الاجتهاد في الشريعة الإسلامية: تفعيل أم تعطيل

43

يشكل موضوع الاجتهاد في الشريعة الإسلامية مبحثا أصوليا لا تخفى أهميته في تشريع الأحكام، وليس الهدف من هذا المقال الوقوف على أهميته أو الاستطراد في تعريفاته أو غير ذلك من الجزئيات المتفرعة عن الاجتهاد والتي محل تفصيلها في كتب أصول الفقه، وإنما الباعث على كتابته هو نقاش لطالما استفز فكري ووضعني أمام حتمية الفضول العلمي، ويتعلق الأمر بشروط الاجتهاد المعروفة والتي استوقفني التأمل فيها منذ أن درست أصول الفقه لأول مرة في الجامعة، فكنت أقرأ تلك الشروط وأقول: أيتعلق الأمر ببشر غير البشر الذي نعرفه؟ وبعلماء أكابر وأدمغة بشرية قضت نحبها ولن يخلفها من بعدها؟

لا شك أن هذه الشروط وضعها أصحابها كسياج تحتمي به الشريعة الإسلامية ممن ليسوا أهلا لتنزيل أحكامها على النوازل المستجدة في حياة الناس، تماشيا مع قاعدة محدودية النصوص ولا انتهائية الحوادث، فكان لا بد إذن من تفعيل دور الاجتهاد وفق آلياته وشروطه العلمية وهو مقصد علمي شريف، لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة أليس يُخشى عل هذه الشروط أن تصبح معطلة لدور الاجتهاد لا مُفَعلة له؟ هل نريد من هذه الشروط أن تكون حافزا للاجتهاد والإجابة عن إشكالات العصر وفتاوى الناس؟ أم نريد تحويلها إلى عقبات تقف سدا منيعا أمام صناعة الملَكات؟ كلها أسئلة مشروعة يكفي بالواقع العلمي تعزيزا لها.

إذا نظرنا إلى واقع تدريس العلوم الشرعية في الجامعة العربية سنجد أن أكثر الإشكالات استعصاء تلك المتعلقة بتوظيف واستثمار العلوم الذي أصبح اللغز المحير للباحثين ولا أحد يكلف نفسه السؤال عن تداعياته.

إن سبب هذا الإشكال أساسا هو الفصل بين التنظير والممارسة على مستوى التحصيل من جهة، وتكريس أفضلية المتقدمين على المتأخرين كمسَلَّمَة مغلوطة، فلم يبق للمتأخرين فسحة ولا مجال للبحث عن الجديد، بل وحتى الحق في ممارسة النقد والتقويم كآلية لتطوير مسارات العلوم أصبح تهمة عند الكثير.

آن الأوان إذن للباحثين المعاصرين في العلوم الشرعية الانتقال إلى مراق متقدمة في البحث العلمي، وتحويل توظيف العلوم من طموح إلى حقيقة حسب اجتهادهم وما تمكنهم به قدراتهم العقلية و العلمية، مع الإشارة إلى أن هذا لا يعني فتح الباب على مصراعيه ولا يعني تجاوز سلم المراحل العلمية.

بل الغاية هي الكشف عن المواهب والذكاءات عن طريق تشجيع الاجتهاد وتوسيع أفق البحث.

وإذا تصفحنا بعض مؤلفات التراث الإسلامي سنجد الاستفادة من العلوم وتوظيفها حاضرا، فالإمام ابن خلدون في مقدمته نجده في أكثر من موضع يوظف القياس الأصولي في الكشف عن المغالط والأخطاء التي يقع فيها كثير من المؤرخين في نقلهم للأخبار في غفلة عن مقايستها بنظائرها، وفي ذلك يقول: “وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالطات في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أو سمينا، لم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة ووقفوا على طبائع الكائنات.”

مقالات مرتبطة

كما اعتمد ابن خلدون مسلك السبر والتقسيم عند بحثه عن الحكمة من اشتراط النسب القُرشي وغيرها من المجالات التي استثمر فيها الفكر الأصولي.

نحن لا ندعو إلى القطيعة بين الماضي والحاضر ولا إلى الانفصام النكد بين التقليد والتجديد على مستوى المناهج التعليمية بالمؤسسات الشرعية التي يُنتظر منها تخريج طاقات بشرية مجتهدة، بقدر ما ندعو إلى تعميق البحث في مدى إمكانية تغيير شروط الاجتهاد لتتكيف وتتناسب مع واجب الوقت ومستجدات العصر، وعدم التشبت بحرفيتها، إذ التمسك بتلك الشروط سبيل إلى القول بانقطاع الاجتهاد، وقد تنبه الإمام الغزالي إلى هذا الأمر بنظرته المآلية، فلم يشترط في القرآن الكريم إلا آيات الأحكام وإن كان هذا الشرط أيضا بحاجة إلى تدقيق ومراجعة، على اعتبار أن تحديد آيات الأحكام يختلف باختلاف أنظار الباحثين والمجتهدين، وهذا يؤدي إلى اختلاف على مستوى دقة النتائج المتوصل إليها في حصر آيات الأحكام. ولم يشترط حفظ الأحاديث النبوية عن ظهر قلب كما قال بعضهم، إنما اشترط أن يكون عند المجتهد أصل مصحح لجميع الأحاديث واكتفى في معرفة العربية بمعرفة اللغة والنحو على وجه يتيسر له به فهم خطاب العرب.

وكذلك ابن عقيل انتقد تعظيم هذه الشروط فقال: “أما الأول وهو تعظيم شروط الاجتهاد وتعدادها، فلا عاقل شرط لهذا العمر القصير والعلوم المهولة الكثيرة أن يكون الواحد في النحو كالخليل وسبويه.”

وهذا ما دفع مجدد علم أصول الفقه الإمام الشاطبي إلى حصر هذه الشروط في العلم بمقاصد الشريعة وفقه التنزيل.

ثم إن هذه الشروط حسب الإمام ابن تيمية تُوقع العلماء في التعارض، إذ يشترطون في القاضي أن يكون من أهل الاجتهاد لينتصب لهذه المهمة، ثم يذكرون في شروط الاجتهاد أشياء لا تتوفر في الحكام.”

إن هذه الشروط إذن ترد عليها اعتراضات كثيرة على مستوى الكيف، وتلزم عنها لوازم تعيق مسيرة البحث العلمي، وتوقع الباحثين في إشكالات عويصة وتوسع دائرة التقليد والركون إلى الماضي في جهل تام بالضوابط الصحيحة لفهم كلام العلماء، وللمرحلة التاريخية التي استدعت تسطير هذه الشروط. مع العلم أن الاجتهاد مراتب ودرجات، والشروط إنما هي تابعة لهذه التراتُبية لا مؤصلة لها.