الانتحار: الطريق الأسهل للخلاص

إن الانتحار ظاهرة اجتماعية، إنسانية لا يخلو أي مجتمع منها، وقد عرفت هذه الظاهرة الاجتماعية تزايدا وتفاقما في ظل التغيرات التي تشهدها المجتمعات؛ مما جعلها محط اهتمام العلوم الإنسانية سعيا إلى فهم الظاهرة ومحاولة تحليلها والتوصل إلى أسبابها. وقد عرف لنا دوركايم الانتحار بأنه: كل حالات الموت التي تنتج بشكل مباشر أو غير مباشر من فعل سلبي أو إيجابي ينفذه الضحية نفسه وهو يعرف أن هذا الفعل يصل به إلى هذه النتيجة أي الموت.

و يعرفه G. Deshaies بأنه: “فعل قتل الذات عادة بطريقة إرادية، آخذا الموت كوسيلة أو هدف”. ويمكن القول إن هناك مجموعة من العوامل المؤثرة في ظاهرة الانتحار منها ما هو ديني، سياسي، اقتصادي، اجتماعي، نفسي وسوسيوثقافي، هذا ما يجعلنا أمام ظاهرة معقدة تتداخل فيها مجموعة من العوامل. وحسب ما جاء في تقرير منظمة الصحة العالمية لسنة 2014 فإن العالم يشهد حالة انتحار كل 40 ثانية، أي أكثر من 800000 ألف شخص سنويا، كما جاء فيه أن كل بالغ يقوم بالانتحار يؤثر في أكثر من 20 شخص آخرين، إضافة إلى أنه يعد ثالث سبب للوفاة عند الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و 19 سنة.

هذه الإحصائيات تبين لنا مدى خطورة وانتشار ظاهرة الانتحار خاصة بين الشباب. مما يستدعي معالجتها من مختلف الجوانب أهمها الجانب النفسي والاجتماعي لمحاولة معرفة الأسباب التي تدفع الفرد للإقبال على هدم ذاته ووضع حد لحياته، وتفسر مدرسة التحليل النفسي بقيادة فرويد الانتحار باعتباره ظاهرة نفسية داخلية، وعلى أن السلوك الانتحاري ناتج عن التكوين النفسي الذي يتضمن غريزتين متصارعتين هما: غريزة الحياة وغريزة الموت، وقد سلم فرويد بغلبة غريزة الموت في النهاية بفضل ما تولده من ميولات عدوانية ومدمرة للذات؛ فهو يرى أن الانتحار غالبا ما يكون حصيلة منطقية للمرض السوداوي، في حين أن رولف وَوليامس يؤكدان على أن الشخص الذي يقبل على تنفيذ الانتحار يتميز بشخصية نرجسية تعجز عن مواجهة مواقف التهديد، وتتضمن الفشل والحرمان ما يجعل الفرد يفقد تقديره لذاته هروبا من الصراع غير المحتمل، كما أن انتحاره يدل على رغبة نكوصية لا شعورية في العودة إلى المرحلة الرحمية.

إن الأشخاص المصابون بالاكتئاب أو الهوس الاكتئابي أو الفصام هم أكثر عرضة للتفكير في الانتحار نظرا لما يعيشونه من صراع نفسي داخلي يعزز من فكرتهم في وضع حد لمعاناتهم. أما أصحاب التفسير السلوكي فيعتبرونه سلوكا متعلما ومكتسبا في الغالب، وينفون وجود أي جذور جينية وراثية قد تؤدي إلى ظهوره، كما أنه تم اعتبار المحاكاة من الطرق الرئيسية التي يتم من خلالها تعلم السلوك الانتحاري، أي عندما يشاهد الشخص نموذجا معينا يقوم بسلوك انتحاري فإن احتمال تقليده لذلك السلوك يرتفع. أما من الناحية السوسيولوجية فقد اعتبر دوركايم هذا الفعل نتيجة ضعف الروابط الاجتماعية والانعزال، كما أنه خلص إلى وجود قوى اجتماعية خارجة عن نطاق الفرد تؤثر في معدلات الانتحار وربط هذا التفسير بمفهوم التضامن الاجتماعي، وقد قدم لنا تصنيفات لهذه الظاهرة، ولعل أهمها هو الانتحار الأناني والفوضوي، وقد أشار إلى أن الانتحار الأناني هو نتيجة انحلال الروابط الاجتماعية أي ضعف علاقة الفرد مع باقي أفراد المجتمع حيث يعيش في عزلة عن الآخرين مع اختلاطه بهم؛ حيث تتبادر إلى الفرد مشاعر مظلمة كالاعتقاد بأن حياته لا معنى لها وأنه غير مرحب به داخل المجموعة، حينها يستسلم الفرد لأصغر صدمة من صدمات الظروف المحيطة به مما يوقع في فخ الانتحار، وهو انتحار سوداوي كما أسماه دوركايم لأن الفرد يختار الانفصال عن المجتمع، فالفراغات التي يشعر بها تجعله غريبا عن الآخرين وهي نابعة بالأساس من تحلل الروابط الاجتماعية، أما الانتحار الفوضوي فقد أرجع دوركايم أسبابه إلى الاضطراب والاختلال اللذين يقعان في المجتمع، فالسمة البارزة في مجتمعاتنا اليوم هي التغير السريع وعدم الاستقرار، إذ أصبح هناك تشابك علائقي وعولمي دخلته البشرية بحيث لم يعد هناك حديث عن مرجعيات محددة وواضحة وإنما أصبح الفرد بفعل هذه التغيرات يشعر بفقدان هويته ويدخل في حالة فوضى تؤدي به إلى وضع قطيعة مع كل هذه الظروف عن طريق الانتحار.

كما أن بعض الدراسات التي أجريت حول ظاهرة الانتحار أكدت على أن هناك علاقة ارتباطية بين التفكك الأسري وفعل الانتحار، فتتحول هنا الأسرة من فضاء للنقاش واحتواء مشاكل أفراد العائلة إلى مصدر ترهيب نفسي بفعل مجموعة من التصدعات كالطلاق أو فقدان أحد الوالدين أو العنف الأسري، بالتالي فعدم استقرار مؤسسة الأسرة تساهم هي الأخرى بشعور الفرد بعدم الأمان والاسقرار وأنه مرفوض ومنبوذ من أقرب الناس إليه مما يدفعه للتفكير في الانتحار والتخلص من كل هذه الضغوطات والأفكار التي تثقل كاهله.

في الأخير، وفي ظل تفشي ظاهرة الانتحار في صفوف الشباب والمراهقين مؤخرا، لا بد من ضمان حماية نفسية واجتماعية لهؤلاء الشباب نظرا للضغوط التي يفرضها السياق الاجتماعي والتغيرات التي يعرفها، إضافة إلى مجموعة من الممارسات الدخيلة على المجتمع التي يتم الترويج لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما يستدعي ضرورة مراعاة الجانب النفسي والاجتماعي في حياة الأفراد.