الإنجاب بين الإجبار والإختيار

5٬006

يتعرض الأزواج لضغط كبير من خلال محيطهم الذي يعيشون فيه فيما يتعلق بموضوع الإنجاب، فلا ينفك كل فضولي في طرح الأسئلة التالية : إمتى ناويين تولدو !؟ مكاينش شي حاجة فالطريق !؟ ومن ثم ينظر للأزواج بدون أطفال وكأنهما أتعس من على البسيطة.. فكيف إذا اختار الزوجين عدم الإنجاب !؟ وكيف إذا كانا لا يستطيعانه أصلا بسبب عضوي!؟ هل ينقص الأمر من أنوثة الزوجة أو من رجولة الزوج شيئا!؟ وهل ينقص عدم إنجابها من سعادتهما كزوجين!؟
الإنجاب في حد ذاته ليس بالإنجاز الكبير، اللهم إذا كان عقما يصعب علاجه. عدا ذلك، فالإنجاب أمر اعتادته البشرية منذ نشأتها، لكن الأصعب منه هو كيف سينشأ هذا الكائن الذي ولد لتوه وأية تربية سيتلقى!؟ وهل هذين الزوجين مؤهلين لتحمل مسؤولية إنسان بمختلف احتياجاته الجسدية وقبلها النفسية والإجتماعية !؟ وهل الوسط الذي سيولد فيه وسط يساعد على إنتاج جيل معافا سليم ناضج بمبادئ إنسانية سامية يحترم فيها كل مخلوق سواه!؟
هذه الأسئلة غالبا ما لا نطرحها على أنفسنا إلا ما نذر، يكفي أن نشتري مهدا صغيرا جميلا وبعض الأغراض كرضاعة فرنسية الصنع وملابس قطنية مئة بالمئة وإقامة وليمة سبوع تحكي عنها نسوة الحي، ثم نستيقظ بعد كل هذا المرج لنكتشف الواقع المعقد : لقد أصبح في بيتنا طفل.

مقالات مرتبطة


على عكس المتوقع فقد نشرت الجميعة الإجتماعية الإمريكية أن الأزواج المنجبين هم أكثر عرضة للكآبة من الأزواج بدون أطفال. وكذلك الأمر في دراسة لجامعة بريطانية (the open university) ضمت خمسة آلاف مشارك حيث كان الأزواج بدون أطفال أكثر سعادة من الأزواج المنجبين. يتجلى ذلك بالأساس في كون الأزواج الغير المنجبين يجدون الوقت الكافي للإعتناء ببعضهم البعض، متجنبين الخلافات التي تقع بسبب طرق التربية المختلفة التي يتبناها كل شخص، والتي قد تؤدي أحيانا لصراعات السيطرة المنتجة لحالات طلاق مؤسفة، وأيضا بسبب المشاكل المادية فوجود طفل في البيت هو أمر مكلف جدا، فالأولوية المادية له، وتوفير راحته وحاجياته هو واجب مقدس الشيء الذي يؤثر سلبا على الزوجين، خاصة عندما يتعلق بتعليمه فيصبح هوس الوالدين جمع المبالغ المالية الممكنة لتأمين مستقبل دراسي جيد لطفلهما.
في المقابل أبان تقرير قامت به جامعة برنستون وجامعة ستوني بروك سنة 2014 وجود فارق بسيط جدا في درجة رضى الأزواج عن حياتهم سواء الأزواج بدون أطفال أو الأزواج المنجبين الذين يعانون درجة توتر أعلى. ويوضح البوفيسور في الطب النفسي بجامعة ستوني بروك وأحد مؤلفي التقرير أعلاه أن وجود أطفال في حياة الأزواج أو غيابهم ليس عاملا لتحديد من الأسعد، فمثلا إذا اخترت أكل تفاحة لأنك تحب التفاح وآخر إختار برتقالة لأنه يحب البرتقال، فإنه لا يوجد سبب لإدعاء أن تجربتك أنت بأكل التفاح أفضل من تجربة الآخر بأكل البرتقال .. والأمر ينطبق على إنجاب الأطفال من عدمه. إذن فلا وجود للأسطورة الخالدة التي تفترض قطعا أن عدم الإنجاب هو سبب لبؤس دنوي وشقاء دائمين للأزواج. فقد يكون الشقاء بسبب الأطفال أحيانا كثيرة.
إن فكرة الإنجاب هي اختيار حر يجب أن ينتج عن إرادة واعية، وإدراك عميق بأن وجود طفل في حياة زوجين هو مسؤولية عظيمة عليهما خوض نقاشات طويلة وتحديد أهداف مشتركة والتفاني الواعي في تطبيقها، فمشروع إنجاب طفل وتربيته هو أقدس وأعظم مشروع في الوجود. فلا تفكروا بالإنجاب كواجب يجب عليكم تلبيته لإرضاء أسئلة الفضوليين بل كإختيار مسؤول سيغير حياتكم للأبد.