهم، وأشكال الرفض والقتل والترهيب التي تواجههم بسبب ما يحملون، إلى الحروب الدموية التي حكمت الأحقاب التاريخية الكبرى، لأسباب تافهة راح ضحيتها ملايين البشر ممن كونوا عش الحب الذي تحدثنا حوله سابقا، إلى ما نعيشه اليوم من قتل بارد لأطفال عزل، وحديث عن حرب عالمية أخرى تهدف إلى إرجاع كوكب الأرض كوكبا مظلما كما قال ألبيرت أينشتاين: “لا أعرف ما هي الأسلحة التي سوف تكون في الحرب العالمية الثالثة، لكن سلاح الرابعة سيكون العصي والحجارة”. لنفهم بداية أن إمكانية قتل الحب داخل النفس هي ما تخول القيام بهذه الأعمال الشنيعة، لأن قتله داخل الفرد غير كاف بل يجب بعدها المضي إلى المحيط والقضاء على كل ذرة منه بغرض إشباع البرود الداخلي الذي أنتجه غياب الحب، وقطع الحب مع السلام البشري.

يقول بيرتراند راسل: “الحب لوحده، أو المعرفة لوحدها، لن يعطونا حياة جيدة، في العصور الوسطى، عندما ظهر الطاعون، كان الرهبان ينصحون الناس بالتجمع في الكنائس للصلاة والنتيجة أن العدوى انتشرت بسرعة، هذا مثال عن الحب دون معرفة، الحرب العالمية الأولى قدمت مثالًا عن المعرفة دون حب”. أهمية المعرفة في الحب لا تقل عن أهمية السلام به، فمعرفة المشكل، أو طبيعة الطرف الآخر أمر ضروري لإتمام عقد الالتئام، ومعرفة الحب قبل الحرب أهم من الحب بذاته. “فعندما تتغلب قوة الحب على حب القوة سيشهد العالم السلام”. جيمي هنتركس.

فيا ليت هذا الحب يعشق مرة فيعلم ما يلقى المحب من الهجر. “قيس بن الملوح”
يطير إليك من شوق فؤادي ولكن ليس تتركه الضلوع. “ابن عبد ربه”
أنت النعيم لقلبي والعذاب له فما أمرّك في قلبي وأحلاك. “الشريف الرضي”
أعانقها والنفس بعد مشوقة إليها وهل بعد العناق تداني. “ابن الرومي”
لولا الهوى لم ترق دمعًا على طلل ولا رقت لذكر البان والعلم. “البوصيري”
لي حبيب كملت أوصافه حق لي في حبه أن أعذرا. “البهاء بن زهير”

جميعها تعابير انتقلت عبر الأزمان والأماكن والظروف الخاصة بأصحابها، هدفها الوحيد هو التعبير عن متناقضة الراحة التي تقبع وسط الألم الجميل. هذا أقل ما يمكننا وصف الموقف به، وهذا ما لا يمكن لعقل استيعابه فهما وعملا، وبشكل سليم كامل. غير أنه يبقى واقعا متجسدا على لسان هؤلاء الشعراء، وغيرهم الكثير، طبعا قبل أن نصل إلى نقطة الفراق التي يقول عنها نزار قباني:

حزن يغتالني
وهم يقتلني
وظلم حبيب يعذّبني
آه! ما هذه الحياة
التي كلّها آلام لا تنتهي
وجروح لا تنبري
ودموع من العيون تجري
جرحت خدّي
أرّقت مضجعي
وسلبت نومي

….

والقصيدة تطول في حجم الألم الذي يتخبط فيه بعد فراق من أحبه.

كم هو غريب حقا مدى عمق ما يحمله هاذان الحرفان إن اجتمعا “ح” و “ب”، من الواضح أنهما يحولان الجميل قبيحا، ويجملان القبيح. يقتلان ويقتلان، يرتبطان بالسلام والحرب والمعرفة…يؤطران نوع العلاقات البشرية ويضعان لها حدودا وهمية وأخرى ملموسة. بغيابهما تسود الحروب وتهدم الأعشاش. باختصار، جل ما يجمعهما هو علاقة المجرم والضحية.

ندم قابيل، وكره العالم رجال الدين الذين يتاجرون بالحب، ولا يذكر التاريخ صناع الحروب الحقيقيين إلا بالذم والشتم، وبكى العاشق الخائن خلسة، وأعلن الشاعر ألمه بعد فرحه. لينجح من صنع عشه بالحب وعلى الحب في زرع بذور السلام والمعرفة والسعادة بأعشاش اللاحقين، ولم يترك لهم سوى كلام الحب منقوشا بأفئدتهم يتغنون به. لذا، لنحيا بحب ولنحيي الحب كأمل أخضر اللون وسط جنة قاحلة.